"لا ينبغي له البحث عن الدفء أو الراحة أو الرقة، ويجب أن يتحلى فقط بمشاعر الشجاعة والغضب"- صورة تعبيرية
"لا ينبغي له البحث عن الدفء أو الراحة أو الرقة، ويجب أن يتحلى فقط بمشاعر الشجاعة والغضب"- صورة تعبيرية

"نحتاج إلى إصلاح سلوك الرجال" قال الفنان البريطاني بينيدكت كامبرباتش في مقابلة مع موقع "سكاي نيوز"، أثناء حديثه عن فيلمه الجديد "قوة الكلب- The power of the dog".

وأضاف كامبرباتش المعروف بدور المحقق شارلوك هولمز، والمرشح لجائزة الأوسكار عن دوره في فيلم "لعبة التقليد The imitation game": "هناك نوع من الإنكار لسلوكهم، بتجلى في مواقف الدفاع الصبيانية، كأن يقول أحدهم (ليس كل الرجال سيئين)، لكن لا، علينا أن نخرس ونصغي فقط".

وأشار في حديثه إلى "غياب الاعتراف الكافي بالإساءة التي يمارسها الرجال" وهو ما يتطلب مراجعة للسلوك القمعي، وأسبابه، كما فعل فيلم "قوة الكلب"، وبناء عليه "إصلاح الرجال"، حسب رأيه.

ويمثل كامبرباتش في هذا الفليم المقتبس عن رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب توماس سافاج، دور "فيل بوربانك"، وهو مزارع ورجل "كاوبوي" (رعاة البقر)، من ولاية مونتانا الأميركية، عاش في عشرينيات القرن الماضي.

ويتسم بالفجاجة وقمع رغباته الداخلية والتنمّر على الآخرين من المقربين (أخيه وزوجة أخيه)، أو غيرهم من أهالي البلدة التي يقطنها، والانتقاص من شأنهم.

ويعتد فيل بصفاته، معتبراً عكسها ضعفاً وغير ذي علاقة بالرجولة والبشر حتى، كما دار في حوار بينه وأخيه، حول الفتى (نادل المطعم) الذي أهانه لأنه يصنع الورود الورقية ويتحلى بالتهذيب واللياقة، وبسبب ذلك يُطلق عليه وصف "مخنث".

كما ينظر إلى النساء بأنهن ضعيفات بمرتبة أدنى من الرجال، ومن السهل أن تقبل أي منهن خوض علاقة حميمة مع أي رجل، باعتبارهن أدوات لإمتاعه فقط، دون الحاجة منه إلى الالتزام بعلاقة عاطفية وإنسانية مع إحداهن.

ويتابع كامبرباتش في اللقاء نفسه "نعيش اليوم في عصر يمكن فيه للناجين من العُنف الكلام، ولديهم منصّات يؤكدون عبرها أنه لا يوجد اعتراف كاف بالإساءة أو الضرر الذي يلحق بهم".

غلاف لأحد طبعات رواية "قوة الكلب"، الصادرة عام 2001، للكاتب الأميركي توماس سافاج

وفي لقاء آخر سابق يجمع بين كامبرباتش والممثل الأسترالي كودي سميت ماكفي، الذي أدى دور بيتر (النادل)، قال الأخير "أحببت هذا الدور لأنه منحني فرصة امتلاك نفسي وتحقيق بعض الأمور التي قد تكون غير مرغوبة اجتماعياً".

"وعلّمتني الشخصية أنه ليس بالضرورة أن يتماشى مع السياق الاجتماعي، وفي نفس الوقت تكون مرتاحاً لذلك" أضاف ماكفي.

فيما أكد كامبرباتش "ثقافتنا اليوم ما زالت غير متسامحة وقمعية وتطلق الأحكام ومنحازة، وأعتقد أن ذلك يخلق الكثير من المشاكل ليس بالنسبة للأشخاص الذين لا يعبرون عن أنفسهم بشكل حقيقي، بل أيضاً للمحيطين بهم، وهذا نوع من الرجولة السامّة التي تنعكس بأشكال متعددة اليوم".

 ومن المهم الإشارة إلى أن مخرجة العمل جين كامبيون، كانت حسب توقعات الكثير من النقاد والسينمائيين، مهدت الطريق لصانعات أفلام نساء أخريات ليتبعنها، حين فازت بجائزة "السعفة الذهبية" بمهرجان كان عن فيلمها "البيانو".

في ذلك قال كومبرباتش لـ"سكاي نيوز": "يبدو أن الطريق طويل بشكل مؤلم مقارنة بالمكان الذي بدأت فيه كامبيون.. لكنها ألهمت الناس طوال الطريق".

وأوضح أن البطء الحاصل في مسيرة النساء في صناعة السينما والعثرات التي تقف في طريقهن يبدو كموضوعة "الصحة العقلية"، مردفاً "هذه الأشياء لا تزال وصمة عار، ولا يزال هناك شيء يحتاج إلى الحديث عنه ومعالجته والكتابة والمساعدة، وحتى يكون هناك أجر متساوٍ (بين النساء والرجال) له مكان على الطاولة، لا يزال يتعين علينا إجراء تلك المحادثة".

ويعتبر "قوة الكلب" أول فيلم روائي طويل لكامبيون بعد غياب 12 عاماً، وأيضاً أول فيلم لها يكون بطله ذكراً، إذ عرفت في أفلامها السابقة بالحديث عن تجارب نسويّة جميع بطلاتها من النساء.

وبالتزامن مع حملة الـ"16 يوماً" (لوّن العالم برتقالياً) للأمم المتحدة، التي انطلقت في 25 نوفمبر الماضي في اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة، وتنتهي في 10 ديسمبر الحالي الموافق اليوم العالمي لحقوق الإنسان، يجدد الفيلم، المتوفر على منصة "نتفليكس"، الحديث حول الرجولة السامّة، ومن آثارها العنف بأنواعه ضد النساء.

وتتناول العديد من وسائل الإعلام الدولية، الفيلم، في هذا السياق، مستذكرة صعود هذا المصطلح الذي واكب حملة "Me too" قبل أربعة أعوام، وأيضاً تحليله، وتأثير شيوع الحالة على تيار العنف الذي تخلقه ليس ضد النساء فحسب، إنما يعانيه الرجال المستضعفين من رجال آخرين، وأيضاً ضد مجتمع الميم (LGBTQ).

 

الرجولة السّامة.. ماذا تعني؟ 

أوردت دراسة لـ"Journal of school Psychology"، أن الرجولة السامة "كوكبة من السمات الرجعيّة الاجتماعية الذكورية التي تعمل على تعزيز الهيمنة، وتقليل قيمة المرأة، ورهاب المثلية، والعنف الجائر".

وفي المجتمع الحديث ، غالبًا ما يستخدم الناس مصطلح الرجولة السامة لوصف الصفات الذكورية المبالغ فيها التي قبلتها أو تمجدها العديد من الثقافات على نطاق واسع.

ويضع هذا المفهوم الضار للرجولة أيضًا أهمية كبيرة على "الذكورة" بناءً على "الخضوع لقلة العاطفة، والاكتفاء الذاتي، وهيمنة الذكورة الجنسية وفقًا للقيم الذكورية السامة التقليدية".

بالتالي، وحسب ما جاء في تقرير لـ"Medical news today"، فإن الذكر الذي لا يُظهر ما يكفي من هذه الصفات قد لا يكون "رجلًا حقيقيًا"، وقد يؤدي الإفراط في التركيز على هذه السمات إلى "اختلالات ضارة في شخص يحاول الارتقاء إلى مستوى هذه التوقعات".

وأضاف: "تتضمن بعض الأمثلة الاعتداء الجنسي أو السيطرة وعدم إظهار أي عاطفة أو قمع العواطف، عدا عن القدرة التنافسية المفرطة، والحاجة للسيطرة أو السيطرة على الآخرين، والميل نحو أو تمجيد العنف، والتمييز على أساس الجنس".

أما بدايات استخدام هذا المصطلح، فتعود حسب تقرير الموقع الأميركي الطبي، إلى بداية الثمانينيات حتى التسعينيات، مع انطلاق "حركة الرجال الأسطورية".

وكانت الحركة عبارة عن مجموعة من أنشطة المساعدة الذاتية وورش العمل العلاجية والخلوات للرجال التي قامت بها منظمات ومؤلفون مختلفون في الولايات المتحدة.

وصاغ البروفيسور شيبرد بليس مصطلح "الأسطورية" في تفضيله لمصطلح "حركة رجال العصر الجديد"، على الرغم من أن "mythopoeia" صاغه J.RR تولكين في ثلاثينيات القرن الماضي، وله معنى مختلف، وفق موقع "ويكيبيديا".

واعتمدت الحركة أسلوبًا عامًا للمساعدة النفسية الذاتية، وتأثرت أنشطة المجموعة المستخدمة في الحركة إلى حد كبير بالأفكار المستمدة من الطبيب النفسي السويسري كارل جوستاف يونج، والمعروف باسم علم النفس اليونغي، على سبيل المثال، النماذج الأصلية لجونغ، التي كان استخدام الأساطير والحكايات الخرافية المأخوذة من ثقافات مختلفة بمثابة طرق لتفسير التحديات التي يواجهها الرجال في المجتمع.

 

 

ووفقًا لعالم الاجتماع مايكل ميسنر، فإن ظهور المجتمع الصناعي الحضري "حاصر الرجال في قيود العقلانية، بالتالي قمع الشركة العاطفية القوية والسمو الروحي الجماعي الذي يعتقدون أن الرجال في المجتمعات القبلية يتمتعون به عادةً"، وهو ما أدى لبروز الحركة "الأسطورية".

وسعت الحركة "الأسطورية" إلى "إعادة الرجولة العميقة للذكور الذين فقدوها في أنماط حياتهم الأكثر حداثة"، ما اعتُبر كرد فعل على صعود الحركات النسوية، إذ شعر الرجال بأن صوتهم بات منخفضاً.

فيما اعتبرت مصادر أخرى أن شيبرد بلس نفسه، هو صاحب تعريف "الرجولة السامة"، حيث سعى من خلاله لفصل الصفات السلبية للرجال عن تلك الإيجابية، واستخدم المصطلح كوسيلة للتمييز بينهما.

وشملت الصفات التي وسمها بلس بـ"السامّة": "تجنب التعبير عن العواطف والتطلُعات الجامحة لفرض السيطرة الجسدية والجنسية والفكرية، والسعي المُمنهج إلى التقليل من قيمة النساء في ما يتعلق بآرائهن وأجسادهنّ والشعور بالذات لديهنّ". (إندبندنت عربية)

ووفق المعالج النفسي سيلفا نيفيس، فإن الرجولة السامة "نتيجة مجموعة من القواعد الصارمة التي تحدد ما يجب أن يكون عليه الرجل"، وتقضي بأن "الرجل يجب أن يعاني بصمت من آلام جسدية ونفسية، ولا ينبغي له البحث عن الدفء أو الراحة أو الرقة، ويجب أن يتحلى فقط بمشاعر الشجاعة والغضب، بينما تعتبر أي مشاعر أخرى نقاط ضعف، والضعف غير مقبول".

وأضاف في مقال له، نُشر على موقع "Psychology today": "يجب ألا يعتمد الرجل على أحد، فطلب المساعدة يعتبر ضعفاً، كما يجب أن يفكر دائماً بالفوز سواء في الرياضة أو العمل أو العلاقات أو الجنس".

وأكد أن الرجولة السامة "لا تقتل النساء فقط، بل الرجال أيضاً، نتيجة قواعد الرجل الصارمة"، مردفاً "إذا أردنا التوقف عن معاداة النساء، وأن تكون النساء بأمان في شوارعنا وأن يتمتع الرجال بصحة نفسية، فعلينا أن نبدأ بكيفية تربية أولادنا في كل أسرة وفي المدارس وداخل مجتمعاتنا".

 

إعلان "جيليت"

في عام 2019 أطلقت شركة جيليت الرائدة في صناعة شفرات الحلاقة، إعلاناً يتصدّى للرجولة السامة، ويحاول تصويب المسار عبر انتقاد سلوكيات تعبر عن المفهوم، وفي نفس الوقت طرق إصلاحها والحد منها.

ومن السلوكيات التي انتقدها: التنمّر، والتحرش الجنسي.

ويذكر في بداية الإعلان حركة "Me too" ضد التحرش الجنسي، باعتبارها مصدر إلهام لهذا الإعلان، الذي مثل دعماً لها.

أمّا نص الإعلان فيبدأ متسائلاً بعد سرد أخبار عن الحركة "هل هذا أقصى ما يمكن للرجل تحقيقه؟ حقاً؟".

ويكمل "لا نستطيع الاختباء من هذه السلوكيات المستمرة منذ زمن طويل. لا يمكننا الضحك مقابلها، والتحجج بنفس الأعذار (الأولاد هم الأولاد)، ولكن أخيراً شيء ما تغيّر، ولا مجال للرجعة. لأننا نؤمن بالسمات الأفضل في الرجال، عبر قول ما يجب قوله، والتصرف بالشكل الصحيح، وبالفعل البعض يقوم بذلك، كان كبيراً أو صغيراً، ولكن البعض ليس كافياً، لأن الأولاد الذين يشاهدون اليوم، سيكونون رجال الغد".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".