إقبال متزايد من اللبنانيين على محال البضائع المستعملة في ظل الأزمة المستمرة منذ ثلاث سنوات- تعبيرية
إقبال متزايد من اللبنانيين على محال البضائع المستعملة في ظل الأزمة المستمرة منذ ثلاث سنوات- تعبيرية

يطلق اللبنانيون اسم "البالة" على مختلف البضائع المستعملة، ومنها الملابس. وعُرفت منذ عشرات السنين، بأسواق محددة مثل "سوق الجمعة" و"سوق الأحد"، حيث يقوم التجار بفرش الملابس على الأرض أو على طاولات متفرقة أمام الجمهور، الذي يجد بحسب ميزانيته الملابس من مصادر مختلفة ومن نوعيات متفاوتة.

لكن شيئاً جديداً طرأ على هذا التداول للبضائع، خصوصاً في سنوات الأزمة الثلاث الماضية حتى الآن، إذ صارت الملابس المستعملة تُقدم بشكل آخر، أشبه بمحلات الملابس الجديدة، مستهدفة شرائح جديدة في المجتمع، وليس الفقراء فقط.

جمهور اليوم يضم تشكيلة من مختلف فئات المجتمع اللبناني، الطبقية والعُمرية. والكثير منهم يقصد محلات البضائع المستعملة التي يتم استيرادها من أوروبا غالباً، أكلاً في العثور على ملابس تحمل أسماء ماركات عالمية وأخرى فارهة، ولكن بأسعار معقولة بالنسبة لهم، تكون أقل مما لو كانت جديدة.

رولا عيسى، تاجرة ملابس كوّنت قاعدة جماهيرية من زبائن من الطبقة الميسورة والثرية منذ سنين بفضل مجموعات تديرها عبر "واتس أب"، وتسوق من خلالها لبضاعة تستوردها من تركيا. تطالعنا بتجربتها التي انقلبت رأسا على عقب بسبب الظروف.

تقول لـ"ارفع صوتك": "بدأت في التجارة أون لاين منذ سنوات، فشكلت مجموعات عبر المنصات وكنت أعرض عبر الستوري (خاصية تبادل القصص) صور البضاعة الجديدة مع الأسعار. أستورد البضاعة من تركيا أو أسافر بنفسي لأحضرها ثم أبيعها وأكسب ما يكفي من الأرباح لأبقى في هذا المجال. لكن مع انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية بأكثر من ألف بالمئة، ما عاد بالإمكان بيع ما كان يساوي بالأمس 10 دولارات بما يوازي اليوم أكثر من 600 دولار. لذلك اضطررنا حكما للبحث عن البضاعة الأرخص ثمنا ثم صعقنا بالنوعية لأن الأرخص هو حكما من نوعية أقل بكثير. وفقدنا الكثير من الزبائن فمن سيدفع الكثير مقابل بضاعة سيئة؟"

انتقلت عيسى حينها من تجارة الملابس الجديدة إلى تجارة الملابس المستعملة. فبدأت بشراء الملابس "بالكيلو" ثم استخدمت طريقة التسويق نفسها.

توضح "كنا نغسل الملابس ونعقمها ثم نعلقها لتبدو بأقرب شكل للملابس الجديدة. فوجئنا كثيرا بإقبال الزبائن على البالة وخصوصا من كانوا لا يقبلون إلا بلبس الماركات الفخمة. الحقيقة أنهم  كانوا يبحثون عن ضالتهم نفسها، الماركات الفخمة ولكن بسعر مقبول". 

يكتظ الشارع، على غرار مواقع التواصل الاجتماعي، بمحال وعربيات للبالة، وأمامها صناديق بخط اليد وضعت عليها الأسعار، "150 ألف ليرة للبنطال"، مثلاً، وهو مبلغ يبدو اليوم مقبولا بعد أن كان المبلغ نفسه يسمح بشراء بنطال جديد.

لفهم الصيغة أكثر، كانت الـ 150 ألف ليرة تعادل قبل الأزمة 100 دولار أميركي، أما اليوم فهي تعادل دولارين تقريبا (حتى لحظة كتابة المقال) والرقم مرشح للارتفاع كل لحظة. 

 

نظرة إيجابية للتغيير الدراماتيكي

تخطى الناس الخجل الذي كان يعتريهم عند التوقف أمام بسطات أو محال الملابس المستعملة، فالكل تقريبا يعاني الأزمة ذاتها، ولا بد من حسن التدبير.

في البالة قد يحالفك الحظ فتجد قطعا لأشهر المصممين العالميين، وقد تجد نوعية ممتازة للأحذية ولا حاجة لارتداء الحذاء أكثر من مرة قبل المشي به بارتياح.

كما أن الحقائب تأتي بأغلبها من متاجر فخمة ومن أثرياء ملّوا منها. وفي البالة، تجد كل شيء "من البابوج إلى الطربوش" كما يقال في لبنان، أي من الألف إلى الياء.

حتى أن البالة باتت منصة للمقايضة، إذ يَعمد البعض لاستبدال ما لا يستخدمونه في المنزل بما يحتاجون إليه أكثر بهدف توفير الأموال. 

وفعلياً، فإن هناك تزايداً في الإقبال على البضائع المستعملة حول العالم بشكل عام، وهناك مئات الناشطين في مواقع التواصل، الذين يروّجون للذهاب إلى نقاط بيعها ويستعرضون رحلاتهم إليهاـ وتكون العناوين عادة "Thrift haul" أو "Come thrift with me"، بقصد شراء الملابس أو الأثاث أو الأدوات المنزلية (مثل أدوات المطبخ والإلكترونيات). 

 

والعديد من هؤلاء النشطاء، يروّجون لها من منطلق بيئي، إذ أن ملايين الأطنان من الملابس تُلقى سنوياً في الأنهار والبحار للتخلص منها، أو يتم حرقها، ما يؤدي إلى التلوث البيئي ونشر الأمراض بين سكان المناطق المجاورة لعمليات الإتلاف، خصوصاً البلدان الفقيرة، عدا عن تأثير ما يسمى بـ"الفاست فاشين" على البيئة والأيدي العاملة أيضاً التي تتقاضى الفتات.

ومن أشهر الأفلام الوثائقية التي ركزت على ظاهرة التلوث العالمي نتيجة الزيادة المطردة للبضائع بشكل عام والملابس خصوصاً، فيلم "True Cost" و"River Blue".

 

تحديات أمام المصممين

في سياق متصل، يقول مصمم الأزياء إبراهيم سليمان، وله في المجال حوالي 25 عاما،  إن "الزبائن في لبنان ليسوا مستعدين للتخلّي تماما عما يميز هويتهم، وتأقلمهم لا يعني التنازل بشكل مطلق، خصوصا لمن اعتادوا على الملابس المخصصة من طراز Haute Couture (التصاميم الفاخرة)".

ويضيف: "لا شك أننا لمسنا على الأقل انخفاضا بنسبة 60% من الأرباح بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية في لبنان منذ ثلاثة أعوام، فما عاد الكل قادرا على الحفاظ على نمط الحياة هذا، وحتى أن  فئات الزبائن قد تغيرت. لقد اعتدنا في الماضي دخول الزبونة وهي متحمسة للحصول على أكثر القطع استثنائية، أما اليوم يُستهل الكلام بالاستفسار عن الميزانية ثم عن توفر قطع مستعملة يمكن شراؤها أو استئجارها. كما أننا نشهد محارجة (أي جدال محرج) بهدف تخفيض الكلفة". 

ولا يبدي سليمان أي استعداد للتنازل عن النوعية مقابل تحقيق الربح السريع، لكنه يعترف أن بعض التفاصيل تكلف أكثر من غيرها من الزوائد مثل الكريستال والخياطة المبتكرة والأقمشة الفاخرة المستوردة وسواها.

"ما عاد التركيز على هذه المواصفات وهذا ما يجعل المصمم يتأرجح بين رغبته بالإبداع والابتكار في تصميم الملابس والأفكار خارج المألوف، والموارد المتواضعة والمحدودة خصوصا في ظل  صعوبة الاستيراد بعد ان كانت تركيا تشكل البوابة الأولى للتجارة"، يبين سليمان.

ويتابع: "نعيش نوعا من الحرب بمجرد الاستيقاظ ونحاول الاحتفاظ بالأمل، لكن كل يوم أسوأ مما سبقه. على مستوى الزبائن، برزت فئة جديدة من السيدات اللاتي يحصلن على مصدر دخل بالعملة الصعبة، وهناك الزبونات المعتادات من الطبقة المخملية التي نحاول الحفاظ عليها نظرا لذوقها الرفيع ووفاء منا لعلاقاتنا معها. وأخيرا، هناك الفئة التي تعاني من الفقر المدقع وتطرق الباب بحثا عن أي شيء على الإطلاق لمناسبة زفاف تأجل مثلا لسنين". 

ويختم سليمان حديثه قائلاً "لقد تغير الكثير منذ اندلاع الازمة. كنا نحرق الأسعار كل 6 أشهر تمهيدا للإعلان عن المجموعة الجديدة. أما اليوم فما أصعب الاستيراد وما أكثر المخاطر!". 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

عناصر من تنظيم القاعدة بأفغانستان في عام 2011- صورة أرشيفية.
عناصر من تنظيم القاعدة بأفغانستان في عام 2011- صورة أرشيفية.

الحرة- وائل الغول- برعاية حركة طالبان يواصل تنظيم القاعدة "التوسع" داخل أفغانستان، ما دفع مختصين تحدث معهم موقع "الحرة" لدق ناقوس الخطر بشأن عودة التنظيم المصنف على قوائم الإرهاب في الولايات المتحدة ودول أخرى للواجهة مرة أخرى، كما تحدثوا عن إمكانية "وقوع هجمات إرهابية" في عدة دول على مستوى العالم.

وفي عام 2024، أنشأ تنظيم القاعدة 9 معسكرات تدريب جديدة في أفغانستان، وفقا لما نقلته مجلة "فورين بولسي"، عن المتحدث باسم جبهة المقاومة الأفغانية، علي ميسم نزاري، الذي يزور واشنطن هذا الأسبوع.

وقال نزاري الذي يمثل جبهة المقاومة الوطنية الأفغانية المتمركزة في وادي بنجشير بشمال كابل، إن "القاعدة" أنشأت مراكز تجنيد وتدريب وقامت ببناء قواعد ومستودعات ذخيرة في قلب وادي بنجشير، بسماح من حركة طالبان.

علاقة "وطيدة" بين طالبان والقاعدة

في 15 أغسطس 2021، سيطر مقاتلو طالبان على العاصمة الأفغانية كابل بعد انهيار الحكومة المدعومة من واشنطن وفرار قادتها إلى المنفى، وذلك بعد خوض الحركة تمردا مسلحا استمر 20 عاما.

ويشير الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، منير أديب، إلى أن حركة طالبان لم تتخلى عن "تنظيم القاعدة" يوما واحدا وكانت ومازالت "داعم أساسي" للتنظيم منذ أكثر من 20 عاما.

ومنذ عودتها للسلطة مرة أخرى، "تسهل طالبان توسع تنظيم القاعدة بالأراضي الأفغانية، وتوفر "غطاء" للتنظيم، وتدافع عنه داخل أفغانستان، وبذلك استطاعت القاعدة تدشين معسكرات جديدة داخل البلاد، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويتحدث عن "علاقة حميمية" بين طالبان والقاعدة، و"تنامي" لوجود التنظيم على الأراضي الأفغانية، في ظل "حالة من التسامح وتسهيل تحرك عناصر وقادة التنظيم".

وتعتقد "الأمم المتحدة" أن تنظيم القاعدة لديه معسكرات تدريب في 10 مقاطعات على الأقل من مقاطعات أفغانستان البالغ عددها 34 مقاطعة، رغم نفي طالبان العلني وجود التنظيم في البلاد.

ما علاقة "إيران وحرب غزة"؟

اندلعت الحرب بين إسرائيل وحماس المصنفة إرهابية في أميركا ودول أخرى، إثر هجوم الحركة "غير المسبوق" على مناطق ومواقع محاذية لقطاع غزة في السابع من أكتوبر، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون، وبينهم نساء وأطفال، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردا على الهجوم، تعهدت إسرائيل "القضاء على حماس"، وتنفذ منذ ذلك الحين حملة قصف على قطاع غزة أتبعت بعمليات برية منذ 27 أكتوبر، أسفرت عن مقتل ما يزيد عن 40 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، وفق ما أعلنته وزارة الصحة في القطاع.

ويرصد الباحث في شؤون الإرهاب بمنتدى الشرق الأوسط في لندن، أحمد عطا، "توسع" تنظيم القاعدة في أفغانستان بعد الحرب بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة.

ووجهت قيادات القاعدة دعوة لعناصر التنظيم في ارتكازات جغرافية مختلفة من أجل "الانتقال إلى أفغانستان"، وكانت عملية الانتقال بدعم من إيران بهدف صناعة "قوة عسكرية راديكالية" على الأراضي الأفغانية، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويؤكد عطا أنه رغم "اختلاف الأيدولوجية بين إيران الشيعية وتنظيم القاعدة السني لكن هناك وطيدة بينهما".

ويكشف عن انتقال أكثر من 2500 عنصر من تنظيم القاعدة إلى أفغانستان "على 3 مراحل"، بتنسيق "سري" من الحرس الثوري الإيراني.

وتم نقل عناصر من القاعدة من سوريا والعراق ومن دول أفريقية ومن شرق آسيا إلى أفغانستان، وفق الباحث في شؤون الإرهاب بمنتدى الشرق الأوسط في لندن.

ويرى عطا أن الهدف من دعم طهران لعناصر القاعدة هو "صناعة جيش موازي"، على الأراضي الأفغانية بالقرب من الحدود الإيرانية في حالة تعرض إيران لهجمات عسكرية من إسرائيل أو من الغرب.

تحذير من "عمليات إرهابية مرتقبة"

دعا زعيم تنظيم القاعدة، سيف العدل، صراحة المقاتلين الأجانب إلى الهجرة إلى أفغانستان والاستعداد لمهاجمة الغرب، وفق ما نشره موقع "longwarjournal".

وسيف العدل، ضابط سابق في القوات الخاصة المصرية وشخصية بارزة في الحرس القديم للقاعدة، وكان يقيم في إيران منذ 2002 أو 2003، حسبما أشار تقرير للأمم المتحدة، وأكدته "الخارجية الأميركية".

وفي عام 2023، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، إن "تقييمنا يتوافق مع تقييم الأمم المتحدة، أن الزعيم الفعلي الجديد للقاعدة، سيف العدل، موجود في إيران".

ووقتها نفت طهران على لسان وزير خارجيتها الراحل، حسين أمير عبد اللهيان، وجود "أي ارتباط مع تنظيم القاعدة أو وجود سيف العدل على أراضيها".

وقال في منشور عبر حسابه بمنصة أكس: "أنصح مسؤولي البيت الأبيض بوقف لعبة رهاب إيران الفاشلة.. نشر أخبار عن زعيم القاعدة وربطه بإيران أمر مضحك".

وساعد سيف العدل في بناء القدرة العملانية للتنظيم ودرب بعض الخاطفين الذين شاركوا في هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، وفق المنظمة الأميركية "مشروع مكافحة التطرف".

ويتوقع عطا أن يكون هناك "تدوير لعمليات إرهابية تستهدف مصالح الغرب وإسرائيل في منطقة الخليج، بالإضافة لاستهداف السفن في الممرات المائية الحيوية بعدما تم تدريب عناصر القاعدة لأول مرة في أفغانستان على زراعة ألغام بحرية".

وقد يشهد الشتاء المقبل أعنف موجة من العمليات الإرهابية التي سيقوم بها تنظيم القاعدة في عدة دول، وفق توقعات الباحث في شؤون الإرهاب بمنتدى الشرق الأوسط في لندن.

وفي سياق متصل، يؤكد أديب أن أفغانستان عادت لما كانت عليه قبل عام 1997، وستكون أراضيها منطلقا لتنفيذ عمليات إرهابية لـ"تنظيم القاعدة" في جميع دول العالم وليس في آسيا فقط.

وتنظيم القاعدة سيعود لتصدر المشهد من جديد وقد ينفذ عمليات إرهابية جديدة، في ظل "توسعه" بالفترة الأخيرة، وفق توقعات الباحث في شؤون الحركات المتطرفة.