متظاهرون عراقيون ينعون الكهرباء في كربلاء جنوب بغداد/وكالة الصحافة الفرنسية
متظاهرون عراقيون ينعون الكهرباء في كربلاء جنوب بغداد/أرشيفية

يعاني العراق، ومعه لبنان وسوريا واليمن، من أزمات كهرباء شديدة تبقي مناطق شاسعة من هذه البلدان أسيرة العتمة التي تتمدّد وتسيطر على عواصمها.

المفارقة ان هذه البلدان كلها، تقع في نطاق "الحقل المغناطيسي" للنفوذ الإيراني، وتبدو هذه المفارقة ملفتة لجهة ارتباط حضور ايران بالعتمة في هذه البلدان الأربعة، فيما تبدو معظم البلدان العربية الأخرى قادرة على تأمين الكهرباء لمواطنيها رغم الأزمات الاقتصادية التي تعصف ببعضها، كما هو الحال مع مصر وتونس، على سبيل المثال.

لطالما رافقت أزمة الكهرباء لبنان منذ انتهاء حربه الأهلية في العام 1990، وبقي هذا القطاع طوال سنوات ينازع، حتى أتت الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد أواخر عام 2019 لتطفئ بشكل شبه كامل معامل إنتاج الطاقة، وتدخلها في عتمة شبه شاملة.

في حالة لبنان، الأسباب واضحة كما يشرحها الباحث الاقتصادي علي نور الدين لـ"ارفع صوتك": "قطاع الكهرباء يتأثر بسلامة الوضع النقدي وباحتياطات العملة الأجنبية، ومسألة أسعار الصرف، لأن هذا القطاع يحتاج بشكل يومي للإنفاق لاستيراد الفيول من الخارج".

في الحالة اللبنانية، إلى جانب تهالك المعامل، التي فقدت أكثر من نصف طاقتها الإنتاجية، كما يقول نور الدين، يشكل الاضطراب النقدي في البلاد أساس المشكلة: "إذا كان هناك اضطراب نقدي، هذا يزيد من إمكانيات وجود اضطراب في تأمين الكهرباء". 
يلاحظ نور الدين أن "كل الدول التي تدور في الفلك الإيراني لديها هذه العوامل السلبية. هذه الدول أقلّ تعاوناً مع المؤسسات الدولية، كالداعمين الدوليين وصندوق النقد".

ويقول الباحث اللبناني إنه بمعزل عن رأيه وموقفه من صندوق النقد وسياساته، إلا أن "الدول التي لا يوجد توتر واضح في علاقتها مع الغرب، كمصر وتونس، هي أكثر انفتاحاً للدخول في برامج تصحيحية بموضوع النقد والميزانية العامة وبالتالي تجنّب بلادها العتمة".  

هناك تشابه بين الحالتين العراقية واللبنانية في مسألة الكهرباء، مع وجود فروقات واضحة أيضاً تتعلق بطبيعة البلدين، على ما يشرح هاري ستيبانيان، المستشار المستقل لشؤون الطاقة وعضو معهد الطاقة العراقي (مقرّه لندن) لـ"ارفع صوتك".

لكن ستيبانيان يعيد السبب الرئيسي لتمدّد العتمة إلى الحروب: "في الدول الخارجة من الصراعات، يكون الضرر الذي لحق بالبنية التحتية هائلاً، وتعدّ متطلبات الاستثمار في إعادة الإعمار أمراً بالغ الأهمية".

في حالة العراق، "كانت الحروب المتتالية والعقوبات من الأسباب الرئيسية في بدء تراجع إنتاج الطاقة منذ عام 2003. كما كان سوء إدارة الحكومات المتتالية لقطاع الطاقة سبباً رئيسياً في النقص الحاد الذي أعقب الغزو الأميركي".

وهناك أسباب أخرى "تقع على عاتق شركات النفط الوطنية المسؤولة عن تطوير حقول النفط والغاز واستثمارها في مناطق عملها"، يتابع ستيبانيان.

و"يقوم العراق بحرق 50-60% من الغاز المستخرج وهو ما يعني هدر هذه الكمية. ويضطر العراق إلى استيراد حوالي 1200 مليون قدم مكعّب في اليوم من إيران، بسبب الطلب المتزايد على الكهرباء خلال فترات الصيف والشتاء".

مؤخراً، دفع نقص إمدادات الغاز من إيران إلى تفاقم أزمة الكهرباء في العراق، وزيادة عدد ساعات انقطاع التيار الكهربائي، بالتزامن مع موجة برد تتعرض لها البلاد.

ويلجأ المواطنون إلى المولدات الكهربائية، أو في بعض الأحيان إلى الطاقة الشمسية لمحاولة تعويض النقص في الطاقة. وهو أمر مشترك بين الدول المذكورة. وقد حاولنا في "ارفع صوتك" التواصل مع المتحدث باسم وزارة الطاقة العراقية للحصول على تعليق حول تقنين الكهرباء في البلاد وخطط الوزارة في هذا الخصوص، لكن دون جدوى. 

في سوريا، يبدو الوضع أشدّ سوءاً من العراق ولبنان.

في دراسة ميدانية أجراها مركز "حرمون" في مناطق سيطرة النظام، تبين أن 3.5% فقط من أفراد العينة التي استطلعت آراءها الدراسة حصلوا على القدر الكافي من مصادر الطاقة.

وتعيش مناطق النظام حالة تقنين كبيرة في الكهرباء تصل كما هو الحال في لبنان إلى ما يزيد على 23 ساعة من أصل 24، بحسب مواطنين تواصل معهم "ارفع صوتك" يعيشون في مناطق النظام.

سوريا أيضاً تعتمد على الوقود الإيراني لتشغيل معاملها، التي تضرر الكثير منها في المناطق التي لا تخضع لسيطرة النظام، فيما يعاني النظام لتأمين الفيول اللازم لتشغيل المعامل التي لم تتضرر في مناطق نفوذه.

"تقديري أن هذا الأمر لا علاقة له بشكل مباشر بالعقوبات المفروضة على إيران أو على سوريا، لأن إيران دولة نفطية ومصدّرة للنفط ومع ذلك تعجز عن تأمينه بشكل كاف حتى لنفسها، إذ تعاني ايران نفسها من أزمة كهرباء داخلية"، يشرح نور الدين.

لا يبدو حال اليمن أفضل. فـ"قطاع الكهرباء يأتي في طليعة القطاعات الخدمية المتضررة من الحرب المشتعلة في البلاد منذ ثمانية أعوام"، بحسب الخبير الاقتصادي اليمني وفيق صالح، الذي يقول لـ"ارفع صوتك": "عقب استيلاء الحوثيين على العاصمة صنعاء وسيطرتهم على مؤسسات الدولة في 21 سبتمبر من العام 2014، بدأت القطاعات الخدمية تتراجع خدمتها بالنسبة للشعب اليمني. وفي مطلع 2015، توقف قطاع الكهرباء أو التيار العمومي عن الشعب اليمني بشكل كلي".

لجأ اليمنيون إلى منظومة الطاقة الشمسية للاستعاضة عن توقف خدمة التيار العمومي: "حالياً في مأرب وفي عدن وباقي المناطق التي تديرها الحكومة المعترف فيها دولياً هناك تيار كهربائي محدود مع تقنين لساعات في اليوم الواحد، لكن في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، هناك غياب تام للكهرباء".

ويلجأ الحوثيون إلى إيجاد مولدات كهربائية يستغلونها تجارياً، بحسب صالح، "بحيث إنهم يرفعون سعر الكيلوواط الواحد أو الاشتراك بشكل قياسي على المواطن وبالتالي هم وجدوها فرصة لتوقيف التيار العمومي وإيجاد التيار التجاري الذي يدرّ عليهم أرباحاً هائلة".

في أرياف اليمن، يلجأ المواطنون إلى منظومة الطاقة الشمسية، ويستند صالح إلى إحصائية حديثة للبنك الدولي "تؤكد أن 75% من سكان اليمن يعتمدون على منظومة الطاقة الشمسية لتوفير احتياجاتهم من الكهرباء في ظل معاناة الشعب اليمني الكبيرة نتيجة توقف الكثير من الخدمات العامة والأساسية".

في الوقت الذي يعاني المواطنون من العراق إلى لبنان وسوريا واليمن من أعباء انقطاع الكهرباء، وتغلغل الفساد واستغلال المولدات الخاصة للأزمة لتحقيق الأرباح، تحاول إيران استكمال خطتها "بإيجاد أنابيب غاز خاصة بها إلى البحر المتوسط عبر العراق وسوريا من أجل التنافس مع إمدادات الغاز البحرية والبرية من إسرائيل ومصر وشمال إفريقيا"، بحسب ستيبانيان، الذي يتوقع أن يحتدم السباق من أجل "إيصال الغاز إلى أوروبا بشكل أسرع من المتوقع بعد الحرب الروسية على أوكرانيا". 

إلى متى سيعتمد العراق على استيراد الغاز الإيراني؟. يجيب ستيبانيان: "في رأيي سيبقى العراق يعتمد على إيران لكن بنسب مختلفة حتى يتم استكمال الاستثمار الجدي في حقول الغاز. يتوقع البنك الدولي أن العراق سيحتاج إلى 40 مليار دولار للاستثمار في تحويل الغاز المستخرج إلى طاقة لمدة تتراوح بين خمس وسبع سنوات". 

أوضاع البلدان الثلاثة الأخرى لن تكون أفضل في المستقبل، كما يتوقع الخبراء الذين سألهم "ارفع صوتك"، وقد تزيد أزمات هذه البلدان المتعلقة بالكهرباء تفاقما.

ستيبانيان يحيلنا إلى دراسة قامت بها شركة استشارات وبحوث إيرانية حول واقع الكهرباء في إيران في عام 2022. الدراسة تتوقّع استمرار أزمة الكهرباء في إيران في صيف 2023 أيضاً. هذا قد يعني أيضاً استمرار العتمة في العراق، سوريا، لبنان واليمن.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.