كارثة هي الأسوأ منذ عقود، تعرّضت لها تركيا على وقع الزلزال المدمّر، الذي أوقع أكثر من 20 ألف قتيل حتى كتابة هذا التقرير.
لم تقتصر تداعيات الأزمة على المعاناة الإنسانية للضحايا وحسب، إذ سيكون لها تأثير موجع على الاقتصاد التركي، وفق توقعات خبراء اقتصاديين ومنظمات دولية، وقد تحتاج أنقرة إلى سنوات حتى تتخلّص منه.
بحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، فإن 23 مليون إنسان في تركيا وسوريا تضرّروا من جراء هذا الزلزال، مع تهدُّم ما لايقل عن 6 آلاف منزل ولجوء عشرات الآلاف إلى الشوارع.
هذه الأرقام مرشّحة بشدة للزيادة، فكلما مرَّ الوقت ظهرت المزيد من تداعيات تلك الكارثة.
الأضرار التي لحقت بالمُحولات وخطوط الغاز الطبيعي أدّت إلى انقطاع الكهرباء على نطاقٍ واسع.
وبالرغم من أن الحجم الكلي للدمار لم يتضح بعد، إلا أن آلاف المنازل والمستشفيات والطرق وخطوط الأنابيب تعرضت لأضرار جسيمة، ما سيُلقي بظلاله على حياة ما يزيد 13.4 مليون شخص يعيشون في المناطق المنكوبة داخل تركيا فقط، التي تتجاوز مساحتها 500 كيلومتر مربع.
وظهر التأثير الاقتصادي الأول للزلزال على البورصة التركية، التي أعلنت إيقاف تداول أسهمها لأول مرة من 24 عاما لإيقاف عمليات البيع المكثفة التي قادها المستثمرون الأجانب متأثرين بحالة الذعر التي اجتاحت الأسواق جراء تداعيات الأزمة.
وانخفض مؤشر بورصة استنبول بنسبة 7% قبل أن يتقرّر تعليق التداول نهائيا حتى يوم 14 فبراير، ووفقا لتقديرات "بلومبرج"، فإن أسهم البورصة خسرت 35 مليار دولار من قيمتها.
إحدى المدن المتضررة من الزلزال هي مدينة غازي عنتاب، التي تحتوي على آلاف المصانع. ووفقا للتقارير الصحافية، توقف الإنتاج في أغلب هذه المصانع فور وقوع الكارثة، في الوقت الذي تعرّض ميناء الإسكندرونة إلى أضرارٍ جسيمة لم يتم الكشف عن تقديراتها بعد.
من جانبها، قدّرت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الخسائر المباشرة الناتجة عن الزلزال بما يزيد عن مليار دولار، بينما خمّنت وكالة "فيتش" حجم خسائر الأزمة بأنه سيتجاوز 4 مليارات دولار.
بخلاف هذه الخسائر المباشرة فإن هناك تداعيات اقتصادية طويلة الأمد ستصيب تركيا جراء التعرض لتلك الكارثة، بعدما تعطّلت الكثير من الأنشطة الاقتصادية في المناطق المتضررة التي تساهم بنحو 9.3% من الناتج المحلي الإجمالي لتركيا.
تقول مونيكال مالك، كبيرة الاقتصاديين في بنك أبو ظبي التجاري: "بغض النظر عن الدمار، فإن هذا الزلزال سيؤدي إلى زيادة الإنفاق الحكومي لتمويل عمليات إعادة بناء المنازل المتضررة والبنية التحتية المنهارة".
"وهذه الأموال ستزيد من حجم الضغوط على الميزانية التركية التي تعاني تداعيات بفعل أسوأ أزمة اقتصادية مرّت بها تركيا منذ عقدين، كما أن هذا الإنفاق سيأتي على حساب بنود أخرى في الميزانية قد تُلغى لصالح جهود إعادة الإعمار"، بحسب مالك.
وتمرُّ تركيا بأزمة اقتصادية خطيرة أساساً قبل حدوث الزلزال، ففي عام 2022 انخفض النمو الاقتصادي لتركيا من 11% (2021) إلى 5%، وسط توقعات أن يتهاوى إلى 3% هذا العام وفقا تقديرات صندوق النقد الدولي.
وتلقّى الاقتصاد التركي ضربات موجعة إثر ارتفاع أسعار الطاقة وأزمة فيروس كورونا والحرب الأوكرانية، ما أدّى إلى خسارة الليرة التركية 30% من قيمتها أمام الدولار العام الماضي.
بالتأكيد سيضيف الزلزال المزيد من الأعباء على الاقتصاد التركي الذي يعيش حالة من التباطؤ ويشهد موجة تضخم مرتفعة قدّرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عند 44.6%، فيما توقعت "ستاندرد تشارتر" أن تبلغ معدلات التضخم 50%.
وقدّر خبراءأن "تداعيات الزلزال" ستقلّص من حجم نمو الاقتصاد التركي بدرجتين على الأقل عما كان متوقعا قبل الأزمة.
يذكرنا ما يحصل بزلزالمدينة بينجول شرقي تركيا، في مايو عام 1971، حيث دمر 90% من مباني المدينة، وأدّى لمقتل ألف شخص وتسبّب في خسائر قدرها 5 ملايين دولار.
وكذلك تعرّضت تركيا لأزمة كبيرة عام 1999، على وقع زلزال إزميت، الذي أودى بحياة 17 ألف شخص، وتسبّب في خسائر اقتصادية تجاوزت 23 مليار دولار.
وفي أكتوبر 2011 تعرضت تركيا لزلزال بقوة 7.1 رختر أدى لمقتل 604 مواطنين وإصابة 4 آلاف وتشريد 60 ألفا آخرين، وتسبّب كذلك في خسائر اقتصادية قاربت على 2.2 مليار دولار.
