فرقة ميّاس مع مدربها بعد الحصول على لقب "أميركا غوت تالنت" - أسوشيتد برس
فرقة ميّاس مع مدربها بعد الحصول على لقب "أميركا غوت تالنت" - أسوشيتد برس

تصدر خبر تتويج فرقة "مياس" بلقب الموسم السابع عشر من برنامج المواهب العالمي "أميركا غوت تالينت" اهتمامات اللبنانيين، الذين عبروا عن فرحتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي بهذا الإنجاز الكبير، الذي أعاد لبنان إلى الخريطة العالمية للفن والثقافة.

وقف اللبنانيون المقيمون والمغتربون إلى جانب "مياس" وهي في طريقها إلى الفوز، صوتوا لها بكثافة، راهنوا على نجاحها، وفي النهاية لم تخذلهم، فبعد تأهلها لـ "التوب فايف" في الحلقة الأخيرة، قدمت عرضا جسد أرزة لبنان، لتنافس في المرحلة النهائية بفقرة تحت عنوان "كرمالك يا لبنان".

وقدّمت الفرقة عرضها الختامي عند الثالثة من صباح الأربعاء بتوقيت بيروت، الثلاثاء، الساعة الخامسة بعد الظهر بتوقيت لوس أنجلوس، ليضاف إلى سلسلة عروض وصفها حساب "أميركا غوت تالينت" بالـ "المذهلة التي تحبس الأنفاس".

نجاح فرقة "مياس" جاء في ظل الأزمات التي يمر بها لبنان منذ ثلاث سنوات، ما شكّل بارقة أمل للبنانيين، بأنه لا بد للشمس أن تشرق مهما طال الظلام، ولا بد أن يأتي اليوم الذي يخرج فيه بلدهم من نفق المعاناة، ويعود إلى سابق عهده منارة للعلم والحضارة.

وقبل تقديم عرضها الأخير، كتبت "مياس" على صفحتها عبر "إنستغرام" مذكرة جمهورها، بأنها "الليلة هي الليلة التي نضع فيها بصمتنا النهائية على أكبر مسرح في العالم"، وبالفعل تركت بصمتها التي لن يمحوها الزمن.

وكانت الفرقة حصلت في المرحلة الأولى من البرنامج، على "الباز الذهبي" بعدما منحتها اياه النجمة العالمية صوفيا فيرغارا، الأمر الذي مكّنها من تجاوز مرحلة التصفيات والانتقال مباشرة إلى مرحلة العروض نصف النهائية.

 

"جرعة" أمل

نجحت فتيات الفرقة بقيادة مدرب الرقص نديم شرفان، في إبهار ملايين المتابعين، لتستحقن عن جدارة تتويجهن بأهم برنامج عالمي، وليحصدن كل هذا التفاعل من قبل اللبنانيين من مختلف فئات المجتمع، حيث تصدر هاشتاغ #مياس الترند الأول على تويتر.

"هو شعور لا يوصف، لم يغمض لنا جفن حتى ساعات الصباح الأولى بانتظار النتيجة" بحسب ما قالته زينة سعيد، شارحة "كنت وأفراد عائلتي نتابع البرنامج، ورغم يقيننا بأن الفوز سيكون من نصيب هذه الفرقة التي رفعت اسم وطننا عالياً لكن لم يفارقنا الخوف حتى إعلان الفائز، وما إن جرى تتويج الفرقة الللبنانية حتى غمرت الفرحة قلوبنا، ففي ظل الكوارث الاجتماعية التي نعيشها والأزمة الاقتصادية الموجعة، تمكنت مياس من إظهار صورة لبنان الذي نستحقه ونحلم به".

وشددت زينة "أثبتت مياس أن في لبنان مواهب وإمكانات وقدرات مدفونة بحاجة إلى مساعدة لكي تظهر للعالم من هو اللبناني وماذا يستطيع أن يفعل، وأنه سيبقى كطائر الفينيق، ينفض الغبار عنه ويحلق حاصداً الألقاب واهتمام العالم، كما أن هذا الإنجاز صرخة في وجه الطبقة الحاكمة، ورسالة إلى العالم أجمع، فحواها أن بإمكان اللبنانيين النهوض ببلدهم إذا كفت هذه الطبقة يدها عنه".

وكانت "مياس" تنافس في نهائيات المسابقة مع عشر فرق عالمية، مع العلم أنها سبق وأن فازت في العام 2019 بالنسخة العربية لبرنامج "آراب غوت تالينت".

"استعاد اللبنانيون مع فوز مياس الأمل بحضورهم العالمي بعدما بات بلدهم في أسفل قائمة الدول الفقيرة والمهمشة والفاسدة، وشعروا بأن أبواب الجنة فتحت من جديد لوطنهم" بحسب ما قالته الصحفية كلاديس صعب، مضيفة "أظهرت الفرقة الفنية ابداع شعب مقهور يعجز عن تأمين ابسط مقومات العيش، وأعادت الأمل إلى قلوب اللبنانيين من خلال جرعة هذا النجاح العالمي الباهر المليء بالمشاعر والأحاسيس، فأخرجت اللبنانيين من الحزن والاكتئاب ولو لساعات، مؤكدة في ذات الوقت أن لبنان وشعبه قادران على الإبداع مهما قست عليهما الظروف".

قد يستغرب العالم كما تشدد هناء المصري "كيف أن بإمكان اللبناني أن يفرح بفوز فرقة فنية، في وقت يعاني من كل مصاعب الحياة، لا بل وهو في عزّ سعادته وصل سعر صرف الدولار إلى حدود قياسية حيث تجاوز عتبة الـ 38 ألف ليرة، وما يستتبع ذلك من ارتفاع كل الأسعار، لكن ما لا يعلمه العالم أن هذا الفوز هو كالدواء الذي يحتاجه المريض للتخفيف من آلامه، مع إعطائه الأمل بإمكانية الشفاء يوما ما".

من جانبها وصفت الإعلامية منال الربيعي، فوز فرقة "مياس" بالفخر الكبير للبنان واللبنانيين، لاسيما أنها حققت هذا النجاح بجهود فردية في ظل الظروف التي نعيشها، وشددت "ما حققته مياس خير دليل على أن باستطاعة اللبناني أن يصل إلى العالمية، وأن الانهيار الذي يعاني منه لبنان سببه الطبقة الحاكمة ولا علاقة للشعب به، فاللبناني كفرد أثبت نجاحه في الفن والثقافة والرياضة، وهذا الأمر ليس بجديد عليه".

"الفن هو من أرقى أنواع التواصل الإنساني الذي وجد قبل اللغة، وهو أساس الكون والوجود، كما أنه نوع من العودة إلى إنسانية الإنسان بعيداً عن أي اعتبارات تعددية، سواء كانت ثقافية أم اجتماعية وحتى طبقية اقتصادية وغيرها"، بحسب ما قالته الأستاذة الجامعية والباحثة الإجتماعية البروفيسورة وديعة الأميوني، شارحة أن "الإنسان المرتبط بإنسانيته يقدّر الفن والجمال الذي قدّمته فرقة مياس التي رفعت اسم لبنان في العالم، أما المرتبط بالمعرفة المعلبة وقواعد التعصب الديني، أيّاً تكن طائفته فلن يقدّر الفن".

استطاعت فرقة "مياس" كما تشدد الأميوني أن "توحد الغالبية العظمى من الشعب اللبناني من جميع أطيافه، وهذا دليل على أن مجتمعنا لا يزال بألف خير رغم الشحن الطائفي والمذهبي، في حين رفض عدد قليل استقبال الجمال الذي قدّمته الفرقة، فهؤلاء كان خيارهم الإستمرار في العيش بالظلمة، ولو كانوا يعرفون العبادة بمفهومها الصحيح ما كان هذا موقفهم، فالله خلق الكون بفن وجمال، وكل ما يدور فيه قائم على الحركة الفنّية".

وترى الباحثة الاجتماعية أنه حان الوقت "لكي نبدأ بتوظيف الاهتمام بالفن، لخلق مساحة للإنسانية ولكي نتمكن من العيش مع بعضنا البعض بسلام وألفة، بدلاً من التقوقع ورفض الآخر وكل شيء جميل، ما يزيد التباعد بين اللبنانيين أكثر".

تهانٍ رسمية

تقديراً لعطاءاتها الفنية ونجاحها في أهم برامج المواهب العالمية، منح رئيس الجمهورية ميشال عون، فرقة "مياس" وسام الاستحقاق اللبناني المذهّب، مشيراً في تغريده عبر "تويتر" إلى أنّ "فوز فرقة "مياس" بأهم برامج المواهب العالمية مدعاة فخر للبنانيين واعتزازهم. هنيئاً لشابات "مياس" ومدربهم وسائر مسؤولي الفرقة هذا النجاح، وشكراُ لجهودكم وإبداعكم لأنكم زرعتم الأمل والضوء في قلوبنا جميعاً".

أما رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي، فاعتبر أن "الإبداع اللبناني يتجلى مجددًا بعرض رائع لفرقة "مياس" في الولايات المتحدة الأميركية، على أمل أن يكون النجاح متلازمًا دائمًا لها. مبروك الفوز وإلى المزيد من التألق".

أما رئيس مجلس النواب نبيه بري، فعلّق على تنويه نائبه إلياس بو صعب على الإنجاز الذي حققته الفرقة واحتضانها من قبل المغتربين اللبنانيين في أميركا، بالقول "لازم نغترب حتى نصير لبنانيين".

 وشاطرت وزارة الخارجية والمغتربين "اللبنانيين ولا سيما المغتربين، اعتزازها الكبير بما حققته هذه الفرقة من أداء مميّز خطف أنظار العالم، ورفع اسم لبنان إلى أعلى المراتب الفنية وثقافية"، لافتة إلى أن "هذا النّجاح الباهر قد أعطى أحلى صورة عن لبنان الفنّ والجمال. نفتخر بكم، ونتمنّى لكم مزيداً من التألق".

من جانبها كتبت وزارة السياحة اللبنانية عبر "تويتر" "حلم جديد وأمل جديد عم نعيشو مع فرقة ميّاس، اليوم يلّي بفوزها خلّتنا نرجع رغم كل الظروف لمجد لبنان وصورتو الحلوة بعقول العالم كلّو" وأضافت "مبروك ميّاس رفعتو اسم لبنان بالعالم ورفعتو رأس كل لبناني ببلدنا".

 كما هنأت قيادة الجيش من خلال تغريدة "فرقة مياس بمدربيها وأعضائها على فوزها في المسابقة، حاملةً إلى العالم رسالة لبنان المُشرق النابض بالحياة. نحو مزيد من التألق والنجاح".

وعلّق نقيب محرري الصحافة اللبنانية جوزف القصيفي على احتلال "مياس" المرتبة الأولى في المسابقة العالمية، فقال "في زمن السجالات السياسية العقيمة، والتحديات القاتلة، التي تغرق الشعب اللبناني باليأس والاحباط، وتدفعه إلى الكفر بكل شيء، يأتي الانتصار الذي حققته فرقة "مياس" اللبنانية للفنون، ليعيد الينا الأمل، بأن وطن الأرز لن يسقط، ولن ينكفئ حضوره، وسيبقى ماثلا بالمبدعين من أبنائه الذين شهروا حبهم وولاءهم له بأعمالهم المبهرة التي تلامس تخوم الإعجاز الفني والادبي".

أضاف "إن ما قدمته فرقة" مياس" بإمكاناتها المحدودة، وقدراتها الذاتية، من بين العديد من الفرق العالمية التي تمتلك امكانات مادية وتقنية هائلة، مدعاة للفخر والاعتزاز".

وتابع "أمس كان لبنان أمام مشهدين: الأول على أرضه حيث الفوضى والقهر والإذلال وتقلبات سعر الدولار والمحروقات، ومعاجم الحقد والضغينة يستخرج منها السياسيون أقسى الكلمات يتراشقون بها، وكأنهم يتقصدون رجم الوطن. الثاني في لوس انجلوس الاميركية، عندما أشرق شابات لبنان وشبابه عبر مياس، وانطلقوا كالشهب يحفرون اسمه بإبرة طموحهم على صخرة تاريخه العريق، فقدموا ما يدهش وما يبهر، وكانوا كفراشات الضوء تألقا وشفافة، واستطاعوا انتزاع الفوز بقوة الموهبة والخلق والابتكار".

من جانبه غرّد السفير السعودي لدى لبنان وليد بخاري، على حسابه عبر "تويتر"، كاتبًا "فِرْقَةُ ميّاس والتي أبْهرتِ العالمَ قد منحتْنا صورةَ لُبنانَ الذي نُحبّ لبنانُ العُمْلةُ النّادرةُ والتي ستبقى جوهرةَ العرب"، كما هنأ الاتحاد الأوروبي في لبنان، فرقة مياس وكتب في تغريدة عبر حسابه على "تويتر" "ألف مبروك لفرقة مياس، مصدر فخر والهام".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".