حادثة حصلت مؤخرا في جبل لبنان، وضعت دور رجل الدين في دائرة الضوء، مع ارتفاع الأصوات المنتقدة لتصرف أحد المشايخ.
وفي التفاصيل، انتشر في إحدى القرى، خبر مفاده أن الشيخ محمود (تم تغيير الاسم) رفض تلقين أحد المتوفين الشهادة والصلاة عليه، لأن هذا الأخير كان يمتلك متجرا للسمانة ويستخدمه لبيع الخمور.
ماذا يقول الشيخ؟
لا ينفي الشيخ محمود اختياره عدم حضور جنازة الميت، في اتصال مع "ارفع صوتك"، وهو الذي تعرف عنه مبادراته عندما يتوفى أحدهم، إذ يصل على رأس المحضّرين للدفن والمعزين، ويتولى مع مجموعة من رجال الدين والمتطوعين غسل الميت وتكفينه قبل نقله في سيارة الإسعاف إلى المدافن، وصولا إلى مراسم الدفن.
يقول لـ"ارفع صوتك: "لم أحضر الدفن لأني كنت أقوم بواجب العزاء في مكان آخر. وتفاديا للإحراج، تعمدت الإشارة إلى أنني سأتواجد في الدفن في المقبرة الثانية للقرية، من أجل صلاة الجنازة على ميت آخر، بعد أذان الظهر من ذلك اليوم. فضلت ألا أتواجد في تلك الجنازة الأخرى كي لا أُجبَر على الصلاة على الميت الأول".
ويبرر الشيخ محمود موقفه بالقول: "هذا الرجل يبيع الخمور في متجر بجانب بيت الله (المسجد). هذه من الكبائر. وقد بادرنا عدة مرات للكلام معه وإرشاده من أجل نهيه عن هذه العادة، لكنه لم يستمع إلى أحد. وهذا ما دفعنا لتنظيم عدد من الزيارات على أمل أن نهديه خصوصا أن دكانه موجود تحت بيته بجانب الجامع".
"وكم كانت تؤسفنا رؤية من السيارات وهي تصطف ليلا في حينا الإسلامي، ثم ينزل شبان ويخرجون من الدكان وبيدهم الأكياس السود التي تخفي المشروبات الكحولية. وكم أزعجتنا تجارته في حي سكني ذي طابع عائلي، اجتذب من خلالها من لا يشبهنا ولا يشبه تجمعاتنا الأسرية"، يتابع الشيخ محمود.
ويوضح: "لم نكتف بالنصح بل حرصنا على توجيه رسائل من خلال خطب الجمعة التي ركزنا فيها على التحذير من شرب ومن بيع الخمر، بالاستناد إلى الأحاديث والقصص الواردة في النصوص والمنقولة عن الصحابة. لا يجوز التعاطي ونشر الفساد في المجتمعات، حدثناه كثيرا عن إصلاح المجتمعات من الفساد وعن عدم تخريب شبابنا وبيوتنا بهذه الآفة، لكنه لم يكن يستجب وكان يردد أريد أن أعيش. لست أفهم لم لا يبحثون عن الرزق الحلال".
"درس" للآخرين
يؤكد الشيخ محمود، أنه بموقفه ذاك، أراد أن "يلقن كل من تدفعه نفسه لارتكاب المعصية، درساً"، مردفاً "لا بد أن يعلم أولئك الذين يسيرون على خطى هذا الرجل أنهم لن يجدونا إلى جانبهم حين توافيهم المنية. هذا الرجل فاسق. وفي الأصل، لا يجوز دفنه في مقابر المسلمين خوفا من أن تؤذيهم رائحته.".
ويضيف: "مع ذلك، لأن المسألة تتعلق بقريتنا وبالروابط العائلية بين السكان، عزمنا على استشارة مشايخ القرية وقررنا أن نطبق الأصول المتبعة، فحضرنا أثناء غسله وتكفينه، بينما أمّ شيخ آخر الصلاة عليه في جامع صغير قرب الجبانة. وسُمح بدفنه في مقابر المسلمين".
ويبيّن الشيخ محمود: "هناك خطوط حمراء لا يجب تخطيها. أنا أعمل حسب قناعاتي والحق أني ما كنت سأقيم الصلاة عليه ولو تواجدت في دفنه، فأنا بالنهاية أوجّه الأفراد في مجتمعي من خلال الدعوة لديني وأريد لهذا المجتمع أن يفهم أننا لن نقف بجانب مرتكب المعصية في دفنه".
آراء أخرى
يتفهم الشيخ إياد الحجاوي عضو اللقاء الروحي في جبل لبنان، ما أسماه "غيرة" الشيخ محمود على الدين، من منطلق أن الدين الإسلامي يحرّم شرب الخمرة والاقتراب منها.
يقول لـ"ارفع صوتك": "في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (سورة المائدة: الآية 90)، تحريم واضح لهذه الممارسة".
من جهته، يقول الشيخ عبد الله، إن "الدين الإسلامي يعكس أسمى معاني الرحمة من خلال المساحة التي يكرسها للتوبة النصوح وللثقة برحمة الله التي تسبق غضبه. أما عن الحكم على الناس والحساب، فبأمر الله وحده لأنه يعلم ما ظهر وما تحدث به النفس".
ويستشهد بالقول، حديثاً عن النبي محمد: "من قال لا إله إلا الله، فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله"، ما يعني أنه "يجب الاتكال على الله وعدم إصدار الأحكام على أي كان".
اجتمع شعبان عمر مع شبان آخرين من سكان هذه القرية على رفض هذا الموقف والتنديد به. يقول: "أنا شاب لبناني أعيش في بلد يضم 18 طائفة. قد ألتقي برفاق لي يتناولون المشروبات الروحية وقد أفقد أناساً من شاربيها وأنا على يقين أنها من المحرمات، ومع ذلك سأقول (رحمهم الله وغفر لهم) وسأتمنى لو أن أي كان مكانه يجد من يدعو له بالغفران".
ويعقب الشيخ محمد نجم الذي يقطن في القرية منذ بضع سنوات بالقول "كنت أتمنى لو قمنا بموازنة كفتي الإنسان ورجل الدين بالرحمة وتركنا مجالا للافتراض: ربما نطق هذا الرجل بالشهادتين، وربما في ميزان أعماله ما يشفع له وربما أدرك أنه مخطىء وتاب".
وفي ختام حديثه معنا، يقول الشيخ محمود "أنا لا أحاسبه وعلينا بظاهر الأمور لأن الله يتولى باطنها. هو كان يساهم بتخريب المجتمع. لا أخفي أن وفاته وضعتني في حيرة. حين علمت بوفاته، تساءلت ماذا سنفعل؟ عملا بالشرع، يرمى الفاسق في حفرة بعيدا عن مقابر المسلمين، ومع ذلك قمنا بدفنه في مقابرنا.. لعل أكثر ما نحتاج إليه في مجتمعاتنا هي فسحة للتسامح وللإيمان بقوة الغفران".
