لا يشبه شهر رمضان هذا العام سابقه في الأعوام الماضية، قبل الأزمة المتصاعدة والتضخم الذي بلغ أعلى مستوياته في لبنان.
لكن، ورغم مظاهر الأزمة الاقتصادية وتراجع مستويات المعيشة، هناك بصيص أمل يأتي عبر المبادرات الخيرية، التي تسعى لمساعدة المحتاجين خلال هذا الشهر.
"لا فرق بين مسيحي ومسلم"
الدكتورة ناتالي روفايل وزميلتها رنا جبر، ناشطتان لبنانيتان من التابعية المسيحية، أطلقتا مبادرة تستكمل عملهما الخيري على مدى سنوات، وتهدف في شهر رمضان لمساعدة الأسر المسلمة على توفير مستلزمات شهر الصوم.
تقول روفايل لـ"ارفع صوتك": "في هذه الأوقات وفي كل آن، يجب ألّا نفرق بين المسيحي والمسلم في لبنان. وهذا الشهر، قررنا مضاعفة جهودنا مستلهمتين من التجارب السابقة، حيث لم يبخل زملاؤنا المسلمون في الأعياد المسيحية في الوقوف إلى جانبنا".
وتحاول المبادرة تغطية أكبر عدد ممكن من العائلات ضمن حدود الإمكانات المتواضعة. تضيف روفايل "نساعد العائلات المسلمة في مناطق البقاع والشمال وأيضاً في بيروت. ونتوخى قدر الإمكان، الحرص على المساواة في التوزيع".
تقف الظروف الاقتصادية بوجه المبادرات المشابهة لهذا النشاط، خصوصا أن المبالغ المجموعة ما عادت تكفي لشراء كل المستلزمات حسب ما جرت العادة من خبز وزيت وطحين وسكر وملح وصولاً إلى المستلزمات الطبية وأدوات العناية الشخصية.
بالنسبة لروفايل "ربما الخيار الأفضل هو تسليم المساعدات بشكل أموال وهكذا تبتاع الأسر ما ينقصها للأيام الرمضانية أو حتى للعيد".
وتتابع القول: "لا نفكر لحظة بدين الشخص الذي يحتاج للمساعدة. كلنا بشر والإنسانية أبعد من كل تعريف ديني. ولذلك، لم نتردد بالتواصل مع المتبرعين والمحتاجين في البلاد، وجمعنا المال من المغتربين، كما في كندا مثلا، ويشكل دعمهم سنداً ثمينا للغاية في هذه الظروف".
بمساعدة التكنولوجيا
تحاول المبادرة الاستفادة من شبكات التواصل الاجتماعي، من أجل الوصول لـ٣٥٠ عائلة تقريبا، في عدد من المناطق اللبنانية مثل صيدا وحلبا والقبيات وصولا إلى بعلبك وزحلة، كما تشير روفايل.
توضح: "العملية سهلة وتتم من خلال طريقتين، أولاً بتعميم منشور عبر وسائل التواصل مثل واتس أب، أو جمع التبرعات من خلال الحفلات والنشاطات. تقوم رنا جبر على سبيل المثال بنشاطات تتضمن المشي في الطبيعة (Hiking) على أن يعود ريعها للأسر المحتاجة، كما تتولى معي زيارة الأسر للتأكد من مواطن الحاجة لديها من أجل مساعدتها مثلا على دفع الإيجار الشهري أو أقساط قرض ما أو ثمن الدواء".
"ومع ذلك، لم توفر الظروف حتى المبادرات الخيرية. في العادة، كنا نخصص في مثل هذه الفترة المال لشراء ثياب وهدايا العيد خصوصا أن عيد الفصح وعيد الفطر يتزامنان تقريباً، لكن الغلاء الفاحش يقف عائقا أمام رغبتنا بإسعاد قلوب الأطفال؛ لذلك قمنا هذا العام للمرة الأولى بتخفيض عدد الأسر المستهدفة ومحاولة التركيز على أكثرها حاجة، كالعائلات التي ترعى شخصاً مريضا أو المجبرة على شراء الدواء بشكل مزمن"، تقول روفايل.
العشاء الخيري أغلى من التبرع نفسه!
في منطقة إقليم الخروب اللبنانية، تكثر سنوياً في رمضان، موائد الإفطار وحفلات العشاء الخيرية التي تهدف لجمع التبرعات للعائلات المتعففة وللأيتام. لكن هذا العام مختلف للغاية، ليس فقط بالنسبة للأفراد، بل للمؤسسات أيضاً.
تروي الناشطة الاجتماعية ريما صالح، التي تقوم بدعوة النساء لحفل إفطار بغية جمع التبرعات، كيف فضلت مؤسستها هذا العام جمع التبرعات من المتبرعين مباشرة والتخلي عن حفل العشاء.
تقول لـ"ارفع صوتك": "السبب وراء هذا القرار يرتبط بالتضخم وبأسعار الطعام التي باتت أغلى من التبرع المتوقع من المدعوين والمدعوات. ففي العادة، كنا نتلقى من السيدة التي تود تقديم تبرع للمؤسسة، ما بين 150 إلى 300 ألف ليرة لبنانية وكانت حينها تعادل ما بين 100 إلى 200$، فيما تكلفنا وجبة الإفطار نحو 50 ألف ليرة للشخص. أما اليوم فيكلف الطبق الواحد بين 600 إلى 800 ألف ليرة أي ما يعادل 400$ على سعر الصرف القديم. هذا عدا عن تكلفة الفيول (الوقود) والكهرباء وتكاليف مقدمي الطعام وزينة الحفل. لذا كان الأجدى التخلي عن هذا التقليد".
"علب" لتشجيع المتبرعين؟
في نفس السياق، يقول الناشط الاجتماعي والحقوقي حسن عبد الله، الذي يدير صفحات على مواقع التواصل، يستخدمها كمنصة لدعم أصحاب المشاريع الصغيرة في هذه الظروف، إن الانخفاض الكبير في أعداد الأشخاص المستعدين لتقديم التبرعات ولانخفاص قيمة التبرعات نفسها، سببه أن السواد الأكبر من الناس باتوا تحت خط الفقر.
لذلك، يحرص عبد الله ورفاقه من الشبان والشابات، على مساعدة "الأكثر حاجة" من خلال تشجيع المتبرعين أولا والمبادرة "بتوفير العلب المخصصة لتعبئة الطعام لضمان التوفير لجيب المتبرع في هذه الظروف العصيبة"، وفق تعبيره.
ويضيف "كل أسرة تقوم بملء العلبة بما فاض عندها من طعام اليوم، ثم نتكفل نحن بإيصالها للمحتاجين".
دولار واحد
"دولار واحد"، عبارة تظهر على بوستر جمعية "معاً نرقى" في بلدة مزبود بجبل لبنان، وهو رقم قد يبدو صادما للوهلة الأولى، "لكنه في لبنان قادر على أن يصنع الفرق"، على حدّ تعبير رئيسة اللجنة الخيرية في الجمعية، ثريا الخطيب.
وتشرح أن هذا "المشروع يحمل هدفين: أولا، إشراك كل فئات المجتمع في العمل الخيري من خلال رقم لا يحرج أحدا، فلا يخجل المتبرع بتقديم مبلغ زهيد، وهذا ما شهدناه عن قرب مع عدم قدرة البعض على التبرع بأكثر من 100 ألف ليرة لبنانية أي ما يعادل الدولار الواحد، بينما البعض الآخر قادر على التبرع بأكثر بكثير".
"أما الهدف الثاني، فيرتبط بتغير شكل المائدة اللبنانية في هذه الظروف، وخسارتها لنوعية الوصفات المقدمة، إذ لم يخطر ببالنا أن ننتهي بتوزيع حصص من الحبوب، فيما بقية أنواع الطعام صارت من الكماليات"، تضيف الخطيب لـ"ارفع صوتك".
وتتابع: "نحن ننسق حاليا مع الجهات المانحة لتأمين الحصص من خضراوات وفاكهة وحلويات، واستطعنا بالفعل توزيع 300 حصة حلويات و65 حصة خضار وفاكهة وعدداً من الحصص الغذائية والمالية. كما عزمنا على تخفيف أعباء الطبابة من خلال تسديد بعض ديون المتعففين في الصيدليات".
