العالم

"أثبتت الثورة أن كل شيء ممكن".. 10 سنوات على شرارة "الربيع العربي"

19 ديسمبر 2020

كانت أماني الغيماجي في الثامنة عشرة من عمرها حين شاركت في التظاهرة الكبرى في تونس ضد نظام زين العابدين بن علي في 14 يناير في تونس، تظاهرة أطاحت به، وألهمت شعوبا أخرى للسير في الاتجاه نفسه بغية الإطاحة بحكام مستبدين.

تقول اليوم لوكالة فرانس برس "أثبتت لي الثورة أن كل شيء ممكن". 

من كان ينتظر أن يشكل إضرام البائع المتجول محمد البوعزيزي النار في جسده في مدينة سيدي بوزيد (وسط) في 17 ديسمبر، شرارة احتجاجات اجتماعية غير مسبوقة وتاريخية عمّت البلاد وتدحرجت ككرة الثلج لتصل الى عدد من دول المنطقة؟

تلخص صورة أماني التي تصدرت الصفحات الأولى للصحف والمجلات العالمية غداة اندلاع ثورة تونس رافعة لافتة كتب عليها "بن علي ارحل" وسط حشود من المتظاهرين، وصارخة في وجه نظام فاسد بكل ما أوتيت من قوة، ثورة سلمية لشباب نجحوا في دفع الرئيس الأسبق الراحل الى مغادرة البلاد في 14 يناير 2011.

وتروي أماني التي تعمل حاليا في قطاع الثقافة في تونس، "لم نكن نملك مخططا للمستقبل، ولكن كنّا على يقين من أننا نستحق أفضل من هذا".

وانطلقت الاحتجاجات من تونس وسمع صداها في ليبيا ومصر وسوريا حيث حُمّلت أحيانا مسؤولية إحداث فوضى وعنف، غير أنها تبقى في قلوب من شارك فيها محطة جميلة زرعت بذور الأمل بتحقيق حلم الحرية.

هويدة أنور هي واحدة من الشباب الحالم آنذاك، بالرغم من أنها كانت تخرج والخوف يتملكها للمشاركة في التظاهرات خلال شهر كانون الثاني/يناير ذاك، لأنها كانت تدرك أنها ملاحقة. كانت هويدة ناشطة على الانترنت تدير نقاشات افتراضية غذت احتجاجات الشارع.

آمال كبيرة حملها الشباب في مختلف دول الثورات العربية..فهل حققوا مطالبهم بعد مرور 10 سنوات على انطلاق ثورات الربيع العربي؟ 📸 ا ف ب

Posted by ‎Irfaa Sawtak - ارفع صوتك‎ on Thursday, December 17, 2020

 

"ثأر"

ليلة رحيل بن علي، غزت مقاطع فيديو تظهر المحامي الناصر العويني منتشيا بخبر هروب الرئيس في الشارع دون الاكتراث بقرار حظر التجول الليلي المفروض آنذاك، مواقع التواصل الاجتماعي. وكان يصرخ مهللا "بن علي هرب".

كان شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة التونسية مقفرا، حين خرج العويني وسط الشارع يصرخ "أيها التونسيون المقهورون، أيها التونسيون المحرومون، بن علي هرب، بن علي هرب". 

وتم بث مقطع الفيديو على شاشات القنوات الإخبارية، حتى أن بعضها اعتمده مقدمة لبرامج حوارية حول الانتفاضات العربية. 

ويقول المحامي اليساري لوكالة فرانس برس "كان ذلك بالنسبة إلي ثأر من 18 عاما تعرضت خلالها للمضايقة والسجن".

ولكن العويني يفصح أنه يشعر اليوم "بالإحباط".

في تونس، البلد الوحيد بين دول الربيع العربي الذي نجح في مساره الديموقراطي، لا تزال البطالة والتهميش والتضخم وهي الملفات التي أوقدت فتيل الاحتجاجات في العام 2011، على حالها، فيما الطبقة السياسية في البلاد تنخرها التجاذبات السياسية الحادة.

ويستدرك العويني "الأمل قائم. كنت حالما، لكن اليوم أنا واقعي".

بينما تقول هويدة "اعتقد الناس أن رحيل بن علي سيغيّر الاشياء، ولكن يلزم عشرون أو ثلاثون عاما" لتحقيق ذلك.

وتتابع "لست متأكدة من أنني سأرى يوما تونس بطبقة سياسية تستحقها، ولكنني متفائلة. ليس هناك تراجع في خصوص الحريات والتعددية الحزبية".

وتضيف "عندما نشاهد ما حصل في مصر... ندرك طول المسافة التي قطعناها". ووضعت تونس بعد الثورة دستورا جديدا في العام 2014 وأنجزت حتى اليوم سلسلة انتخابات ديموقراطية.

 

"ما زلت أؤمن"

في مصر، وبعد ثلاث سنوات شهدت فيها البلاد اضطرابات، تمّ عزل الرئيس الإسلامي الراحل محمد مرسي عام 2013 على يد الجيش قبل أن يخلفه على رأس السلطة نظام قائد الجيش السابق عبد الفتاح السيسي الذي ينتهج أداء قمعيا لا يقل عن أداء حسني مبارك الذي أطاحت به ثورة 2011.

في ليبيا وسوريا وصولا الى اليمن، ضعفت السلطة المركزية، لكن الثورات استتبعتها حروب ونزاعات دامية مستمرة.

غير أن مجدي الليبي الثلاثيني لم يندم قطّ على الخروج والتظاهر سلميا الى أن سقط نظام الرئيس الأسبق الراحل معمر القذافي. ويقول اليوم إن الثورة "كانت مهمة ولازلت أؤمن بها".

في 15 فبراير 2011، كان مجدي طالبا حين فتحت قوات الأمن النار على عائلات تطالب بالعدل لأفراد منها مسجونين منذ 1996 في طرابلس ويتعرضون لمعاملة سيئة.

ويتذكر مجدي أن بلاده كانت تحت وقع "الصدمة" في "عدد من المدن" وتظاهرات الناس كانت "عفوية" وفيها "تضامن".

ويتابع "في بداية الانتفاضة، لم يكن مطروحا قلب النظام... فقط مطالب من أجل حرية وعدل وأمل أكثر".

كذلك في سوريا، يقول دحنون، كانت المطالب "فقط من أجل الإصلاحات". كان دحنون في الخامسة عشرة آنذاك ولا يزال تلميذا في الثانوية. وشاهد التظاهرات السلمية في بلاده تتحول الى مجازر دامية تحت قمع النظام.

ويقول لفرانس برس "هاجمتنا مجموعات تابعة للنظام ومن قوات الأمن" في إدلب في شمال غرب البلاد، وهي المنطقة الوحيدة اليوم التي لا تزال خارج سيطرة نظام بشار الأسد.

 

تدخلات خارجية 

وتسبب النزاع السوري بمقتل أكثر من 380  ألف شخص وتشريد الملايين. ودعمت روسيا وإيران نظام الأسد بينما وقفت دول خليجية وتركيا الى جانب فصائل المعارضة، ونشر تنظيم الدولة الإسلامية الرعب في البلاد لسنوات.  

ويقول مجدي "تابعنا ما يحصل في تونس ومصر... ثم جاء دورنا. التغيير كان محتوما". لكن بعد مرور كل هذا الوقت، "لا أعتقد أننا كنا مدركين حقا لحجم الخراب الذي ألحقه نظام القذافي بأسس الدولة".

وعمت الفوضى وأعمال العنف ليبيا إثر سقوط القذافي، كما استغلت الجماعات الجهادية تدهور الوضع لتتغلغل في البلاد.

بالموازاة مع ذلك وكما في سوريا، عقدت تدخلات دول خارجية داعمة لأطراف مختلفة في صراعها على السلطة، الوضع، ولم تعرف البلاد الاستقرار منذ ذلك الحين.

ويأسف دحنون، وهو طالب في العلوم السياسية اليوم، لأنه "لم يعد للسوريين كلمة" اليوم. ويضيف بمرارة "القوى الخارجية هي التي تقرر، سوريا لم تعد لنا".

بعد عشر سنوات، يبقى بشار الأسد في السلطة، وحيدا بين قادة دول "الربيع العربي" الآخرين.

ويعتبر المدرس السوري الذي قدم نفسه باسم أبو حمزة والذي يقطن درعا، مهد الاحتجاجات، أن "الأمور لا بدّ أن تتغير"، مشيرا الى الأزمة الاقتصادية الخانقة بسبب الحرب والعقوبات الاقتصادية الدولية على الحكومة السورية.

ويضيف رب العائلة "عندما تجوع، يختفي الخوف... يجب أن يحصل التغيير".

مواضيع ذات صلة:

من مظاهر الدعاية الانتخابية في العاصمة الإيرانية طهران (فبراير 2024)- ا ف ب
من مظاهر الدعاية الانتخابية في العاصمة الإيرانية طهران (فبراير 2024)- ا ف ب

تشهد الساحة السياسية والشعبية الإيرانية المعارضة تزايدا كبيرا في دعوات مقاطعة الانتخابات البرلمانية وانتخابات مجلس خبراء القيادة، التي ينظمها النظام الإيراني في الأول من مارس المقبل، وسط استطلاعات تشير إلى أن نسبة المشاركة فيها ستكون الأدنى.

وفي نفس اليوم، تفتح صناديق الاقتراع للتصويت لأعضاء مجلس خبراء القيادة (عددهم 88)، وأعضاء البرلمان، في انتخابات هي الأولى بعد الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها إيران بعد مقتل الشابة جينا (مهسا) أميني، ولا تزال مستمرة في عدد من مدنها.

بحسب متابعة "ارفع صوتك" للأوضاع داخل الجمهورية الإسلامية، هناك حالة من الإحباط بسبب الأوضاع المعيشية والإنسانية الصعبة، حيث تطغى على المشهد، حملات الاعتقال والملاحقة الأمنية والإعدامات، التي تنفذها السلطات ضد معارضيها.

تتكثف هذه العمليات في كردستان إيران والأحواز وبلوشستان، وأذربيجان الشرقية، وأردبيل وزنجان وأجزاء من أذربیجان الغربیة وفي طهران، إلى جانب استهداف التركمان في مناطق تواجدهم.

وتطالب الأحزاب الكردية والأحوازية الى جانب الأحزاب الأخرى المعارضة للنظام الإيراني، المواطنين، إلى مقاطعة الانتخابات، معتبرين أنها سيناريو يريد من خلاله النظام إظهار صورة تؤكد التزامه بالعملية الديمقراطية.

"ولا وجود للعملية الديمقراطية وتبادل السلطة وانتخاب الممثلين الحقيقيين للشعب، ما دام النظام الحالي موجوداً في إيران"، كما يقول المتحدث باسم حزب الحرية الكردستاني الإيراني، خليل نادري.

ويبيّن لـ"ارفع صوتك": "تشكل هذه الانتخابات أهمية للنظام خاصة بعد انتفاضة جينا أميني، لأنه يريد أن يقول للعالم من خلالها إنه يتمتع بالشرعية والشعبية بين الشعب الكردي والشعب الإيراني. لذلك يسعى بكل الطرق إلى إجبار أكبر عدد من المواطنين على المشاركة فيها".

ويؤكد نادري أن "كافة الأحزاب الكردستانية تطالب الشعب الكردي في ايران الى عدم المشاركة في هذه الانتخابات.

"ليست طريق الإصلاح"

بلغت نسبة المشاركة في آخر انتخابات برلمانية شهدتها إيران عام 2020 نحو 42% بحسب إحصائيات حكومية رسمية، واعتُبرت حينها الأقل مقارنة بكافة الانتخابات البرلمانية في البلاد منذ عام 1979. أما الانتخابات الرئاسية عام 2021، فقد سجلت نسبة مشاركة أقل من 49%.

القيادي في حزب "كوملة كادحي كردستان إيران" المعارض، نوديد مهرئاوَر، يعتبر أن الانتخابات التي ينظمها النظام منذ سيطرته على الحكم في 1979 حتى الآن "مسرحيات مصطنعة خالية من محتواها"، مؤكداً أن حزبه سيقاطع الانتخابات المقبلة.

ويقول لـ"ارفع صوتك"، إن دعوات المقاطعة هذه المرة "أوسع بكثير مما شهدته العمليات الانتخابية السابقة في إيران"، حتى أن هناك "دعوات للمقاطعة من داخل الجناح المحافظ المتطرف الحاكم" وفق تعبيره.

ويوضح مهرئاوَر: "الشعب الكردي واثق من أن الانتخابات في إيران ليست طريقا للإصلاحات، على الرغم من أنه خلال العمليات الانتخابية السابقة كانت هناك بعض الآراء من شخصيات سياسية إيرانية وكردية مع الأسف، تعتقد أنه من الممكن تغيير التوازن وإحداث إصلاحات وانفتاح عبر الانتخابات، لكن هذا لم يحدث أبدا".

وتشير الإحصائيات الرسمية التي تجريها المؤسسات الحكومية إلى أن الانتخابات المقبلة ستشهد نسبة مشاركة منخفضة. حيث صرّح حسن نائيني، رئيس الجهاد الجامعي الإيراني (مؤسسة عامة خاضعة للمرشد الإيراني)، الذي يشرف على مؤسسة استطلاعات الرأي "ISPA"، في مقابلة نهاية نوفمبر الماضي، أن "الانتخابات ليست في مقدمة اهتمامات الناس".

وبين أن الاستطلاعات التي أجرتها مؤسسته أظهرت أن 27.9% من المستطلعة آراؤهم قالوا إنهم سيشاركون في الانتخابات، بينما أشار 7.4% إلى إمكانية مشاركتهم في الانتخابات، وقال 21.9% إنهم لم يتخذوا بعد قرارهم، بينما قال 36% أنهم لن يشاركوا في هذه الانتخابات على الإطلاق، ولفت 6.8% منهم الى احتمالية منخفضة للمشاركة في هذه الانتخابات."

من جهته، يقول رئيس الحزب الليبرالي الأحوازي، حميد مطشر، إن النظام الإيراني يسعى الآن إلى "جرّ أكبر عدد من المواطنين نحو صناديق الاقتراع، من خلال شراء النفوس والذمم وإعطاء امتيازات كبرى لبعض الأشخاص وإغراء آخرين من أجل إنجاح الانتخابات وكسب المشروعية".

ويؤكد لـ"ارفع صوتك"، أن "الشعب الأحوازي والكردي والشعوب الأخرى غير الفارسية، لن تعترف بهذه الانتخابات ولن تشارك فيها. ويجري حالياً عمل دؤوب وتعاون بين أبناء هذه الشعوب للمقاطعة".

وفي 18 فبراير الحالي، دعا المرشد الأعلى، علي خامنئي، الجميع للمشاركة في الانتخابات، خلال لقائه مجموعة من أهالي محافظة أذربيجان الشرقية، معتبراً أن الانتخابات هي "الطريق لإصلاح البلاد"، وكرر مثل ذلك في اجتماعات عدة خلال الشهور الماضية، ما اعتبره العديد من المتابعين للشأن السياسي الإيراني، دليلاً على تخوّف النظام من تدني نسبة المشاركة في الاقتراع.