استيقظ العالم صباح أمس على وقع أخبار الزلزال المدمر الذي تعرض له الجنوب التركي والشمال السوري. وقع زلزال في الساعة الرابعة والربع صباحا بالتوقيت المحلي في تركيا على عمق 17.9 كيلومتراً بالقرب من مدينة غازي عنتاب. وبلغت قوته 7.8 درجة بمقياس ريختر.
وعبر التاريخ الإسلامي، تعرضت الكثير من البلدان لزلازل مدمرة. فما هي أعنف هذه الزلازل وكيف كان تأثيرها؟
الزلازل في البلاد الإسلامية قديماً
لم تذكر المصادر التاريخية أن زلزالاً كبيراً وقع في العهد النبوي. لكن ذكرت بعض الروايات أن الأرض "اهتزت" و"رجفت" في بعض الأماكن، مثلما حدث مرة في المدينة، ما يشير إلى احتمال وقوع اهتزازات خفيفة.
لاحقا، وقع أول زلزال قوي في البلاد الإسلامية في السنة العشرين من الهجرة في خلافة عمر بن الخطاب. يحكي أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه المنتظم في تاريخ الملوك والأمم "أن الأرض زلزلت على عهد عمر فخطب الناس فقال: لئن عادت لأخرجن من بين ظهرانيكم".
فيما بعد كثرت الزلازل التي تعرضت لها البلاد الإسلامية على مر القرون. وصار من المعتاد أن يتعرض المؤرخون لتلك الظاهرة الجيولوجية بالحكي في مدوناتهم التاريخية. مثلاً تحدث ابن عساكر في كتابه "الإنذار بحدوث الزلازل" عن تعرض دمشق لزلزال في سنة 233ه. فذكر "أن دمشق زلزلت ضحى يوم الخميس ربيع الآخر 233هـ، فقطعت ربعاً من الجامع الأموي، وتزايلت الحجارة العظام، ووقعت المنارة، وسقطت القناطر والمنازل، وامتدت إلى الغوطة، فأتت على داريا والمزة وبيت لهيا وغيرها".
وكذلك نجد أن ابن جرير الطبري تحدث في كتابه تاريخ الرسل والملوك عن بعض الزلازل الهائلة التي وقعت في بلاد فارس سنة 242ه، فقال: "فمما كان فيها من ذلك الزلازل الهائلة التي كانت بقومس ورساتيقها في شعبان، فتهدمت فيها الدور، ومات من الناس بها مما سقط عليهم من الحيطان وغيرها بشر كثير، ذكر أنه بلغت عدتهم خمسة وأربعين ألفاً وستة وتسعين نفساً".
كان زلزال حلب الكبير سنة 533ه من أشهر الزلازل التي خلفت أثاراً مدمرة في العالم الإسلامي. تم تصنيف هذا الزلزال كرابع أخطر الزلازل التي ضربت كوكب الأرض عبر تاريخه. وبحسب الكثير من المؤرخين فقد راح ما يقرب من 200 ألف نسمة ضحية له، كما تسبب في وقوع تسونامي في البحر الأبيض المتوسط.
قدم المؤرخ ابن القلانسي وصفاً تفصيلياً لهذا الزلزال المدمر في كتابه "ذيل تاريخ دمشق". يقول: "جاءت في دمشق زلزلة هائلة بعد الظهر اهتزت بها الأرض ثلاث مرات وتلاها في ليلة الجمعة وقت عشاء الآخرة ثانية اهتزت بها الأرض عدة مرات. وفي ليلة الاثنين التاسع عشر من صفر عادت الزلزلة في الثلاث منها ثلاث مرات فتبارك رب هذه القدرة الباهرة والآية الظاهرة. وعادت في ليلة الأربعاء يتلوها في الربع الأخير من ليلة الجمعة وتناصرت الأخبار من الثقات السفار والواردين من ناحية الشمال بصفة هذه الرجفات المذكورات وأنها كانت في حلب وما والاها من البلاد والمعاقل والأعمال أشد ما يكون بحيث انهدم في حلب الكثير من الدور وتشعث السور واضطربت جدران القلعة وظهر أهل حلب من دورهم إلى ظاهره من خوفهم على نفوسهم ويقول المكثر من الحاكي أن الزلزلة جاءت تقدير مائة مرة وقوم يحققون أنها ثمانون مرةً والله أعلم بالغيب والصواب تبارك الله رب العالمين القادر على كل شيء".
في مصر، تحدث المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار" عن الزلزال القوي الذي ضرب البلاد في سنة 702ه. يقول: "اهتزت الأرض كلها وسمع للحيطان قعقعة وللسقوف أصوات شديدة، وصار الماشي يميل والراكب يسقط حتى تخيل الناس أن السماء انطبقت على الأرض، فخرجوا في الطرقات رجالاً ونساءاً، ومن شدة الخوف والفزع خرجت النساء مكشوفات الوجه… واشتد الصراخ وعظم الضجيج والعويل وتساقطت الدور وتشققت الجدران وتهدمت مآذن الجوامع والمدارس، ووضع كثير من الحوامل ما في بطونهن، وخرجت رياح عاصفة ففاض ماء النيل حتى ألقى المراكب التي كانت بالشاطئ، وعاد الماء عنها فأصبحت على اليابس وتقطعت مراسيها، واقتلع الريح المراكب السائرة في وسط الماء وحدفها على الشاطئ…".
زلازل العصر الحديث
وقعت العديد من الزلازل المدمرة في البلاد الإسلامية في العصر الحديث. كان أول تلك الزلازل هو زلزال أرزنجان في تركيا سنة 1939م. تسبب هذا الزلزال في تدمير أكثر من 116 ألف مبنى، كما تسبب في وقوع خسائر بشرية زادت عن 30 ألف شخص. وتم تصنيفه كأعنف زلزال بتاريخ تركيا الحديث.
في سنة 1960م وقع زلزال مدينة أكادير في المغرب في التاسع والعشرين من فبراير. ووصف بأنه الأشد تدميراً في التاريخ المغربي. قُدرت أعداد القتلى بـ15 ألف نسمة. وهو ما يناهز ثلث عدد سكان المدينة في ذلك الوقت.
وشهدت مصر الزلزال الأقوى في تاريخها الحديث في 22 أكتوبر سنة 1992م. تسبب الزلزال في وفاة 545 شخصاً وإصابة 6512 آخرين، كما دمر 350 مبنى بالكامل وألحق أضرار بالغة بـ9000 مبنى أخر.
في 26 ديسمبر 2004، وقع زلزال مدمر في المحيط الهندي قبالة جزيرة سومطرة الإندونيسية. يُعدّ هذا الزلزال ثالث أكبر زلزال مسجل على الإطلاق. بلغت قوته 9.3 درجات على مقياس ريختر. وخلف موجات تسونامي هائلة حصدت أرواح 228 ألف نسمة، كما خلف دماراً هائلاً في عدد من الدول المطلة على المحيط الهندي.
وفي سنة 2005، تعرضت منطقة شمال سومطرة لضربة عنيفة أخرى عندما ضربها زلزال بقوة 8.6 ريختر. وتسبب هذا الزلزال في مقتل أكثر من 1000 شخص، كما خلف المئات من الجرحى والمصابين.
