يتوقّع كثيرٌ من المحللين أن يخلّف زلزال تركيا آثار اقتصادية وسياسية طويلة الأمد على المجتمع التركي، قد تحتاج أنقرة إلى سنوات للتعافي منها.
هذا التأثير ليس غريباً على الزلازل العنيفة. ففي بعض الأحيان لا تكتفي بتدمير المنازل ولكنها تُحدث تغيرات اجتماعية وسياسية كبرى.
وقد كشف لنا التاريخ أن بعض الزلازل أسقطت أنظمة حاكمة وإمبراطوريات وخلقت نظريات هندسية لا تزال تعيش بيننا حتى اليوم.
- إسبرطة 646 ق.م
تعرضت المدينة اليونانية إسبرطة إلى زلزال قوي قُدّرت قوته بـ7.2 درجة، ما أدّى إلى تدمير المدينة ومقتل قرابة 20 ألف شخص.
انتهز العبيد هذه الكارثة فرصة لتدبير تمرد على "الأسياد". في هذه اللحظات الصعبة كان نبلاء إسبرطة غير قادرين على السيطرة على ثورة بهذا الحجم فطلبوا مساعدات من المدن اليونانية الأخرى، بما فيها أثينا، عدوة أسبرطة اللدود.
لكن، شعر قادة إسبرطة أيضا بالقلق من أن تساهم الحامية الأثينية في دعم الثوار لذا طلبوا من جنودها العودة إلى بلادهم.
تقول شروق سمير في بحثها "الدعم الأثيني للثورة المصرية ضد الفرس"، إن الأثينيين شعروا بالإهانة البالغة إزاء هذا التصرف، لذا أمروا بنفي القائد العسكري "كيمون"، برغم ماضيه المشرّف، بسبب حماسه بقيادة الجُند وإنقاذ أسبرطة.
تسبّب نفي "كيمون" في اندلاع أعمال شغب نتج عنها مقتل الحاكم "إفيالتيس" وتولّي "بيريكليس" الحُكم بدلاً منه.
بعض المؤرخين اعتقدو أن الإهانة التي تعرض لها الجنود الأثينيون كانت أحد أسباب اشتعال "الحرب البيلوبونيسية"، بين أثينا وأسبرطة، التي استمّرت 30 عاماً وخلّفت آلاف القتلى.
- كريت 365م
ضرب جزيرة كريت زلزال عنيف قُدّرت قوته بـ8.5 درجة على مقياس ريختر.
تهدّمت أغلب المدن الرئيسية على الجزيرة، كما دمّر هذا الزلزال المدن الرئيسية المُطلة على شرق وجنوب البحر المتوسط من اليونان إلى إسبانيا.
بسبب الزلزال تفجّر تسونامي عملاق بلغت أمواجه مصر، التي كان يُنظر إليها باعتبارها دُرة الإمبراطورية الرومانية.
بحُكم طبيعتها الساحلية تعرضت الإسكندرية، عاصمة الدولة، إلى أضرارٍ كبيرة، وكذلك تعرضتْ أجزاء واسعة من دلتا النيل لأضرار كبيرة.
فسّر المؤرخون المسيحيون هذا الزلزال بأنه غضب إلهي بسبب وجود الوثنية.
اعتبر ستيروس ستاثيس، الخبير الجيولوجي، هذا الزلزال بداية الفترة الانتقالية لتحوّل الإمبراطورية الرومانية من الوثنية إلى المسيحية، وبدء عصر الهيمنة المسيحية الكاملة.
- لشبونة 1755م
عام 1755م عاشت الإمبراطورية البرتغالية ذروة مجدها. ونجحت بفضل أساطيلها البحرية في عقد علاقات تجارية مع أغلب دول العالم.
في هذا الوقت، كانت العاصمة لشبونة واحدة من أغنى مُدن العالم، جرى تصنيفها كخامس أكبر مدينة من حيث عدد السكان في العالم، كما كان ميناؤها ثالث أكبر الموانئ ازدحاماً.
في الأول من نوفمبر 1755، اندلع زلزال بالغ العنف في لشبونة، قدرت قوته بـ9.2 درجة على مقياس ريختر.
ومن فرط شدة الكارثة، أن اهتزازتها شعر بها سكان بعض الجزر القريبة من السويد.
بطبيعة الحال، تدمّرت المدينة، ومات عشرات الآلاف تحت أنقاض الكنائس والمنازل. كما تسبّبت تلك الهزة العنيفة في موجة تسونامي عنيفة أغرقت آلاف المنشآت.
كانت العاصمة البرتغالية تستعد للاحتفال بعيد "جميع القديسين"، لذا كانت أغلب المنازل الأيبيرية مزدانة بالشموع. ومع تساقط المئات منها على الأرض اشتعلت حرائق متفرقة تحولت إلى حريق كبير دمّر أغنى مُدن أوروبا.
وهكذا، وفي أقل من أسبوع، تعرّضت لشبونة لزلزال عنيف ثم إلى تسونامي عملاق وأخيراً حريق هائل. وكانت النتيجة مقتل 40 ألف شخص.
لعبت هذه الكارثة دوراً كبيراً في تغيير النظام السياسي في البرتغال، فبعدما فر أغلب المسؤولين الحكوميين، احتلَّ ماركيز دي بومبال، وزير الخارجية قبل الأزمة، الصدارة.
شغلت الكارثة جزءاً من حجم تفكير الوزير البرتغالي، حتى إنه خلال إعادة بناء لشبونة ابتكر نمطاً معمارياً، لا يزال معروفاً حتى اليوم بِاسم "بومبالين"، اعتقد أنه سيكون آمناً ضد الزلازل.
قضى الزلزال على المجد البرتغالي، ولم تعد الإمبراطورية البحرية الرائدة إلى مجدها السابق أبداً، وعاشت البلاد الأيبيرية لحظات مضطربة من الضعف السياسي والاضطرابات الاقتصادية.
يقول (مارك مولسكي) مؤلف كتاب «خليج النار: تدمير ليشبونة»: "لم تعد البرتغال كما كانت قبل الزلزال أبداً".
بسبب هذه الكارثة المفجعة ظهرت آراء فلسفية تعارض المعتقدات الدينية الكاثوليكية التي نظرت للزلازل كأنها "انتقام إلهي للبشر".
اعتبر الفيلسوف فولتير هذا الزلزال دليلاً على أن الكنيسة الكاثوليكية لا تفهم الكون جيداً، وكانت هذه الآراء نادرة في عصر سادت فيه السيطرة الكهنوتية وسُلطة رجال الدين.
-
سان فرانسيسكو 1906
في 18 أبريل تعرضت سان فرانسيسكو، في ولاية كالفورنيا الأميركية، إلى زلزال عنيف قُدّرت قوته بـ7.8 على مقياس ريختر، من شدته شعر به سكان أماكن على بعد أكثر من ٦٠٠ كيلومتر مثل لوس أنجلوس.
تسبّب الزلزال في موجة حرائق دمّرت 80% من المدينة تقريباً، استمرّت الحرائق لعدة أيام، بعدما عجز من تبقّى على الحياة من السكان عن إطفائها بسبب انقطاع المياه.
استُغلت حالة الفراغ التي باتت عليها المدينة لإعادة تصميمها من جديد، بُنيت الشوارع واسعة وشيدت كذلك عدة حدائق عملاقة.
أحدث الزلزال آثاراً عميقة في النشاط الاقتصادي في غرب أميركا، الذي كان بلغ درجة عالية من الازدهار بفضل قطاع التعدين وزراعة الأراضي الزراعية التي جذبت أعداداً كبيرة من المهاجرين من داخل الولايات المتحدة وخارجها.
خلال عمليات إعادة الإعمار، تغيّرت طبيعة النشاط الاقتصادي بشكل جذري في فرانسيسكو، بعدما أجبر المهاجرون المتضررون على الرحيل إلى ولاياتٍ أخرى، كذلك أعيد بناء أحياءٍ كاملة على نمطٍ أكثر حداثة مثلما جرى مع "الحي الصيني".
