العالم

السعودية تسعى إلى إرساء تهدئة مع الخصوم مع انطلاقة عهد بايدن

16 فبراير 2021

مع انطلاق عجلة سياسة الإدارة الأميركية الجديدة، تتوجه السعودية نحو إطلاق سراح بعض السجناء السياسيين وتهدئة التوتر مع خصوم إقليميين، في محاولة للتأقلم مع المتغيرات المحتملة في مقاربة واشنطن لملفات المنطقة.

وتعهّد الرئيس الأميركي جو بايدن خلال حملته الانتخابية بالتدقيق في سياسات المملكة بعد سنوات من العلاقة الوطيدة بين الرياض وسلفه دونالد ترامب.

لكن المراقبين يرون أن حاكم البيت الأبيض الجديد يعتمد مقاربة وسطية.

ويتوقع أن تعمل الإدارة الجديدة على المحافظة على شراكة أمنية مهمة مع المملكة، بينما تتحرك في الوقت ذاته لإعادة إطلاق المحادثات حول الملف النووي مع طهران، العدو اللدود للرياض.

وأطلقت المملكة في الأسابيع الأخيرة سراح بعض السجناء السياسيين، بمن فيهم الناشطة البارزة لجين الهذلول، فيما اعتبره كثيرون رسالة إيجابية إلى بايدن.

وسعيا إلى تعزيز موقعها مع انطلاقة العهد الأميركي الجديد، قادت السعودية حلفاءها الشهر الماضي إلى إنهاء نزاع مرير استمر ثلاث سنوات مع جارتها قطر، بدعوة من الولايات المتحدة الساعية لتشكيل جبهة موحدة ضد إيران.

كما تحرص المملكة على الانفتاح على تركيا بعد مقاطعة عامة لبضائعها العام الماضي على إثر احتدام الخلاف بينهما في أعقاب قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي عام 2018 في القنصلية السعودية في اسطنبول.

وصرّح مصدر قريب من دوائر الحكم في السعودية لوكالة الصحافة الفرنسية أنّ الرياض "تعمل على خفض حدة (العلاقات) من خلال إبقاء الخطوط مفتوحة مع (الرئيس رجب طيب) أردوغان".

مرونة جديدة

وترى كريستين ديوان من معهد دول الخليج العربية في واشنطن أنّه "في مواجهة الخطط الأميركية الجديدة لإعادة التواصل مع إيران ومراجعة العلاقات الأميركية السعودية، كان السعوديون حريصين على تقديم أنفسهم كشركاء في حل نزاعات المنطقة".

وأضافت "الانفراج مع قطر رافقه عدد من التحركات السعودية الأخرى، بينها بحث التهدئة مع تركيا والإسراع في تسوية المحاكمات والاعتقالات السياسية التي أثارت إدانات في الخارج".

وتقول الخبيرة في شؤون المنطقة "كل هذه الأمور تشير إلى تغيرات في المواقف السياسية التي تم اتباعها بشكل صاخب في السابق من زاوية المصالح الوطنية السعودية، ما يشير إلى مرونة جديدة".

وأكدّت التصريحات الرسمية الأخيرة لواشنطن على أنّ المملكة "شريك أمني"، بعدما كانت إدارة ترامب تصفها بـ"الحليف" والزبون المهم للأسلحة الأميركية.

ويقول مراقبون إن تغيير اللهجة يوضح أن واشنطن تبتعد عن مفهوم علاقة ترامب بالسعودية فيما تخفض من مبيعات الأسلحة إلى المملكة.

وفيما بدا ضربة لجهود المملكة العسكرية، أوقف بايدن مؤخّرا دعمه للعمليات الهجومية السعودية في النزاع اليمني المستمر منذ أكثر من ست سنوات، وشدد على وجوب إنهاء النزاع.

الدفاع عن المصالح

غير أنّ بايدن تعهّد في الوقت ذاته بالمساهمة في الدفاع عن أراضي المملكة التي تتعرض بشكل متزايد لهجمات بصواريخ وطائرات مسيّرة ينفذها المتمردون الحوثيون المدعومون من إيران.

وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الشهر الماضي أن الجيش الأميركي يعزّز وجوده في السعودية وسط خطط لتطوير الموانئ والقواعد الجوية في الصحراء الغربية للاستعداد في حالة اندلاع حرب مع إيران.

ويرى الكاتب والمحلل السعودي علي الشهابي أنّه "خلافا للتوقعات، تشير جميع الأدلة حتى الآن إلى أن إدارة بايدن ستتبع سياسة معتدلة تجاه المملكة تتكون من إجراءات رمزية لإرضاء بعض العناصر في الحزب الديموقراطي، مع الحفاظ على ركائز العلاقة التاريخية القوية بين البلدين".

وبهدف إدارة العلاقة مع واشنطن بما يخدم مصالحها، تقوم السعودية بحملة توظيف لجماعات ضغط، من بينها عقد جديد وُقّع في كانون الأول/ ديسمبر الماضي مع شركة للترويج لأهمية العلاقة بين البلدين.

لكن عمل هذه المنظمات يبدو معقّدا في ظل تصريحات صادرة عن أعضاء في الإدارة حول الحرب في اليمن وجريمة قتل خاشقجي.

وتنوي مديرة أجهزة الاستخبارات الوطنية أفريل هينز رفع السرية عن تقرير استخباراتي أميركي حول مقتل الصحافي يرجّح أن يتضمن معلومات عن تورط ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في الجريمة، ما قد يمثل إحراجا كبيرا للرياض التي نفت تورطه.

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة الأفغانية كابول
صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة الأفغانية كابول

دعا زعيم تنظيم "القاعدة" الحالي محمد صلاح الدين زيدان المعروف باسم "سيف العدل"، الجهاديين في جميع أنحاء العالم إلى السفر إلى أفغانستان، للاستفادة والتعلم من تجربة طالبان، والانضمام إلى معسكرات تدريب لشنّ هجمات على "الصهاينة والغرب" بحسب تعبيره.

سيف العدل كتب مقالاً تحت اسم مستعار يستخدمه منذ فترة وهو "سالم شريف"، نُشر في مجلة تصدرها "القاعدة" حمل عنوان "هذه غزة... حرب وجود.. لا حرب حدود"، قال فيه "لا بد للمخلصين من أبناء الأمة والمهتمين بالتغيير من زيارة أفغانستان والاطّلاع على أحوالهم والاستفادة من تجاربهم".

ورأى أن تجارب "أفغانستان واليمن والصومال ومغرب الإسلام تلهم أمتنا بركن تأسيسي وهو الأمة المسلّحة".

تكتسب علاقة تنظيم "القاعدة" بطالبان بعداً تاريخياً عميقاً، ولطالما كانت أفغانستان ملجأً لقيادات التنظيم، وضمت في فترات زمنية طويلة معسكرات تدريب ينطلق منها "جهاديون" لضرب أهداف حول العالم، كان أبرزها على الإطلاق أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأميركية.

وكان مؤسس "القاعدة" أسامة بن لادن متواجداً في أفغانستان، وتحديداً في جبال طورا بورا ومنها أدار العمليات، قبل أن تشنّ أميركا حرباً واسعة النطاق على الإرهاب وتقتل بن لادن في باكستان حيث لجأ بعد الاحتلال الأميركي لأفغانستان.

كما أن أيمن الظواهري زعيم القاعدة السابق، انتقل إلى أفغانستان مباشرة بعد الانسحاب الأميركي وسيطرة حركة طالبان، ثم قُتل في كابول داخل منزل تابع لشبكة سراج الدين حقاني، بغارة أميركية.

انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان في عام 2021 سمح بعودة حركة طالبان للسيطرة على أفغانستان، ويبدو أن الروابط القديمة بين تنظيم "القاعدة" وطالبان قد عادت إلى الواجهة، مع وجود مصالح مشتركة بين الطرفين.

لا شك أن تنظيم "القاعدة" يحاول أن يعيد بناء نفسه في أفغانستان، كما يشرح الباحث في مجال الفلسفة السياسية والفكر الإسلامي حسن أبو هنية لـ"ارفع صوتك". فـ"التقارير الميدانية تشير إلى وجود قواعد عدة يقوم ببنائها التنظيم في أفغانستان، وقد تحدث (الديبلوماسي الأميركي السابق) سلمان خليل زاد في إحدى الجلسات أنه "لا وجود للقاعدة"، لكن التقارير تخالف ذلك، مؤكدة أن هناك بالفعل "إعادة احياء لهذا التنظيم، وتركيز على حضور القاعدة في شبه القارة الهندية".

أبو هنية يذكّر بأن حركة طالبان لديها علاقات وثيقة تاريخياً مع "القاعدة". واليوم، يتابع الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية "هناك علاقات جيدة وصعود للقاعدة بطبيعة مختلفة عن السابق تتحكم فيها حركة طالبان، ولا تسمح للقاعدة بتنفيذ أي عمليات أو مخططات إلا بإشراف طالبان بشكل مباشر".

"ولذلك يجب أن نعتاد على شكل آخر من العلاقة تقوم فيه طالبان باستخدام القاعدة على غرار ما فعلت إيران في فترات سابقة، حيث استضافت القاعدة لكن لخدمة أجندة إيران"، يقول أبو هنيّة.

ويوضح أن طالبان "تستفيد من القاعدة في مناهضة ولاية خوراسان التابعة لتنظيم داعش وفي نفس الوقت يعيد القاعدة تنظيم نفسه، خصوصاً في ما يتعلق بالهند والسياسات في ذلك الجزء من العالم".

على صعيد آليات عمل "القاعدة" في أفغانستان، فإن بناء هياكلها يحدث ببطء، يضيف أبو هنيّة، مبيّناً "هناك دعوات شهدناها موجهة للجهاديين للالتحاق بالمعسكرات، وبالفعل هناك أشخاص من العالم العربي أو من جنوب شرق آسيا وأفريقيا بدأوا بالالتحاق بمعسكرات القاعدة في أفغانستان".

ويعتقد أن "ازدهار شبكة القاعدة في أفغانستان لا يزال تحت السيطرة، ولن يكون بمقدور التنظيم توجيه ضربات كبيرة انطلاقاً من أفغانستان على غرار ١١ سبتمبر".

كما لا يتوقع أبو هنية أن نشهد تداعيات قريبة للتعاون بين طالبان و"القاعدة"، لكن خلال سنوات قد يتغير الأمر، مردفاً "هذا رهن علاقات طالبان بمحيطها الإقليمي مع باكستان والصين وروسيا، وهذه الدول تحاول بناء علاقات جيدة مع طالبان حتى تتجنب أي ردة فعل للجهاديين سواء في آسيا الوسطى أو الصين أو في شبه القارة الهندية".

بهذا المعنى، يصف أبو هنية تنظيم "القاعدة" اليوم بأنه "ورقة بيد طالبان"، التي تحدد متى تستخدمها وكيف.