مصرف لبناني- تعبيرية
مصرف لبناني- تعبيرية

قد يخيّل لمن يسمع عن الأزمة التي تضرب لبنان منذ سبتمبر 2019، ووصفت بالأسوأ منذ الحرب الأهلية، أن الطرقات مهجورة والمتاجر والمطاعم فارغة من الزبائن، حيث بلغت مستويات التضخم نسبا قياسية وفق منظمة "هيومن رايتس ووتش"، وذهبت الطبقة الوسطى أدراج الريح.

لكن الواقع ليس كالمتخيّل، وهي العبارة التي تتردد على ألسنة الكثيرين ممن يعيشون في لبنان، أو يزورنه بقصد السياحة ورؤية الأقارب، من الخارج.

وعلى مواقع التواصل، يعكس الاهتمام بمظاهر الترف والملابس الفارهة، ظاهرة جديدة تؤكد على تغيّر البنية الطبقية في لبنان، وانقسامها الحاد بين الثراء والفقر المدقع. لتبرز صفحات تركز في تسميتها على عالم الأثرياء وبريق الأموال، مثل "Beirutbling" و"Beirutbillionaires".

ومن أشهر الصفحات على تطبيق "تك توك" صفحة "حمودي علي"، الذي يستعرض أشياء تمثل الآن "مستحيلات" لشريحة كبرى من اللبنانيين، من الملابس والإكسسوارات والسيارات والمساكن ونمط الحياة باهظ الثمن.

 

حسين سعد أحد المؤثرين اللبنانيين الذين يركزون في منشوراتهم على مظاهر قد تبدو عادية لكنها صادمة تحديدا "بالنسبة للبناني لا يكفيه معاشه لإطعام أسرته". يقول لـ"ارفع صوتك": "لعل ما شجع البعض على اختبار مظاهر الترف هو وجود أحد الأقارب المباشرين في بلدان الاغتراب. وهذا ما يتيح للأسرة الحصول على العملة الأجنبية التي تسمح، بعكس العملة اللبنانية، بالاستمتاع ببعض المزايا أكثر من غيرها".

يراقب سعد من خلال عدسته محاولة اللبناني الحفاظ على نمط حياته المعتاد قبل الأزمة، لكنه لا يخفي "أن كثر غابوا عن هذه العدسة بعدما انقلب حالهم واحتجزت أموالهم في المصارف أو فقدت قيمتها مع انهيار العملة".

"ثم برز أثرياء جدد، بعضهم يحاول الاستفادة من تحسن وضعه، وآخر يتمادى بالتبذير كأنه يقوم بنوع من ردة الفعل على سنين الحرمان التي عاشها. فيتباهى بتصوير كل ما يجعله محط انتباه ويسلط الضوء على ثرائه"، على حد تعبير سعد.

ويتابع: "أغلب الأثرياء الجدد لم يبذلوا جهدا ليكسبوا المال. منهم من كان بالفعل يعمل مع منظمات تدفع مرتبه بعملة أجنبية. وفي هذه الحالة، المعاش لم يتغير إنما قيمته، ومنهم من يضارب في البورصة ويصنع الكثير من خلال القليل الذي يكسبه". 

من جهته، يقول المؤثر أحمد عبلا، صاحب صفحة "BeirutBillionaire" التي تضم عشرات الآلاف من المتابعين، إن هناك "تفاوتاً صارخاً بين طبقتين في لبنان: الطبقة الفقيرة بشكل مدقع والطبقة الغنية بشكل مبالغ، وينعكس الأمر مناطقياً، حيث للأثرياء مناطق خاصة تجمعهم مثل وسط بيروت والبترون وأخرى في الجنوب اللبناني". 

يجوب هذه المناطق ويعكس من خلال صفحته "أكثر مظاهر الترف والثراء التي تتناقض مع الواقع الشائع عن لبنان".

 

ويطالع عبلا "ارفع صوتك" بقصص عن "قصور بملايين الدولارات وسيارات بمئات الآلاف"، يعيشون في عالم مواز تحلق فيه الأسعار، إذ "يُباع فنجان القهوة بما كان يعادل قبل الأزمة، 50 دولارا (حسب سعر صرف 1500 ليرة لبنانية، أي السعر الرسمي قبل الأزمة)، وقد تصل قيمة وليمة غداء لنحو 80 مليون ليرة أي ما كان يعادل قبل الأزمة زهاء 64 ألف دولار. كما قد تلتقي بمن يرتدون ملابس تفوق الـ100 ألف دولار إذا احتسبت ساعات الرولكس وعقود الألماس".

الجدير ذكره، أن فكرة هذه الفيديوهات التي تستهدف فئات مختلفة في المجتمع بأسئلة عديدة، مثل "ماذا ترتدي؟ ما سعر كل شيء ترتديه وماركته؟ ماذا تعمل؟ وكم تتقاضى راتباً سنوياً أو شهرياً؟ وأين تسكن؟ وما سعر بيتك إن كان إيجاراً أو ملكاً لك؟... وغيرها"، برزت مع صعود موقع "تك توك" وتداول الفيديوهات القصيرة والسريعة التي تجلب عدداً كبيراً من المشاهدين، وحذت بعدها شركة "ميتا" حذوه بتوفير هذا الميزة في فيسبوك وإنستاغرام، كما نجدها في موقع يوتيوب.

وفعلياً هناك تباين في الآراء حول هذا النوع من الأسئلة، على الرغم من رواجها في مواقع التواصل، حتى أن صانعيها يلاقون العديد من ردود الفعل المضادّة، بينهم عبلا نفسه، الذي تعرض للضرب بمجرد سؤاله أحد الأشخاص "ما هو مصدر رزقك؟ What do yo do for living".

"قد يبلغ مصروف هذه الفئة القليلة التي يتناقض وضعها مع السواد الأعظم للبنانيين، 10 آلاف إلى 12 ألف دولار شهريا"، وفق عبلا، وهو مبلغ قد يكفي في هذه الأزمة، حسب الباحث الاجتماعي محمد علي، "مصروف 24 عائلة في الشهر إذا أردنا احتساب الطعام والشراب وإيجار البيت".

يضيف علي لـ"ارفع صوتك": "ليس من المنطق أن يُلام أحدهم أم لا على ثرائه، لكن من المعيب أن نرى ما آلت إليه الأحوال في لبنان وازدياد الفجوة بين الناس وتعاظم حدة اللامساواة الاجتماعية. قد ترى أحدهم مثلا يعيش ببذخ مبالغ بينما يشتهي جاره رغيف الخبز. يضعنا هذا الوضع جميعا أمام امتحان التعاضد المجتمعي". 

على المقياس العالمي، لا تشكل المظاهر التي تركز عليها الفيديوهات استثناء على الدوام، فالسيارة التي تبلغ قيمتها 30 ألف دولار لا تجعل من الشخص "بليونيرا" ولكن الواقع مغاير في لبنان، حيث يوازي المبلغ نفسه أكثر من 3 مليار و450 مليون ليرة لبنانية.

هذه المبالغ الخيالية وليدة الأزمة الحالية حيث لم تتعد قيمة المبلغ بالدولار، 45 مليون ليرة لبنانية قبل الأزمة. 

 

من هم "الأثرياء الجُدد"؟

يعلّق المحلل الإقتصادي باسل الخطيب بالإشارة إلى "أن كل أزمة تفرز عادة مستفيدين ومتضررين. وفي لبنان، لا تخفى على أحد هوية الأشخاص المتضررين وأغلبهم من الموظفين في القطاع العام أو المتقاعدين أو الذي يتقاضون رواتبهم الشهرية بالعملة الوطنية أو حتى بمبلغ ضئيل بالعملة الأجنبية".

"أما الأثرياء الجدد، فهم بالدرجة الأولى العاملون بالمضاربة على العملة والسوق السوداء، ما يعني عددا هائلا من الصرافين والسياسيين الذين عملوا على حماية بعض الصرافين المرتهنين لحسابهم الشخصي. ولا يمكن نسيان أصحاب المصارف والمطورين العقاريين الذين شهدوا ازدهار قطاعهم بفضل الأموال التي سحبها الناس من المصارف واستثمروها في الشقق خوفا من فقدانها"، يوضح الخطيب لـ"ارفع صوتك". 

ويتابع: "الحال سيان بالنسبة لبعض السماسرة الذين أصبحوا يشترون الشيكات مقابل 20% من قيمتها. فأصبح من الطبيعي وجود عدد كبير من السماسرة الذين عملوا في تجارة الشيكات على الرغم من أن عددهم بات أقل الآن. بالإضافة إلى ذلك، هناك عدد هائل من التجار الذين قاموا بعملية الشراء وعملوا على تخزين البضائع ثم باعوها حين ارتفع سعر صرف الدولار، مع الإشارة إلى أنهم هم أنفسهم عملوا على رفع الأسعار، فازدادوا ثراء، خصوصا من يمتلكون متاجر ضخمة ذات قوة استهلاكية كبيرة".

وبحسب الخطيب "هناك أيضاً الذين عملوا بتجارة تهريب الدولارات إلى الخارج وتهريب المواد النفطية أي المحروقات من بنزين ومازوت. يلفت هذا إلى ظهور طبقة جديدة من الشعب عملت بطرق ملتوية وغير شريفة وغير شرعية مثل المضاربة لرفع الثروة".

ويربط  الثروة التي تصنع في الأزمات بالمال "المجموع بطريقة غير نظيفة وغير مباركة، لأن هذه الثروة تأتي على حساب معاناة الفقراء وتعاسة الشعوب"، على حدّ وصفه.

ويختم الخطيب حديثه قائلاً "هذا ما تؤكده بالتحديد أمثلة مثل تجارة الأدوية والمواد الغذائية الأولية والخبز والمحروقات في زمن الصقيع والتحول إلى اقتصاد نقدي يصبح لدينا تجارة تبييض الأموال. كما أن هناك بدرجة أقل تجار السيارات الذين عملوا أيضا على تخزين البضاعة ثم انتظروا ارتفاع الدولار الجمركي (من 1500 ليرة إلى 15 ألف ليرة) قبل بيع السيارة، فيغتني التاجر بمجرد أن يكون قد اشترى زهاء عشرين أو ثلاثين سيارة على الدولار الرخيص، ليحقق نسبة ربح مهولة بعد رفع سعر جمركها".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

السلطات الفرنسية والإنتربول أصدروا مذكرات اعتقال بحق رياض سلامة. أرشيفية
رياض سلامة بلقطة أرشيفية

أفادت "الوكالة الوطنية للإعلام"، الثلاثاء، بتوقيف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، بعد التحقيق معه في قصر العدل في ملف شركة "أوبتيموم".

وتناول التحقيق ملف الشركة والعقود التي أبرمت بين مصرف لبنان وبينها، والمتعلقة بشراء وبيع سندات الخزينة وشهادات إيداع بالليرة، فضلاً عن حصول الشركة على عمولات ضخمة.

وقال وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال، القاضي هنري الخوري، بعد توقيف حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة إن "القضاء قال كلمته.. ونحن نحترم قرار القضاء".

وقال مدعي عام التمييز القاضي جمال الحجار، عقب قرار التوقيف إن "الخطوة القضائية التي اتخذت بحق سلامة هي إحتجاز إحترازي ومفاعيلها لمدة أربعة أيام على أن يحال فيما بعد من قبل استئنافية بيروت إلى قاضي التحقيق الذي يستجوبه ويتخذ القرار القضائي المناسب بحقه".

وكان سلامة وصل ظهر اليوم إلى قصر العدل للاستماع إليه من قبل القاضي الحجار، وهي المرة الأولى التي يمثل فيها أمام القضاء منذ انتهاء ولايته.

ويأتي توقيف سلامة، البالغ من العمر 73 عاماً، بعد 30 عاماً من توليه منصب حاكم مصرف لبنان، حيث كان قد شغل المنصب حتى يوليو 2023.

يذكر أنه يجري التحقيق مع سلامة وشقيقه رجا في لبنان وخمس دول أوروبية على الأقل بتهمة الاستيلاء على مئات الملايين من الدولارات من البنك المركزي اللبناني وغسل الأموال في الخارج، وهو ما ينفيه الشقيقان.

وسبق أن أصدرت السلطات الألمانية مذكرة اعتقال بحق سلامة بتهم الفساد، لكن تم إلغاؤها لأسباب فنية وفقاً لما صرّح به مكتب المدعي العام في ميونيخ لـ"رويترز" في يونيو الماضي، إلا أن التحقيقات مستمرة وتبقى أصوله المالية مجمدة.

كما يواجه سلامة مذكرة اعتقال في فرنسا في إطار تحقيق حول اختلاس أموال عامة، بالإضافة إلى نشرة حمراء من الإنتربول للقبض عليه.