طفل في أحد مخيمات اللجوء السوري داخل لبنان خلال عاصفة ثلجية- أرشيفية
طفل في أحد مخيمات اللجوء السوري داخل لبنان خلال عاصفة ثلجية- أرشيفية

لم يعد خافيا على أحد أن الأزمة الإقتصادية المستفحلة في لبنان رفعت من أسعار المواد الأساسية وتحديدا المحروقات، التي يزداد الطلب عليها مع سقوط أول حبات المطر.

في المدن والقرى اللبنانية، يلجأ المواطنون عادة لـ"الصوبيات" وهي نوع من آلات التدفئة الشائعة التي تستهلك المازوت أو الحطب أو الغاز، بعد أن أصبح من الصعب استخدام مثيلاتها التي تعمل بالكهرباء.

ويعود ذلك، لسببين: أولاً، التكلفة المرتفعة لاشتراكات مولدات الكهرباء، وتتخطى فاتورتها أحيانا الراتب الشهري للفرد بأضعاف، ثانياً، عدم التغذية بالكهرباء من قبل الدولة.

وبحسب إحصائية جديدة، صدرت عن وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية قبل أيام، يعيش في البلد المطل على البحر الأبيض المتوسط، مليون ونصف المليون لبناني تحت خط الفقر، ومليونين ونصف المليون لبناني فوق خط الفقر.

كما يوجد 178,200 لاجئ فلسطيني في لبنان، تحت خط الفقر، و91,800 لاجئ فلسطيني فوق خط الفقر، في حين يبلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين لدى الأمم المتحدة بصفتهم لاجئين تحت خط الفقر 720 ألفاً، و780 ألفاً فوق خط الفقر.

وبحسب الوزارة، فإن مصدر هذه الأرقام دراسة للأمم المتحدة حول الفقر في لبنان تحت عنوان "الحاجات ذات الأولوية".

فكيف سيتدبر هؤلاء جميعاً، وربما أكثر ممن لم يشمله التعداد، شؤون الدفء وسط الأزمة المتزايدة، هذا الشتاء؟

 

جامعو الحطب

إبراهيم زنكر تاجر حطب "بالجملة والمفرق" من قرية صغيرة في جبل لبنان، يؤكد أن نسبة المبيعات ارتفعت بأكثر من ثلاثة أضعاف الآن، مقارنة بالفترة التي سبقت الأزمة اللبنانية أي منذ نحو 3 سنوات.

يروي لـ"ارفع صوتك" كيف كان الإقبال عاديا قبل الأزمة، حيث الخيارات عديدة أمام السكان، الذين كانوا يفضلّون استخدام التدفئة بالوقود (المازوت)، نظرا للتكلفة القريبة جدا من ثمن الحطب ولأنه أسهل استخداما ولا يتطلب الكثير من التخزين وتلقيم النار بين الفينة والفينة كما في حالة الحطب.

فيما يقول زميل إبراهيم، وهو محمد حرفوش، إن أسعار الحطب أيضاً خضعت "لارتفاع غير مسبوق، فبعد أن كان سعر الطن لا يتخطى 400 دولار، أي ما يعادل 600 ألف ليرة قبل الأزمة (المبلغ الذي باتت قيمته اليوم زهاء 15 دولارا)، ارتفع اليوم لتصبح قيمته حسب السوق السوداء، الـ16 مليون ليرة لبنانية)، مع الإشارة إلى أن متوسط الرواتب في لبنان هو نحو 68 دولارا. 

وبالتوازي مع ازدياد الطلب على الحطب، يرتفع السعر وفقا لقاعدة العرض والطلب في السوق، وهذا يعني أن الحطب يشهد أيضا ارتفاعا جنونيا في الأسعار. فكيف يتدبر اللبناني أمره؟ 

تفصح سوق "الصوبيات" عن الكثير من المساعي التي يبذلها التجار والحدادون في سياق "التأقلم مع الواقع الجديد".

يقول أنس، وهو شاب سوري يعمل منذ أكثر من 10 سنوات في بيع "الصوبيات" في أحد المتاجر في جبل لبنان: "كنا نبيع الصوبيا التقليدية، والتي يتوفر فيها فرن يسمح للمستهلك باستغلالها في التدفئة والطهي وفي تسخين المياه للقهوة والشاي. أما اليوم، باتت الصوبيا حرفيا حاجة في كل منزل وتحديدا الصوبيا التي تعمل على الحطب. للمرة الأولى منذ أن بدأت بالعمل، لا يكفي عدد الصوبيات في المحل ونحن نعمل على مدار الساعة مع الحداد لتأمين شكل جديد من الصوبيا، أقل حجما مما يعني أقل استهلاكا للحطب وفي الوقت نفسه، يستخدمها اللبناني لتسخين المياه للاستحمام، وهذا ما نسمعه على الدوام في ظل غياب التغذية بالكهرباء وارتفاع تسعيرة المولدات". 

ناتالي وسامي، زوجان يستعدان لاستقبال الشتاء للسنة الأولى في منزلهما الجديد، ويعتريهما قلق كبير في ما يتعلق بموضوع التدفئة.

تقول ناتالي: "لم أتوقع أن أصرف راتباً بأكمله من أجل التدفئة! وبعد أن درسنا خياراتنا، قررنا شراء صوبيا على الحطب".

ويقوم زوجها سامي بتأمين الحطب خلال العطل الأسبوعية، عن طريق التجول في الغابات والحقول القريبة، إذ يجمع الأعواد الصغيرة وبقايا الأغصان المتساقطة والأوراق اليابسة.

يقول "لم أتخيل قط أني سأرتدي جزمتي وأنطلق إلى الحقول بدلا من أن أخرج في عطلة نهاية الأسبوع مع رفاقي. أحضر الكفوف (قفازين) ومنشاري الحديدي وأنطلق لألملم وأقطع ما استطعت. أحيانا وبما أننا لا نعلم حدود الأراضي الخاصة، قد نلتقي بأحد حراس البلدية ليعطينا إنذارا فنبتعد ونستأنف البحث في المشاعات".

"وبالنتيجة، بات من الواضح أن كثيرين غيري يقومون بهذا النشاط وخير دليل مساحات الأشجار المتآكلة والفراغات التي ظهرت بفعل جمع الحطب"، يتابع سامي لـ"ارفع صوتك".

ولا يقتصر جمع الحطب على الرجال، فالنساء أيضاً يقمن بذلك. تقول زينب شعبان "فتحت دكانا منذ أن أصيب زوجي بالمرض واعتدت تقسيم وقتي بين العمل ومرافقته إلى المستشفى للعلاج. والآن بعد أن فقدناه، أحاول أن ألعب دور الأم والأب لعائلتي، وإن تطلب الأمر أن أقطع الحطب بيدي سأقطعه وسأحمل الأكياس على ظهري وسأفتخر بذلك. سنتدبر أمورنا بكرامة على الرغم من كل الظروف!".

 

سوق الحطب "يزدهر"

بالعودة إلى التاجر إبراهيم زنكر، يبين أن الناس بشكل عام "يتمسكون بأي وسيلة تسمح لهم بتأمين الدفء، ولو تطلب الأمر أن تشتري بالكيلو ما اعتدت على شرائه بالأطنان في السابق".

ويضيف أن "سوق الحطب يزدهر بسبب الارتفاع الجنوني في الطلب، لدرجة أن الزبائن يسألون عن الكسر، أي القطع الصغيرة التي تتجمع على الأرض عند قطع الحطب أو حتى النشارة، وهي الغبار المتجمع من عملية قطع الحطب، التي كانت ترمى في السابق على التراب".

ويباع كيلو نشارة الخشب بخمسة دولارات، علماً بأن الدفع يكون بالدولار أو الليرة وفقا للسعر الأحدث مقارنة بدولار السوق السوداء.

وإزاء الارتفاع بالطلب، يعمد تجار الحطب لاستخدام الأفران الكبيرة لتجفيف "الحطب الأخضر ليصبح يابسا وأكثر اشتعالا، بالتالي تحقيق مكاسب أكبر"، بحسب إبراهيم.

أما عن "المازوت" فلا يزال يشكل ملاذا للكثير من اللبنانيين أيضاً، أحيانا لاستحالة شراء وسائل تدفئة جديدة، فيما تلك التي تعمل على المازوت متوفرة في المنزل.

تطالعنا سحر بالأسف خلال دردشة عن الشتاء: "بتنا نجتمع في غرفة واحدة في البيت ونغلق الأبواب في باقي الغرف لننعم بالدفئ ضمن الإمكانيات. أما صوبيا المازوت التي أصبحت تكلفنا حوالي 100$ لتأمين التدفئة ليومين فقط، صرنا نتفنن في طرق استغلالها كي لا نشعر بالغبن وبغياب العدالة".

"وبالنسبة لي، تشتعل الصوبا فأسخن الماء لاستحمام الأولاد وأطبخ عليها.. نستغلها قدر الإمكان كي لا نشعر فعليا أن أموالنا هي التي تحترق"، تضيف سحر.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

ملصق فيلم حياة الماعز
| Source: social media

أورد موقع "منظمة هيومن رايتس ووتش"، الثلاثاء، تقريرا عن ردود الأفعال المتعلقة بفيلم "حياة الماعز" الذي أثار ضجة كبيرة في السعودية، ودول أخرى.

وبدأت منصة "نتفليكس"، قبل أيام، عرض فيلم "حياة الماعز" (The Goat Life) الذي يرتكز على تجربة نجيب محمد، وهو عامل هندي وافد عمل في السعودية أوائل تسعينيات القرن الماضي، أُجبِر على رعي الماعز بعد أن علق في الصحراء.

والفيلم مقتبس من رواية "أيام الماعز" التي نُشرت في 2008 وكانت من الأكثر مبيعا، وكتبها عامل وافد آخر تحت اسم مستعار "بنيامين".

وأثار الفيلم ضجة عارمة في السعودية، إذ دعا مواطنون سعوديون إلى مقاطعة نتفليكس، على منصات التواصل الاجتماعي، معتبرين أن الفيلم "يبالغ بشكل كبير" في وصف حالة فردية عن انتهاك حقوق عامل وافد، ويعزز الصور النمطية السلبية عن الثقافة السعودية، وهو وصف قديم وخاطئ بالأساس لمعاملة السعودية لعمالها الوافدين.

ويرى تقرير "هيومن رايتس ووتش" أن الفيلم يبالغ على الأرجح في بعض عناصر قصة نجيب، لأغراض سينمائية، ويستند إلى حالة من تسعينيات القرن الماضي، إلا أن الانتهاكات التي يسردها "لا تزال مع الأسف واسعة الانتشار أكثر مما يود المنتقدين السعوديين على التواصل الاجتماعي الاعتراف به".

والانتهاكات المصورة في الفيلم تتمحور حول عزلة رعاة الماعز، وتشمل السيطرة غير المتناسبة على حياة العمال التي يتيحها نظام الكفالة السعودي، وتفشي انتهاكات الأجور ورسوم التوظيف الباهظة، والتعرض للحرارة الشديدة، وغياب إشراف الدولة.

ويقول تقرير المنظمة إنه تم توثيق جميع هذه الانتهاكات في السعودية ودول خليجية أخرى على مدى عقود. ورعاة الماشية الوافدون، مثلهم مثل عاملات المنازل، يعانون من بعض أسوأ الانتهاكات بسبب استثنائهم من قانون العمل السعودي، وغالبا ما يقعون ضحية الإتجار بالبشر والعزلة والاعتداء الجسدي.

لكن "هيومن رايتس ووتش" ترى أن محاولة رفض الوصف المزعج لانتهاكات حقوق العمال الوافدين بصفته عنصرية أو تشهير، أو محاولة صرف النظر باللجوء إلى "الماذاعنية" هي أساليب للتقليل من شأن الانتهاكات التي يتيحها نظام الكفالة، وهو نظام عنصري لإدارة العمل. 

وتضيف: "صحيح أن نجيب احتُجز على يد كفيل محتال انتحل صفة صاحب عمله واصطحبه من المطار، إلا أن نظام الكفالة التعسفي لا يزال قائما بعد 30 عاما من مغادرة نجيب للسعودية".

و"الماذاعنية" أو Whataboutism مصطلح  يشير إلى طريقة الرد على اتهام بارتكاب مخالفات، من خلال الادعاء بأن الجريمة التي ارتكبها شخص آخر مماثلة أو أسوأ، بحسب تعريف قاموس "وبستر".

ولفتت المنظمة الحقوقية إلى أن تحقيق الطموحات العالمية للسعودية المذكورة بالتفصيل في خطط "رؤية 2030"، بما في ذلك تقديم عرض استضافة "كأس العالم لكرة القدم للرجال 2034"، يعتمد إلى حد كبير على العمال الوافدين.

واعتبرت أنه إذا لم تعطِ السعودية الأولوية لتدابير جريئة لحماية العمال بموازاة مشاريعها الطموحة، سنشهد مزيدا من الروايات المشابهة لرواية نجيب، التي تفضح انتهاكات مرعبة التي يعاني منها العمال الوافدون في السعودية.