تآكل مزايا الانضمام للجيش تدفع البعض للبحث عن وظائف أخرى- أرشيفية
تآكل مزايا الانضمام للجيش تدفع البعض للبحث عن وظائف أخرى- أرشيفية

"إن اعتمدت فقط على راتبي العسكري، أقسم انه لن يكفي لشراء شفرات لحلاقة ذقني فقط، سعر علبة الشفرات يصل إلى 10 دولارات، فيما راتبي الشهري بالليرة اللبنانية لا يتخطى 40 دولارا"، يقول "رائد" وهو عسكري في الجيش اللبناني يعمل اليوم سائق سيارة أجرة على أحد التطبيقات الخاصة في لبنان، إلى جانب خدمته العسكرية.

حاله حال معظم العسكريين ورجال الأمن في لبنان، أفرادا ورتباء وحتى ضباط، باتوا مضطرين اليوم للبحث عن عمل رديف لوظيفتهم الرسمية، التي ما عادت تؤمّن لهم أي مردود مادي يذكر، بعدما انهارت القيمة الشرائية للرواتب بالليرة اللبنانية بنسبة 95 في المئة، اثر الأزمة المالية المستمرة في البلاد منذ نحو 3 سنوات.

قبل الأزمة المالية، كان عمل رجال الأمن والعسكريين خارج نطاق خدمتهم، أمر مخالف للقانون يعرضهم للملاحقة القانونية وصولاً إلى حد الطرد من وظيفتهم، وهو حكم قانوني لا يزال قائما حتى اليوم، إلا أن "الضرورات تبيح المحظورات"، وفق ما يؤكد مصدر في الأمن اللبناني لموقع "الحرة".

ويضيف المسؤول الأمني الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن "الظروف الصعبة تفرض حكمها، فصحيح أن عمل رجال الأمن ممنوع بحسب القانون، لكن التسامح مفروض لضمان استمرارية العمل، بأبعاد إنسانية، أبرزها حماية عائلات هؤلاء من الوصول إلى الفقر المدقع بعدما بلغوا الفقر بالفعل خلال السنوات الماضية، هؤلاء العناصر عليهم مسؤوليات لتأمين استقرارهم الاجتماعي، وما زالوا رغم كل ما يجري من حولهم، صامدون في خدمتهم ويقومون بواجباتهم، وبالتالي هذا ما يجعل جميع الأجهزة الأمنية تتسامح مع الظاهرة في الوقت الحالي".

 

انعدام المحفزات

يأتي هذا الاستثناء في ظل اتجاه متزايد لدى العناصر الأمنية والعسكريين لترك وظائفهم والفرار من الخدمة، التي لم تعد مجدية بالنسبة لهم، لاسيما على الصعيد المادي، ما يهدد جهوزية الأجهزة الأمنية والعسكرية في لبنان واستمرارية قيامها بدورها، وسط تحديات أمامها تجاوزت العنصر البشري، ووصلت إلى حد العجز عن تأمين متطلبات العمل اللوجستية واللوازم الفنية، بعد انهيار قيمة الميزانيات المالية الحكومية المخصصة للأجهزة الأمنية والعسكرية في البلاد، على غرار كافة المؤسسات الحكومية.

وبعيدا عن البعد الوطني والواجب الذي تمثله الخدمة في الجيش أو الأجهزة الأمنية في لبنان، لطالما كان العمل في هذه المؤسسات يمثل وظيفة مرغوبة جدا في البلاد، كانت تؤمن مردودا ماليا مقبولا، بالإضافة إلى ضمان صحي شامل وتقديمات اجتماعية ومخصصات عائلية وتعليمية للمنتسب وعائلته، في بلد تعتبر الفاتورتان الصحية والتربوية من أعلى تكاليف الأسر السنوية. 

فضلا عن ذلك، كانت تمنح تلك الوظائف لأصحابها تسهيلات وأفضلية في الحصول على القروض المصرفية الشخصية وتخفيضات على أسعار المحروقات والسلع، وانتهاء بتعويض نهاية خدمة كبير نسبيا، ومعاش تقاعدي ثابت مدى الحياة، قد ينتقل بعدها للزوجة والأبناء، ما جعل الوظائف الأمنية والعسكرية ملجأ للكثير من اللبنانيين الذين ضاقت بهم سبل العيش لاسيما في المناطق الأقل إنماء، حيث ترتفع معدلات الفقر وتنخفض حظوظ العثور على وظائف. 

أما اليوم فقد تبخرت كل تلك المحفزات، وباتت بلا أي قيمة، لاسيما بعد تراجع قيمة التقديمات الصحية والتربوية، وانعدام القدرة على اللجوء إلى القروض المصرفية في ظل أزمة السيولة لدى المصارف اللبنانية، فضلاً عن تآكل الحقوق التقاعدية للموظفين والتي تظهر من خلال معاناة المتعاقدين الذين يتنقلون اليوم بين الاعتصامات والتظاهرات من أجل تحصين أبسط حقوقهم والاستحصال على رواتبهم.

ويقول محمد، (فضل استخدام اسمه الأول لتجنب أي ملاحقة)، وهو رقيب في قوى الأمن الداخلي، إن ما يبقيه في خدمته اليوم هو وضع والدته التي تعاني من مشاكل صحية، "الضمان الصحي لي ولوالدتي هو كل ما يعنيني اليوم، وإلا لكنت غادرت السلك الأمني منذ سنتين، لكني أخاف أن نقع في أي أزمة صحية تكلفني كل ما أملك من أموال فيما التطبب على حساب قوى الأمن لا يزال متاحاً اليوم رغم المشاكل الموجودة في هذا السياق لناحية تغطية الفروقات في التكاليف".

ومثل محمد، فإن كثيرا من العناصر والجنود المستمرين في خدمتهم حاليا، ممن تحدث إليهم موقع "الحرة"، يهدفون فقط للاستفادة من التأمين الصحي والتقديمات التربوية التي توفرها وظيفتهم، وذلك بدافع الحرص على عائلاتهم في ظل الأوضاع التي يعيشها لبنان، فيما لا تشكل رواتبهم أي حافز لهم، فبعضهم يعتمد على ما يتقنه من حرفة أو عمل، وبعضهم الآخر اتجه نحو الأعمال البسيطة لتأمين المال اللازم.

 

من الأمن إلى السوق السوداء

يعمل محمد اليوم كصراف للعملة في السوق السوداء، يبيع ويشتري الدولارات وفق حركة السوق ليحقق من تباين أسعار الصرف أرباحا مالية تؤمن له مردودا يفوق ما يحصل عليه في وظيفته بعشرات الأضعاف، وفق ما يروي لموقع "الحرة".

بدأ عمله منذ بداية الانهيار عام 2020، "انطلقت برأسمال صغير، حين ينخفض الدولار أشتريه، وأبيعه حين ترتفع قيمته أمام الليرة، ثم استخدم الأرباح لزيادة رأسمالي، انتقلت فيما بعد من المبالغ الصغيرة إلى صفقات تصريف أكبر، وتأمين طلبات مبالغ كبيرة من الدولار أو من الليرة للشركات والصرافين، حسب حاجة السوق".

تطور عمل محمد فيما بعد للعمل في تصريف الشيكات المصرفية للأموال العالقة في المصارف، "كونت رأسمالا آخر داخل المصرف عبر الشيكات المودعة، واستفدت منهم عبر السحوبات الشهرية المسموحة بالدولار، وهكذا أصبحت في مهنة أخرى جديدة كليا علي، جعلتني بغنى تماما عن راتبي الوظيفي في قوى الأمن".

ومع ذلك لا يزال مستمرا في خدمته التي انخفض عدد ساعاتها وباتت أكثر ليونة لتتناسب مع عمله الجديد، يقول: "حاليا بصراحة لا يتعبني العمل في قوى الأمن، ولا يأخذ من وقتي كثيرا ولا يعطل عملي الثاني، لذا استمر فيه، ولدي أمل أن الأوضاع قد تشهد تحسناً، كما أنني خدمت 21 عاماً في قوى الأمن، ولا يزال أمامي عامان فقط للتقاعد، لا أريد تفويت كل ذلك وخسارة سنين عمري التي استثمرتها".

يؤكد الرتيب في قوى الأمن الداخلي أن جميع زملائه في الخدمة اليوم يقومون بأعمال رديفة، "لم يعد هناك عسكري واحد أو رجل أمن يعتمد على راتبه، فذلك غير ممكن حسابياً في ظل انهيار قيمة الرواتب، من يستطيع العيش بأقل من ٥٠ دولاراً في الشهر في لبنان؟".

ويبلغ راتب محمد اليوم مليون و700 ألف ليرة، ويصل بالحد الأقصى إلى نحو مليونين ونصف مع المساعدات التي تقدم حاليا، وهو ما يساوي نحو 50 دولاراً في المحصلة، ومع ذلك فإن هذا المبلغ ليس ثابتا، بل يتغير حسب الأشهر وحسب صرف المساعدات من ناحية الحكومة، "حتى الزيادة التي انتظرناها لعام كامل لم يوقع عليها رئيس الجمهورية في نهاية الأمر، ولم يصلنا شيء منها، في حين أن بعض الزملاء استدانوا أموالاً على أساس أن هذه الزيادة ستصل ووقعوا في ضائقة مالية أكبر".

بلغ محمد مرحلة ينسى فيها سحب راتبه الشهري من قوى الأمن "آخر همي المعاش اليوم، أحيانا يمر كل الشهر واحيانا أتذكر في منتصف الشهر، حتى حين أسحب الأموال أسحبها وأتوجه إلى محطة المحروقات، أشتري بهم صفيحتين بنزين للسيارة واتابع جولات الصرافة".

 

"التوك توك" أربح

فضل (32 عاما)، عسكري في الجيش اللبناني، دفعه الفقر والعوز إلى اللجوء لأعمال رديفة أخرى، تهون عليه الضائقة التي نشأت عن الأزمة المالية في السنوات الماضية. يروي لموقع "الحرة" كيف بدأ العمل بأي شيء يؤمن له مبلغاً يومياً إضافياً، "مرة في الباطون والعمار، ومرة أخرى في العتالة والتحميل، عملت بمواسم الزرع في القطاف أيضاً، إلى أن نجحت في استدانة مبلغ مالي صغير اشتريت منه "توك توك" وبدأت العمل عليه".

حول فضل "التوك توك" إلى ما يشبه سيارة أجرة، ينقل عبره أبناء بلدته منها وإليها، ضمن نطاق القرى المحيطة، ويتقاضى لقاء ذلك مبالغ مالية أقل من تلك التي تتقاضاها سيارات الأجرة العاملة في المنطقة، وبات يشهد إقبالا متزايدا، في ظل ارتفاع تكاليف النقل بشكل هائل في لبنان، كما بدأ يعمل في تصليح الدراجات النارية والتجارة بها.

تابع فضل التوفيق بين خدمته العسكرية وعمله الجديد إلى أن وقعت الخسارة، "اضطررت للتفرغ للأعمال التي أقوم بها وترك الخدمة العسكرية نهائياً، فحتى الأيام التي أذهب بها إلى الخدمة أتكبد فيها خسائر كبيرة ثمن مواصلات ومصاريف، فضلاً عن عدم قدرتي على تأمين الأموال التي يؤمنها لي عملي الثاني، وبالتالي الأيام الأربعة التي أخدم بها، إن عملت في الخارج بدلاً منها أستطيع تأمين راتب شهر كامل".

ويضيف "لم تعد الأمور تسير وفق المقدور عليه، فلدي طفل حديث الولادة، ومتطلباته كثيرة فيما الأسعار ملتهبة، بات تفرغي لعمل مجد مالياً لا مفر منه لتأمين حاجات عائلتي. وصلت إلى مرحلة أعمل طيلة النهار ولا أؤمن ثمن علبة حليب واحدة، فما بالك عن الأكل والشرب، واليوم عدنا إلى التدفئة، العام الماضي سكنت لدى عائلة زوجتي حتى نتمكن من الاستمرار، قطعت اشتراكات الكهرباء عن منزلي لعجزي عن تسديد الفواتير، وصلت إلى مراحل فقر مخيفة، لم يعد أمامي أي حل، وصلت إلى مرحلة ينقسم فيها أسبوعي إلى ٤ أيام من الفقر والجوع والعوز، و٣ أيام من العمل التي أتمكن فيها من إحضار الحليب والحفاضات والطعام".

يعبر فضل عن خوف كبير يتملكه بسبب خسارته للضمان الصحي الذي تؤمنه الوظيفة العسكرية، "ولكن الواقع أوصلني إلى خيارين أحلاهما مر، فإما المخاطرة بالحاضر وبالموت جوعاً، أو المخاطرة بالمستقبل وما قد يحمله ويتطلب تأمينا صحياً، كنت بين السيئ والأسوأ، في حين كل الوعود التي تلقيناها طيلة الأعوام الماضية بتحسين الأوضاع وتأمين مساعدات وزيادة رواتب وتقديم محروقات للتدفئة، كان كله كلام في الهواء لم يصلنا أي شيء وبقينا ننتظر دون جدوى".

في ظل الأوضاع الحالية، لا يفكر فضل بالعودة إلى الجيش مرة أخرى، "لا أخفي أنني أتمنى ذلك، أن تتحسن الأوضاع والتقديمات بما يكفي لحياة كريمة، أما الآن فليس لدي هذا الخيار أصلا، ومن لا يزال في الخدمة حالياً إما انه لا يملك أي خيار للعمل في خارج السلك العسكري، أو أن وضعه الصحي لا يسمح له، هناك أيضاً كبار في السن وقدماء في الخدمة بقي لهم سنوات محدودة للتقاعد يفضلون الاستمرار كي لا يخسروا كل ما راكموه من سنين".

 

معلقون في الهواء

"رائد" الذي اختار اسما مستعارا بكونه لا يزال عسكريا في الجيش، يخشى الإقدام على خطوة الفرار من ناحيته، رغم إيمانه بعدم جدوى البقاء في الخدمة العسكرية كوظيفة آمنة، ويضيف "الآن يتيح لي وضعي العمل على سيارة أجرة، تعود لعديلي  الذي هاجر من البلاد قبل أن يتمكن من بيعها، فقررت أن أستثمرها، وأعمل أيضاً في خدمة توصيل الطلبات إلى المنازل مع إحدى الشركات، وقبل ذلك عملت ديلفري مأكولات، ولكن في حال هربت قد لا أتمكن من مزاولة هذه الأعمال بحكم أنني سأكون ملاحقا قانونيا، قد يتم توقيفي عند أي حاجز".

ويتابع "اليوم هناك العديد من الشركات والمؤسسات التي تسمح بتوظيف العسكريين لديها، من بينهم شركة التاكسي التي أعمل بها، لكن في حال الفرار قد يصبح وضعي القانوني عائقاً امام توظيفي في شركات من هذا النوع".

يذكر أن العمل في شركات التاكسي يشهد اقبالا كثيفا من فئة العسكريين، بكونه لا يتطلب معرفة محددة أو مهارات خاصة، بل يقتصر على القيادة ومعرفة الشوارع والطرقات، ومثلها أنواع عدة من الأعمال كخدمة التوصيل إلى المنازل، وأعمال التحميل والنقل، وتسويق البضائع والعلامات التجارية، فضلا عن الأعمال التجارية بشكل عام.

وفي هذا الإطار يقول رائد "هناك من بدأ خدمته العسكرية في عمر مبكر، أغلبهم من عمر 18 عاما، وبالتالي نشأوا وكبروا في المؤسسة العسكرية ولم يتعلموا أي مهنة أو مصلحة، اليوم ليس بيدهم أي خيار، لا يعرفون ماذا سيفعلون في الخارج، بعضهم خطط لكامل حياته على أساس راتبه وموعد تقاعده وسنين خدمته، رسمنا مستقبلا كاملاً انهارت كل أركانه بعد الأزمة وبتنا معلقين في الهواء لا نعلم ماذا سنفعل".

في رصيد رائد 10 سنوات من الخدمة، كان ينتظر مرور 8 سنوات إضافية لإتمام السنين اللازمة للتقاعد، "كل ذلك تبدد الآن أمام أعيني، فقدد مددت الدولة سنين التقاعد إلى 23 عاماً بدل 18، ومنعوا التسريح من الخدمة بسبب قرار منع التوظيف الجديد، للحفاظ على عديد العسكر، فيما يفرضون اليوم على الفارين الراغبين في الحصول على تسريحهم دفع مبلغ 600 دولار بدلاً من المصاريف اللوجستية التي صرفت عليهم من ملابس ومعدات، وفق ما يقولون".

ويتابع "العسكريون الذين فروا من الخدمة للحصول على 10 دولارات في اليوم، من أين سيؤمنون 600 دولار باتت اليوم بمثابة الحلم لهم؟ وهل سيفضلون تقديمها للسلطات بدلا من عائلاتهم الأكثر حاجة لهذه الأموال؟ هذه شروط تعجيزية وبدع جديدة تهدف إلى الحد من ظاهرة الفرار برأيي".

وتكاد تكون الوظائف الأمنية والعسكرية الأقل مردوداً بين كافة الأعمال والوظائف الحالية في البلاد، وصل الفقر والعوز بالعسكريين إلى بيع المساعدات الغذائية التي يحصلون عليها، والتجارة بالسلع التي يستفيدون من تخفيضات على ثمنها، حيث يتجهون بها إلى الأسواق لبيعها بسعر أعلى، فيما لم يوفر عدد كبير منهم عفش منازلهم ومقتنياتهم من البيع بعدما استنزفت الأزمة كل مدخراتهم وقدراتهم المالية.

 

ماذا عن الضوابط؟

يثير هذا الواقع مخاوف عدة يعبر عنها المراقبون في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، لاسيما لناحية ضرب "هيبة العسكر والدولة" بسبب عمل العسكريين ورجال الأمن لدى أرباب عمل بطريقة غير شرعية، فضلاً عن التأثير السلبي للأمر على معنويات العسكريين انفسهم، واندفاعهم في عملهم، حيث لن يجدوا في خدمتهم ما يستحق الدفاع عنه والتضحية في سبيله.

كذلك أثيرت تساؤلات حول ولاء العسكريين لمؤسساتهم الواقعة في العجز فيما شركات أخرى ومؤسسات خاصة تؤمن لهم تقديمات أكبر هم بأمس الحاجة إليها، مع ما يمثله ذلك من مخاطر قد لا تقتصر فقط على تضارب المصالح خلال تأدية الواجب. 

موقع الحرة حاول التواصل مع قيادة الجيش في هذا الشأن للوقوف على رأيها حول هذه الاستفهامات، والإجراءات الجديدة المتبعة لمواكبة تأثيرات الأزمة المعيشية على العسكريين، إلا أنها لم تقدم أي تعليق إلى حين إعداد هذا التقرير. 

وفي الإطار نفسه يؤكد المصدر الأمني أنه "لا مشكلة في المهن التي قد يلجأ إليها العناصر في هذه المرحلة، شرط أن لا يكون أي عمل ينطوي على مخالفة للقانون من جهة، أو تعارض مع وظيفته في قوى الأمن، كأن يعمل مثلاً في الحماية الأمنية لشخصيات أو مؤسسات أو أحزاب سياسية وما إلى ذلك، ما عدا ذلك لا مشكلة".

ويضيف "ما يجري حالياً هو نوع من التوزيع لوقت العناصر بين خدمته ومأذونيته التي يعمل خلالها، ويتم ذلك وفق الحاجة بالدرجة الأولى لضمان الجهوزية لدى الأجهزة الأمنية، وما بين دواعي العمل الثاني ومتطلباته، ويتم مراعاة الأوضاع الحالية في ذلك ومسايرة حاجات العناصر ومطالبهم".

ووفقا للمسؤول الأمني "هناك مساع دائمة ومتواصلة لتحسين أوضاع العناصر الأمنية، ويبذل المعنيون في هذا السبيل جهوداً كبيرة، وهناك اتصالات مستمرة من قيادات الأجهزة الأمنية والعسكرية مع الجانب الحكومي من أجل تأمين الرواتب والتعويضات والمساعدات، كذلك تبذل جهود كبيرة مع الجهات المانحة في الخارج".

أما بالنسبة لنسب الفرار المسجلة والتي شهدت في السنوات الماضية ارتفاعا كبيرا، يؤكد المصدر الأمني أنها "لا تزال مقبولة نسبة للأوضاع الراهنة والتطورات الحاصلة في البلاد، ولم تصل إلى الخطورة التي يحكى عنها في الإعلام، حيث لا تزال كافة الأجهزة الأمنية والعسكرية تمارس دورها وتحقق إنجازات أمنية نوعية واستباقية وتسهر على تطبيق القانون".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

شعبية الحزب في ارتفاع متواصل بألمانيا
شعبية الحزب في ارتفاع متواصل بألمانيا

حقق اليمين المتطرف في ألمانيا أكبر نجاح انتخابي له منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك بتحقيقه "نتائج قوية" في الانتخابات الإقليمية لمقاطعتي تورينغن وساكسونيا، شرق البلاد، متفوقا على أحزاب الائتلاف الحاكم الذي يقوده المستشار، أولاف شولتس.

ويعدّ انتصار حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، في منطقة كانت تحت السيطرة الشيوعية خلال الحرب الباردة، ضربة قوية للأحزاب الثلاثة المكونة للائتلاف الحاكم والتي تكبدت خسائر كبيرة في هذه الانتخابات، وفقا لموقع "بوليتيكو".

وأصبح حزب البديل من أجل ألمانيا القوة السياسية الأولى في تورينغن بعد أن تقدم على خصومه بنسبة كبيرة من الأصوات، بينما حل ثانيا خلف المحافظين في ساكسونيا.

وتحدثت صحيفة "دير شبيغل" اليومية عن "زلزال سياسي في الشرق"، بينما وصفت صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" النتيجة  بـ"المقلقة للديمقراطيين".

حزب فتي

وتأسس حزب البديل من أجل ألمانيا في 2013 كمجموعة مناهضة لليورو قبل أن يتحول إلى حزب معاد للهجرة، بعد تزايد أعداد المهاجرين خلال العقد الماضي، وبرز بعد جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية التي أضعفت الاقتصاد الأول في أوروبا ورفعت الأسعار.

ويضم الحزب نحو 40 ألف عضو، بينهم 77 عضوا في البرلمان الاتحادي من إجمالي 733 عضوا، بحسب معطيات لموقع "دويتشلاند" الحكومي.

ويتم تصنيف الحزب من قبل المكتب الاتحادي لحماية الدستور على أنه "مشتبه فيه بالتطرف اليميني". وتخضع جهات من الحزب للمراقبة الأمنية بسبب تبنيها أفكارا متطرفة ومعارضة للقوانين المحلية.

ويتواجد الحزب في برلمانات جميع الولايات وكذلك في البوندستاغ، ويتمتع بشعبية كبيرة بشكل خاص في الولايات الشرقية.

وحقق الحزب نتائج قياسية في الانتخابات الأوروبية في يونيو، بحصوله على 15.9 في المئة من الأصوات. وهي أفضل نتيجة له على الإطلاق في الانتخابات التي يشارك فيها منذ تأسيسه قبل 11 عاما.

وبحسب استطلاعات سابقة، ارتفعت شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا، حيث يحظى بدعم 22 في المئة على المستوى الوطني، وتصل هذه النسبة إلى 30 في المئة في بعض الولايات.

وتزداد شعبية الحزب تحديدا في مناطق جمهورية ألمانيا الشرقية السابقة بسبب استمرار حالة من عدم المساواة منذ إعادة توحيد البلاد عام 1990، وأزمة ديمغرافية عميقة مرتبطة برحيل الشباب إلى مناطق أخرى على الرغم من الانتعاش الاقتصادي في شرق ألمانيا، وفقا لفرانس برس.

مواقف الحزب

وركز الحزب في بداياته على القضايا الاقتصادية بشكل رئيسي، ومع ذلك، شهد تحولا ملحوظا في أولوياته، منذ تزايد أعداد اللاجئين عام 2015، حين استقبلت ألمانيا أكثر من مليون لاجئ.

وتحولت قضية الهجرة إلى محور أساسي في خطاب الحزب وبرامجه، إذ يربط المشاكل الاقتصادية في البلاد مثل ارتفاع معدلات التضخم وتكاليف الطاقة بازدياد أعداد المهاجرين.

ويتبنى الحزب أيضا خطابا قوميا شعبويا، يقوم على كراهية الأجانب ويرفع شعارات الحفاظ على الهوية والقومية الألمانية، وفقا لمنصة "فوكس".

وفي إطار سياساته التي تدعو للحد من الهجرة، يقترح الحزب زيادة عمليات ترحيل المهاجرين والحد من استقبال وافدين جدد.

كما يطالب بإنشاء معسكرات احتجاز خارج ألمانيا بهدف منع دخول المهاجرين إلى البلاد.

وبالإضافة إلى قضية الهجرة، يركز حزب البديل من أجل ألمانيا على موضوعي تغير المناخ وتقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا.

ويعتبر "البديل من أجل ألمانيا"، الحزب الوحيد في البلاد الذي ينكر تأثيرات التغيرات المناخية. ويستغل استياء جزء مهم من الألمان من السياسات البيئية الحالية للدعوة للتراجع عن التزامات البلاد في مجال الانتقال نحو الطاقة النظيفة والمتجددة والحياد الكربوني.

أما فيما يخص موقفه من الحرب في أوكرانيا، فقد تبنى الحزب مواقف مؤيدة لروسيا، ويطالب الحكومة بالامتناع عن إرسال المزيد من المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا.

ويستغل الحزب في هذا السياق التزام ألمانيا التاريخي بالنهج السلمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى التعاطف المستمر لدى بعض سكان أقاليم ألمانيا الشرقية تجاه الكرملين، نتيجة للفترة التي خضعت فيها المنطقة لسيطرة الاتحاد السوفييتي.

وفي قرار قضائي، بشهر مايو الماضي، رفضت المحكمة الإدارية العليا في ألمانيا طلب الحزب لإلغاء تصنيفه كـ"حالة متطرفة مشتبه بها".

ويتيح هذا القرار  لجهاز الاستخبارات الداخلية مواصلة مراقبة الحزب الذي أدى الكشف عن اجتماع سري ناقش فيه قادته ترحيل المهاجرين قسرا، إلى احتجاجات واسعة في البلاد.

ويصف خبراء البديل من أجل ألمانيا بأنه "الحزب الأكثر تطرفا"، متجاوزا باقي الأحزاب اليمينية المتطرفة الأخرى في أوروبا، وفقا لتحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز"، أشار إلى تبنيه (الحزب) أفكارا "تعارض حقوق التبني للأزواج المثليين، ودمج الأطفال ذوي الإعاقة في المدارس، وقانونية الإجهاض".

وبينما يؤكد التحليل أن "حزب البديل" من أجل ألمانيا وأمثاله من الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا الغربية، لا تزال بعيدة عن الوصول إلى السلطة الكاملة، مقارنة بأحزاب مثل فيدس في المجر أو حزب القانون والعدالة في بولندا، يشدد على أن "نموذجه مبني على السعي لتقويض النظام الديمقراطي تدريجيا".

نتائج الحزب في الانتخابات

وتجرى انتخابات المقاطعات في ألمانيا في كل واحدة من الولايات الألمانية الـ16، حيث يقوم الناخبون فيها باختيار ممثليهم في البرلمان المحلي للولاية، والذي يعرف باسم "لاندتاغ".

وتعقد هذه الانتخابات كل أربع إلى خمس سنوات، وتختلف مواعيدها من ولاية لأخرى، وتهدف إلى تشكيل الحكومة المحلية وتحديد السياسات الخاصة بالولاية في مجالات مثل التعليم والأمن والثقافة.

كما أن لنتائج هذه الانتخابات تأثير غير مباشر على السياسة الوطنية، حيث تساهم في تشكيل مجلس الولايات الفيدرالي (البوندسرات).

ونظمت، الأحد، الانتخابات في المقاطعتين الشرقيتين، تورينغن وساكسونيا، في سياق أجواء متوترة، بعد نحو أسبوع من مقتل ثلاثة أشخاص في عملية طعن في مدينة زولينغن في غرب البلاد، وأقر مشتبه به سوري بتنفيذها وتبناها تنظيم داعش، مجددة الجدل بشأن الهجرة في ألمانيا.

وتصدر حزب البديل من أجل ألمانيا النتائج في تورينغن إحدى أصغر المقاطعات في البلاد حاصدا 33.1 في المئة من الأصوات، متقدما على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ الذي نال 24.3 في المئة من الأصوات، وفق النتائج الأولية.

وفي ساكسونيا، تقدم حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" وهو حزب المستشارة السابقة، أنغيلا ميركل، بفارق بسيط إذ نال 31.7 في المئة من الأصوات، وحل حزب "البديل من أجل ألمانيا" ثانيا، (31.4 في المئة) بنتيجة متقاربة.

ويشكل نجاح حزب "البديل من أجل ألمانيا" في تورينغن سابقة في البلاد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، حتى لو كان من غير المرجح أن يتولى السلطة الإقليمية مع رفض كل الأحزاب الأخرى عقد أي تحالف معه.

غير أن مراقبين، يخشون أن يؤدي نجاحه، الأحد، إلى تقوية حظوظ الحزب أيضا في براندنبورغ، شرق البلاد أيضا، حيث يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع للانتخابات المحلية في 22 سبتمبر، وفقا لصحيفة "واشنطن بوست".

ويحتل الحزب اليميني المتطرف هناك حاليا المركز الأول في استطلاعات الرأي بنسبة 24 في المئة.

التداعيات على التحالف الحاكم

وبحسب بلومبرغ، تمثل النتائج ضربة مريرة جديدة لشولتس وحكومته، وتسلط الضوء على الخطر الذي تواجهه قبل الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في غضون عام واحد.

ومع تباطؤ الاقتصاد الألماني وتزايد القلق بشأن الهجرة، سجلت شعبية الأحزاب الحاكمة الثلاثة تراجعا حادا على المستوى الوطني.

وبدا هذا واضحا في نتائج أحزاب الائتلاف الحاكم، وهي الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر، إذ حصل الأول على نحو 6.5 في المئة والثاني على نحو 3.8 في المئة، والثالث على 1.2 في المئة فقط.

وتأتي هذه الهزيمة، بعد أن منيت الأحزاب الثلاثة بخسارة كبيرة في الانتخابات الأوروبية التي جرت في التاسع من يونيو، بعد فوز المحافظين وتنامي اليمين المتطرف.

ووفقا لبلومبرغ، فإن تراجع التحالف الحاكم، يأتي بعد أن تبددت الآمال في انتعاش الاقتصاد الألماني خلال عام 2024 بعد عامين من الركود، حيث لم يتحقق الارتفاع المتوقع في إنفاق المستهلكين، واستمرت معاناة القطاع الصناعي.

كما أن سنوات من نقص الاستثمار في البنية التحتية الأساسية تركت إرثا سلبيا لا يمكن تجاهله.

وأدى الخلاف داخل الائتلاف الحاكم أيضا بشأن كيفية معالجة تحديات ثالث أكبر اقتصاد في العالم، مع عدم القدرة على تقديم حلول فعالة، إلى فقدان ثقة الكثيرين في الأحزاب الحاكمة الثلاثة.

ورغم أن النتائج في ولايتي ساكسونيا وتورينغن لم تكن مفاجئة، إلا أنها قد تؤدي إلى مطالبات متجددة بإجراء انتخابات عامة مبكرة. كما قد تثير تساؤلات بشأن ما إذا كان شولتس هو الشخص المناسب لقيادة الحزب الديمقراطي الاشتراكي في الانتخابات المقبلة.