العالم

حرب المقرات: دبي والرياض على طريق منافسة اقتصادية محتدمة

18 فبراير 2021

جعلت البنية التحتية الحديثة والقوانين السلسة من دبي المقر الإقليمي المفضل للشركات الدولية، لكن خروج الرياض من عباءة التشدد في السنوات الأخيرة أيقظ منافسا عملاقا.

وقد سهّلت الإمارة الخليجية الثرية فتح الأعمال التجارية في منطقة تعاني من البيروقراطية مما ساعدها على استضافة حوالي 140 مقرا لشركات كبرى خلال ثلاثة عقود، أكثر من أي مدينة أخرى في الشرق الأوسط.

وبينما كانت بيئة الأعمال تزدهر في دبي، تعثر النمو في الرياض، عاصمة أكبر اقتصاد عربي، بسبب السياسات المتشددة والتهديدات الأمنية والفساد.

لكن ولي العهد محمد بن سلمان سعى إلى وضع حد لذلك عندما تولى منصبه في عام 2017.

وقد باتت المدينة المحاطة بالكثبان الرملية تنعم بازدهار نسبي وتشهد افتتاح أعمال جديدة بوتيرة متسارعة، من المطاعم إلى الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا.

وقال الأمير البالغ من العمر 35 عاما في كانون الثاني/ يناير الماضي إن هدفه "أن تصبح الرياض واحدة من أكبر عشر اقتصادات مدن في العالم".

ولتسريع هذا الهدف، أعلنت الرياض أنّها ستوقف اعتباراً من مطلع العام 2024 التعامل مع شركات أجنبية تقيم مقرات إقليمية لها خارج السعودية.

وتمثّل الخطوة المفاجئة تحدّيا مباشرا لدبي وتهدّد بسباق مفتوح محتدم بين الجارتين الحليفتين، السعودية والإمارات.

وقال الأستاذ المساعد في كلية لندن للاقتصاد والسياسة ستيفن هيرتوغ لوكالة الصحافة الفرنسية "لا أعتقد أن هذه هي النية ولكن هذا ما سيحصل عمليا، كون دبي الموقع المفضّل كمقر إقليمي للشركات الدولية".

وجه جديد

في عهد الأمير محمد، تبنّت السعودية سلسلة من التغييرات الاجتماعية التي لم يكن من الممكن تصورها في السابق، وعدّلت بعض قوانينها المتشددة.

وفتحت الرياض، المدينة التي يبلغ عدد سكانها 7,5 ملايين نسمة وكان يُنظر إليها على أنها معقل لسياسات المحافظين، أبوابها للترفيه والاستثمار، وهمّشت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونفّذت حملات لمكافحة الفساد.

وتلطّخت عملية التجديد بجريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في اسطنبول عام 2018، والحملة القمعية ضد المعارضة التي شهدت وضع العديد من المنتقدين السلميين وراء القضبان.

ولكن الوجه الجديد للعاصمة جذب مع ذلك مستثمرين كثر يأملون في الاستفادة من مشاريع بمليارات الدولارات مثل مدينة "نيوم" المستقبلية الضخمة المخطط لها على ساحل البحر الأحمر.

ومن بين هؤلاء رائدة الأعمال السعودية هيا أخضر وزوجها الفرنسي اوغو بوديز اللذان أنشآ شركة استشارية متخصّصة في العلامات التجارية الفاخرة في دبي عام 2017.

وبالنسبة للزوجين الشابين، فقد حان الوقت للتوجه نحو الرياض وفتح مكتب هناك، إنما من دون أن يتخلّيا عن مقر شركتهما في دبي.

وقال بوديز للفرنسية، "لقد شاهدنا نمو السوق وتحول اهتمام العديد من العلامات التجارية إلى السعودية، وتحديدا الرياض"، مضيفا "نحتاج لأن نكون قريبين من عملائنا في كلا السوقين المهمين".

ويقول المسؤولون السعوديون إن المملكة تستضيف أقل من 5 بالمئة من المقرات الرئيسية للشركات الكبرى في المنطقة رغم أنها تمثّل "حصة الأسد" من الأعمال والعقود إقليميا.

أهلا بالمنافسة

وبعدما وصلت رياح المنافسة للإمارات، استجابت الدولة النفطية بسرعة للتحدي الجديد.
فرفعت البلاد التي يسكنها مليون إماراتي وتسعة ملايين أجنبي الحظر المفروض على إقامة غير المتزوجين معا، وخففت القيود المفروضة على الكحول، وعرضت تأشيرات طويلة الأجل ومنح الجنسية لأفراد معينين، ووقّعت اتفاق تطبيع علاقات مع إسرائيل ليجتمع معا أكثر اقتصادات المنطقة تنوّعا.

قال الخبير في شؤون الشرق الأوسط في مؤسسة "ستراتفور" الاستشارية ريان بوهل إن على الإمارات أن "تسرّع بعض الإصلاحات التي لا تزال غير ممكنة في السعودية" حتى تظل قادرة على منافسة المملكة التي يسكنها 34 مليون شخص أكثر من نصفهم من الشباب.

ولا تزال المدن السعودية تفتقر إلى البنية التحتية الملائمة في قطاعات رئيسية مثل النقل والمصارف، بينما تعاني بعض الوزارات من بيروقراطية متجذّرة.

وبحسب بوهل، فإنّ الرياض بعيدة جدا عن "دبي وحتى أبو ظبي من حيث الليبرالية الاجتماعية والإسكان والتعليم وأماكن الترفيه".

وتابع أن "الحقيقة الصعبة الأخرى هي أن في السعودية 19 مليون مواطن محافظ إلى حد كبير سيكونون أقل قابلية للتفاعل مع العادات الاجتماعية الغربية لسنوات قادمة مقارنة بالإمارات".

وهذه ليست التحديات الوحيدة. فبينما يُنظر إلى دبي على أنها واحدة من أكثر المدن أمانا في المنطقة، تواجه الرياض تهديدا من متمردي اليمن حيث تقود تحالفا عسكريا منذ 2015، والجماعات المتطرفة على حد سواء.

ومن المتوقع أن تتعرض جهودها لتحسين صورتها لضغوط من قبل الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة بعدما لوّح الرئيس جو بايدن بجعل المملكة "منبوذة" على خلفية جريمة مقتل خاشقجي وسجلّها الحقوقي وحرب اليمن.

وكتب أستاذ العلوم السياسية الإماراتي عبد الله عبد الخالق في تغريدة الأربعاء "الشركات والمصارف العابرة للقارات التي تتخذ دبي مقرا منذ 30 سنة، اختارت دبي دون غيرها بسبب نوعية الحياة والميزات التنافسية وبيئة تشريعية واجتماعية وبنية تحتية فريدة".

وأضاف" لن تتركها، رغم ذلك مليون أهلا بالمنافسة".

مواضيع ذات صلة:

أبعدت قوات الأمن السعودية أكثر من 300 ألف مخالف.

أثار مقطع فيديو لاقتحام الأمن السعودي منزل حجاج من جنسية عربية موجة من الجدل.

ويوثّق الفيديو الذي انتشر بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي إقدام عناصر من الأمن السعودي على كسر باب المنزل قبل اصطحاب المقيمين للتحقيق، ضمن حملة لملاحقة المخالفين.

وشدّدت وزارة الحج والعمر السعودية من إجراءات التعامل مع موسم الحج للعام 2024، معلنة أن تأشيرات العمرة والسياحة والعمل والزيارة العائلية والمرور (ترانزيت) وغيرها من أنواع التأشيرات؛ لا تؤهل حاملها لأداء فريضة الحج.

حصرت الوزارة القدوم لأداء فريضة الحج بالحصول على على تأشيرة حج صادرة من الجهات المعنية في المملكة العربية السعودية وبالتنسيق مع الدول عبر مكاتب شؤون الحج فيها، أو عبر منصة "نسك حج" للدول التى ليس لديها مكاتب رسمية خاصة بالحج.

التشديد في الإجراءات تزامن مع حملة أمنية واسعة لملاحقة المخالفين، حيث أبعدت قوات الأمن أكثر من 300 ألف شخص غير مسجلين لأداء الحج، بحسب وكالة الأنباء الرسمية السعودية (واس).

إلى جانب ذلك صدرت مجموعة من الفتاوى التي تلحق الإثم بمرتكب المخالفة وتحرم اللجوء للتزوير لأغراض الحج.

وتحت مبرر ارتفاع تكاليف التأشيرات الرسمية التي تشمل تنظيم الإقامة وتقديم الخدمات، إضافة إلى تخصيص حصّص محددة للحجاج من كل بلد، يسعى الآلاف سنوياً لتأدية فريضة الحج عبر قنوات غير رسمية، تشمل تأشيرات السياحة والعمل والزيارة، علاوة على اللجوء مع مكاتب وشركات خاصة تعمل في تنظيم رحلات للحج، وهي الشركات التي تصفها الجهات الرسمية السعودية بـ "الوهمية"، حيث أعلنت عن خلال الموسم الحالي ضبط 140 حملة حج نظمتها شركات وهمية.

وإن كان الجدل حول الإجراءات الأمنية السعودية حول التعامل مع المخالفين شغل مساحة من النقاش العام، وسط انقسام بين الرافضين للاعتداء على حق الناس بتأدية المناسك، وبين مؤيدين للإجراءات التنظيمية، فإن الفتاوى الصادرة حول المخالفات أخذت حيزاً أكبر من الاهتمام.

الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء في السعودية، استبقت موسم الحج بفتوى تؤكد أن الالتزام بتصريح الجح يتفق والمصلحة المطلوبة شرعاً، كما أدرجته ضمن طاعة ولي الأمر في المعروف وحرمة مخالفته أمره.

وخلصت الهيئة في الفتوى المنشورة على موقعها الرسمي إلى أنه "لا يجوز الذهاب إلى الحج دون أخذ تصريح ويأثم فاعله لما فيه من مخالفة أمر ولي الأمر الذي ما صدر إلا تحقيقا للمصلحة العامة، ولا سيما دفعوا الأضرار بعموم الحجاج وإن كان الحج حج فريضة ولم يتمكن المكلف من استخراج تصريح الحج فإنه في حكم عدم المستطيع".

دائرة الإفتاء المصرية بدورها أكدت على حرمة تزوير تأشيرات الحج، وشدّدت في فتوى صدرت مؤخراً على أن "تأشيرات الحج من القوانين التنظيمية التي يمكن تشريعها لتحقيق مصلحة الفرد والمجتمع، مما يجعل الالتزام بها واجب شرعي".

وبحسب الفتوى فإن " الأفراد الذين يتعمدون تزوير تأشيرات الحج ويؤدون الحج وهم على علم بذلك، يرتكبون إثماً كبيراً عند الله ومخالفة دنيوية تستوجب العقوبة".

رغم ذلك خلصت الفتوى إلى أن التزوير لا يؤثر على صحة الحج من الناحية الشرعية.

أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية محمد عبد السميع ذهب إلى أن الحج من دون الحصول على تأشيرة يأخذ حكم "مَن اغتصب زجاجة ماء ليتوضأ للصلاة"، قائلاً "صلاته صحيحة، لكن يأثم لأخذه مالاً بغير حق".

وتابع في فيديو بثّ على صفحة دار الإفتاء الرسمية أن  "الحج دون تصريح يتسبب في عدة مشاكل، منها أنه لو زاد العداد، فسيؤدي إلى كثرة التزاحم بين الحجيج وما يترتب عليه من مشكلات".