العالم

العقوبات الأميركية على تركيا.. ثلاثة أسئلة عن التداعيات المحتملة

15 ديسمبر 2020

تدخل العلاقة بين واشنطن وأنقرة في مرحلة جديدة بعد العقوبات التي فرضت على الأخيرة بموجب قانون "كاتسا"، واستهدفت قطاع الصناعات الدفاعية ورئيسها، إسماعيل ديمير، في إجراء اتخذه، دونالد ترامب، في آخر أيامه بالبيت الأبيض، وفي ذات الوقت افتتح به السياسة المقبلة التي سيسير عليها خلفه الرئيس المنتخب، جو بايدن. 

السياسة الأميركية المقبلة وحسب ما تفرضه الأيام الحالية، يبدو أنها لن تكون بعيدة من التوتر، والذي مهدت له عدة عوامل مؤخرا، أبرزها الصورة العدائية ضد أنقرة التي كونها بايدن أثناء حملته الانتخابية، وألمح إلى أنه سيسير عليها حال تسلمه مهام الرئاسة، في يناير المقبل.

ووفق رصد أجراه موقع "الحرة" لوسائل الإعلام التركية، فإن الأوساط السياسية وفي الساعات الماضية اصطفت في موقف رافض للعقوبات الأمريكية، سواء المعارضون أو الموالون للحزب الحاكم، من منطلق أن هذا الإجراء الأميركي يهدد "سيادة الدولة التركية"، ويجب ألا يستمر من أجل الحفاظ على العلاقات القائمة بين واشنطن وأنقرة. 

بينما كان هناك نبرة ملامة وتوّعد في آن واحد من جانب المسؤولين الأتراك، ووفق بيان للخارجية التركية فقد أدانت القرار، وأشارت إلى أن أنقرة ستتخذ الإجراءات اللازمة ضد العقوبات التي لا مفر من تأثيرها سلبا على العلاقات بين البلدين.

هل كانت أنقرة مستعدة لها؟

لم يكن قرار فرض العقوبات الأميركية على أنقرة مفاجئا، بل كانت الأخيرة قد تنبهت إليه في الأيام الماضية، وأطلقت عدة تصريحات على لسان مسؤوليها، بأنه وفي حال فرضها، فن تلك العقوبات ستلعب دورا في تأزيم العلاقة بين الجانبين.

ويرى مراقبون أن العقوبات الأميركية التي طالت قطاع الصناعات الدفاعية في تركيا، لم تكن جديدة بل كانت مفروضة بشكل ضمني من جانب إدارة ترامب، ليتم في الوقت الحالي اعتمادها بصفة الرسمية، كبداية أولى للسياسة التي سيسير عليها الديمقراطيون بعد تسلم بايدن مقاليد الحكم. 

الباحث في الشؤون التركية، الدكتور باسل الحاج جاسم، يقول إنه "بعد إبرام أنقرة صفقة إس 400 الروسية، وتجريب هذه المنظومة، كان من السذاجة الاعتقاد بأنه لن تكون هناك عقوبات أميركية".

ويتابع الباحث في تصريحات لـ "موقع الحرة" بأن "السؤال المفترض في هذه الحالة، هل تركيا مستعدة للخطوة الأميركية هذه؟، التي هي أبعد من مجرد قضية تتعلق بالاستحواذ على المنظومة الدفاعية الروسية؟"

ويشير الحاج جاسم إلى أن "هناك دولا أخرى في الناتو سبق واشترت منظومة دفاعية روسية إس 300"، معتبرا أن "واشنطن هي التي وضعت حليفتها تركيا في هذا الموقع، بعدم تزويدها بمنظومة دفاعية جوية، ما دفع أنقرة للبحث عن البدائل".

وتقول واشنطن إن استخدام أنظمة "إس 400" قد يعرض الأنظمة الدفاعية في حلف الأطلسي (الناتو) للخطر، بينما تقول أنقرة إنه لن يتم دمج المنظومة في أنظمة الحلف، ولن تشكل أي تهديد.

نظام إطلاق الصواريخ الروسية S-400 المضاد للطائرات

واعتبر المحلل السياسي التركي، مهند حافظ، أن تركيا في سياستها الخارجية لديها حسابات متعددة، ومن ضمنها فرض عقوبات عليها، وهو ما أكده إردوغان سابقا بالقول: "منذ عقود من الزمن وسيف العقوبات يُشهر في وجهنا ولكننا نكمل طريقنا".

ويشير الحافظ في تصريحات لـ "موقع الحرة" إلى أن "أسلوب العقوبات لا يجدي نفعا مع تركيا، والصحيح هو الحوار المباشر معها. أنقرة ترد على هذه التحركات الغربية عموما بتجديد الدعوة للتنسيق والحوار وبالمزيد من الإسراع في الاعتماد على نفسها في الصناعات العسكرية".

ما خيارات أنقرة الحالية؟

تعود صفقة شراء "إس 400" بين أنقرة وروسيا إلى عام 2017، وكانت مؤسسة الدفاع التركية قد بدأت استلام أول 4 بطاريات من منظومة الدفاع الروسية بقيمة 2.5 مليار دولار في يوليو 2019. 

وحاليا وبعد أن باتت العقوبات أمرا واقعا مفروضا على أنقرة، تتجه الأنظار إلى الأوراق التي ستستخدمها، وإلى الخيارات أمامها في المرحلة المقبلة، والتي ستكون صعبة وحساسة حسب محللين، خاصة أن ما تشهده العلاقة بين أمريكا وتركيا في الوقت الحالي يوازيه توتر أوروبي- تركي أيضا، كانت آخر آثاراه العقوبات الفردية التي فرضتها دول الاتحاد الأوروبي على شخصيات تركية.

ويرى الحاج جاسم أن العقوبات ستؤثر على علاقات أنقرة مع الإدارة الأميركية القادمة، معتبرا أن "جوهر وجذور المشكلة بين واشنطن وأنقرة بدأت من سوريا، بعد تجاهل إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لمصالح تركيا الدولة الحليفة الاستراتيجية لواشنطن".

ويوضح الباحث قوله: "ستكون هناك بداية معقدة في التعامل بين أنقرة وإدارة بايدن، والتي ستبدأ مع إرث ثقيل، ولاسيما إذا أرادت تركيا الرد على هذه العقوبات بالابتعاد عن خطط واشنطن في سوريا"، خاصة أن مبعوث واشنطن السابق إلى سوريا، جيمس جيفري، قال منذ أيام إنه "بفضل تركيا تمكنت بلاده من تحقيق الكثير من الأهداف هناك".

أما المحلل التركي، مهند الحافظ، فيرى أن أحد الخيارات الواردة لدى أنقرة هو المزيد من الاتفاقيات العسكرية مع روسيا كطلب شراء طائرات "سوخوي 35"، وإن كان هذا في الوقت الحالي مجرد خيار غير مفعّل ريثما تتبين سياسة بايدن الخارجية عموما، وإزاء تركيا خصوصا.

ويشير الحافظ إلى أن "تركيا الآن تتريث حتى تتوضح معالم التحركات الأمريكية، وعليه سوف تتخذ تحركات تساهم في الدفاع عن حقوقها ومصالحها".

هل سيكون هناك أثر على الصناعات الدفاعية؟

وتشمل العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية إدارة الصناعات الدفاعية التركية ورئيسها، إسماعيل ديمير، وثلاثة مسؤولين فيها، كما تحظر جميع تراخيص التصدير الأميركية، وتجميد الأصول، ووضع قيود على تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة للمسؤولين عن الهيئة التركية المذكورة.

ووفق مراقبين، فإن أهمية العقوبات ورمزيتها تأتي من أنها فرضت من طرف في حلف "الناتو" ضد طرف آخر ضمن الحلف، ورغم أن العقوبات بموجب "كاتسا" تستهدف "خصوم أمريكا"، إلا أن العلاقة بين واشنطن وأنقرة لم تصل إلى حد "الخصومة" حتى الآن.

الخبير العسكري الأردني، اللواء فايز الدويري، يقول في تصريحات لـ "موقع الحرة" إنه "لا شك أن فرض عقوبات من قبل أميركا على أي دولة في العالم سيلحق بها الضرر، وهذا يعتمد على نوع العقوبات ومدى اتساع قاعدتها".

ويضيف الدويري أنه "إذا ما نظرنا للعقوبات الأميركية على إيران فإنها شملت كل مجالات الحياة من قطاع عسكري واقتصادي وغيرها، لكن في الحالة التركية فرضت على إدارة الصناعات الدفاعية، بموجب قانون مكافحة أعداء أميركا، وفرضت تجميد أصول إسماعيل ديمير".

ويرى الخبير العسكري أن تجميد أصول إسماعيل ديمير "ليس بالأمر الهام، وتأثر الصناعات الدفاعية التركية سيكون منوط بحجم اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية".

وتُعتبر الطائرات المسيرة رائدة الصناعات التركية، ويتابع الدويري: "لذلك سيكون التأثير محدود كونها صناعة تركية خالصة".

رسالة إلى موسكو

في سياق ما سبق وبوجهة نظر الباحث في الشؤون التركية، باسل الحاج جاسم، فالعقوبات الأميركية على أنقرة "سيكون لها تأثير مع أنها ليست ثقيلة".

ويقول الباحث: "رمزيتها سيكون لها تأثير أيضا في عرقلة المشاريع التي بدأت تبرز تركيا فيها، لاسيما الطائرات بدون طيار وغيرها، والتي أثبتت نجاحها فيها خلال فترة قياسية في أكثر من ساحة حرب من سوريا إلى ليبيا إلى ناغورنو قره باغ".

وهناك أهداف أميركية أخرى من وراء فرض العقوبات، بحسب المحلل السياسي التركي، مهند الحافظ، مشيرا إلى أن "القرار يهدف إلى إرسال رسالة لكل الأطراف الدولية بأن واشنطن هي عاصمة القرار، ومن ضمن هذه الأطراف موسكو".

ووصف الحافظ العقوبات بأنها "رسائل تمهيدية لمحاولة بايدن وفريقه إعادة الوضع السياسي الأميركي على ما كان عليه قبل عهد ترامب"، مشيرا "في مؤسسات الولايات المتحدة هناك قناعة أن فترة ترامب هي جملة اعتراضية في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، ويجب القفز عنها وإكمال المنهج في قيادة الكوكب".

وكانت موسكو أول طرف يدين العقوبات الأميركية على تركيا بعد فرضها، وقال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف: "إنه دليل جديد على الموقف المتكبر إزاء القانون الدولي، والإجراءات غير الشرعية والأحادية التي تستخدمها الولايات المتحدة ومنذ وقت طويل، على اليسار وعلى اليمين".

الحرة/ ضياء عودة - إسطنبول

مواضيع ذات صلة:

 الفرنسي لوي أرنو كان معتقلا في إيران منذ سبتمبر 2022
الفرنسي لوي أرنو كان معتقلا في إيران منذ سبتمبر 2022

وصل المواطن الفرنسي، لوي أرنو، الذي كان معتقلا في إيران منذ سبتمبر 2022، الخميس إلى فرنسا بعد الافراج عنه الأربعاء على ما أظهرت مشاهد بثتها محطة "ال سي اي" التلفزيونية.

وبعدما صافح وزير الخارجية الفرنسي، ستيفان سيجورنيه، الذي كان في استقباله في مطار لوبورجيه قرب باريس، عانق أرنو مطولا والده ومن ثم والدته.

ولم يصعد المعتقل السابق مباشرة إلى سيارة إسعاف وضعت بتصرفه بل توجه مبتسما رغم التعب البادي عليه، مع أقاربه إلى قاعة استقبال بعيدا عن الكاميرات.

وقال سيجرونيه "يسعدني جدا أن استقبل هنا أحد رهائننا الذي كان معتقلا بشكل تعسفي في إيران" مرحبا بـ"انتصار دبلوماسي جميل لفرنسا".

لكنه أشار إلى أن ثلاثة فرنسيين لا يزالون معتقلين في إيران. وأكد "دبلوماسيتنا لا تزال تبذل الجهود كافة" للتوصل إلى الإفراج عنهم.

والثلاثة الباقون هم المدرّسة سيسيل كولر وشريكها جاك باري اللذان أوقفا في مايو 2022، ورجل معروف فقط باسمه الأول "أوليفييه".

وكان أرنو البالغ 36، وهو مستشار مصرفي، باشر جولة حول العالم في يوليو 2022 قادته إلى إيران. 

وأوقف في سبتمبر 2022 مع أوروبيين آخرين تزامنا مع الاحتجاجات التي عمّت إيران في أعقاب وفاة الشابة مهسا أميني وهي قيد الاحتجاز بزعم انتهاكها قواعد اللباس للنساء في الجمهورية الإسلامية.

وأفرج عن رفاق السفر معه سريعا لكن أبقي أرنو موقوفا وحكم عليه  بالسجن لمدة خمس سنوات، العام الماضي، بتهم تتعلق بالأمن القومي.

وكان أفرج عن فرنسيين آخرين هما بنجامان بريير وبرنار فيلان والأخير يحمل الجنسية الإيرلندية أيضا، في مايو 2023 "لأسباب إنسانية".