"إن منح العرب وعداً بدولة كبيرة هو مجرد تضليل. إذ لا يمكن لدولة مماثلة أن تبصر النور. لا يمكنكم تحويل مجموعة قبائل إلى كيان واحد قابل للعيش"، هذا القول هو للديبلوماسي الفرنسي، جورج بيكو، الذي وقّع مع نظيره البريطاني مارك سياكس اتفاقية سايكس-بيكو الشهيرة التي قسّمت الشرق الأوسط بين الدولتين الاستعماريتين.
ينقل هذا القول جايمس بار في كتابه "خط في الرمال"، وفيه يكشف عن البذور الأولى لفكرة الوحدة العربية التي خرجت من وعود هنري مكماهون إلى الشريف حسين، شريف مكة، عندما طلب الأخير، بصورة مفاجئة، دعم البريطانيين لمطامحه بتأسيس إمبراطورية واسعة تتخطى شبه الجزيرة العربية لتشمل سوريا والعراق وفلسطين.
بار يقول إن مكماهون رفض بداية أن يأخذ كلام الحسين على محل الجد. وعندما حاول المفوض السامي البريطاني تأجيل البحث في مطلب الشريف حسين، ردّ الأخير بحدة. وفي أوائل سبتمبر 1915 كتب الشريف حسين قائلاً: "في الحقيقة، لا تمثل الحدود المقترحة مطلب فرد واحد يمكنه انتظار انتهاء الحرب، بل هي مطالب شعبنا الذي يرى أن تلك الحدود هي الحد الأدنى الذي يحتاجون إليه لإرساء النظام الجديد الساعين اليه".
كان مطلب العرب بنيل دولة موحدة في لحظة حاسمة سياسياً وعسكرياً كما يروي بار في كتابه. ففي 18 أكتوبر، أرسل المفوض السامي البريطاني برقية إلى لندن يحذر فيها بشدة من أن "المعسكر العربي أمام تقاطع للطرق"، وأنه "إن لم نتمكن من منحهم ضمانات فورية لارضائهم، فسيرتمون في أحضان ألمانيا".
سايكس أيد مطلب مكماهون، إذ كان يشعر أيضاً أن العرب سيقفون إلى جانب الأتراك العثمانيين "في حال لم نغتنم هذه الفرصة"، لكن المفاوضات السرية النهائية بين البريطانيين والفرنسيين توصلت إلى عدم إعطاء العرب ما يسعون إليه. وضمن اتفاقية سايكس- بيكو، جرى، بحسب بار، "الاكتفاء بضمانة كلامية كاذبة للوعد بالاستقلال العربي الذي منحه مكماهون للشريف حسين. لكن لاحقاً استخدم الخط الذي رسمه سايكس وسط الرمال- من عكا على ساحل المتوسط وصولاً إلى كركوك بالقرب من الحدود الفارسية- لتقسيم المنطقة التي منحها المفوض السامي البريطاني للشريف حسين إلى قسمين، اذ تخضع المنطقة التي تقع شمال الخط للرعاية الفرنسية، والتي جنوبه لرعاية بريطانية".
هكذا أجهضت النواة الأولى لفكرة الوحدة العربية في القرن العشرين، وحاول عبدالله ابن الشريف حسين، بعد وفاة شقيقه فيصل، ملك العراق، عام 1933، مع نوري السعيد الذي كان رئيس وزرائه لمرة واحدة، الضغط من أجل تحقيق الوحدة العربية، التي كانت أيضاً مطلب شقيقه.
ولم تتحقق هذه الوحدة العربية بالشكل الذي كان يراه الشريف حسين، لكنها وجدت لها أشكالاً أخرى من التحقق على المستوى الثنائي، كما حدث عندما أعلن النظام الناصري في مصر بقيادة جمال عبد الناصر الوحدة مع سوريا برئاسة شكري القوتلي، في العام 1958، وأعلنا قيام "الجمهورية العربية المتحدة".
ويرى حازم صاغية أن هذه الوحدة "ولّدت ضدية تفتقر إلى المعاني، ما خلا حلم الإطباق على إسرائيل من جهتين".
وفي مواكبة لموجة الوحدة العربية التي انطلقت مع "الجمهورية العربية المتحدة"، وشكّلت أيضاً، بحسب صاغية "تطويقاً للأردن"، أعلن النظامان الملكيان والهاشميان في بغداد وعمان في 14 فبراير من العام نفسه إقامة "اتحاد عربي" بينهما.
هذه الخطوة، يقول صاغية "بدت ايضاً امتداداً لمحاولات قديمة لملكي الأردن والعراق الرحلين عبد الله الأول وشقيقه فيصل الأول، ولرئيس الحكومة العراقية نوري السعيد، لإقامة "سوريا الكبرى" و"الهلال الخصيب".
لم تدم طويلاً الوحدة العراقية الأردنية فقد أطاح بها الانقلاب العسكري في العراق بعد أشهر قليلة، فيما صمدت الوحدة بين مصر وسوريا لما يناهز ثلاث سنوات وبضعة أشهر قبل أن تنهار بدورها بعد انقلاب عسكري في سوريا في سبتمبر 1961.
في أبريل 1963 جرى توقيع اتفاق وحدة ثلاثية بين العراق وسوريا ومصر، لكن الغرض الفعلي من توقيع الاتفاق المذكور، كما يقول صاغية في كتابه "الانهيار المديد: الخلفية التاريخية لانتفاضات الشرق الأوسط العربي"، كان "توطيد قبضة البعثيين على السلطة في سوريا والعراق وكشف المؤيدين لعبد الناصر ممن تمّت تصفيتهم تباعاً، وهو ما بلغ ذروته مع الانقلاب الناصري الفاشل في سوريا في 18 يوليو الذي أعدم على إثره 17 متهماً بخيانة الولاء للقاهرة. وهذا ما دفع الزعيم المصري إلى التنصّل من تعهّد الوحدة الثلاثية، فيما بدأ البعث وعبد الناصر سجالاً غير مسبوق في حدته وعدوانتيه، فراح كل منهما يتهم الآخر بالخيانة وممالأة الاستعمار".
في العام 1971، تكررت المحاولة لإيجاد اتفاق وحدة، مع استفتاءات متزامنة جرت في ثلاث دول عربية هي مصر وسوريا وليبيا، بعد اتفاق بين الرؤساء حافظ الأسد ومحمد أنور السادات ومعمر القذافي، لكن هذا الاتفاق لم يجد طريقه إلى التحقق في النهاية، بسبب ذهاب السادات منفرداً إلى عقد اتفاقية سلام مع اسرائيل.
سبق ذلك، في عام 1968، إعلان الاتحاد بين الامارات السبع التي تشكل اليوم الإمارات العربية المتحدة بعد مفاوضات ضمت أيضا قطر والبحرين، التين انسحبتا من المشروع.
في يناير من العام 1974 أعلن عن قيام الوحدة بين ليبيا وتونس باسم "الجمهورية العربية الإسلامية" بعد لقاء بين الرئيسين معمر القذافي والحبيب بورقيبة في جربة، لكن بعد ساعات من الإعلان عن الاتفاق، تراجع عنه بورقيبه بسبب شكوكه بنوايا القذافي.
تجربة أخرى حاولتها ليبيا مع المغرب في العام 1984، وفشلت بدورها بسبب ربطها بين نظامين مختلفين في التركيبة السياسية تماماً، وهما النظام الملكي في المغرب، والجماهيري في ليبيا. ومن الطريف أن موضوع الوحدة بين ليبيا والمغرب كان مادة رسالة الماجيستير للملك محمد السادس وكان ولياً للعهد آنذاك.
منذ العام 1981 بدأت بالصعود ظاهرة التجمعات الفرعية داخل النظام العربي، فقد شهد ذلك العام تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربي في مايو 1981 بين كل من السعودية والامارات وعمان والكويت وقطر والبحرين.
هذا التجمع لم يكن، بحسب منشور لـ"مركز دراسات الوحدة العربية"، مجرد تجمع فرعي، بل "كان أيضاً تجمعاً جغرافياً، حيث إن الدول المنضمة إليه تشكل رقعة جغرافية متصلة، بالإضافة إلى أنه كان تجمعاً نوعياً، لأنه لم يشترط معيار التجاور الجغرافي فحسب وإنما أيضاً معيار التجانس السياسي حيث لم يضم من دول الخليج العربية سوى تلك المتشابهة في نظمها السياسية، بدليل استبعاد العراق من عضويته".
وقد شهد شهر فبراير من العام 1989 في يومين متتاليين تكوين تجمعين عربيين جديدين هما: مجلس التعاون العربي الذي ضم كلا من مصر والعراق واليمن والأردن، واتحاد المغرب العربي الذي ضم دول شمال إفريقيا باستثناء مصر وهي موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا. لكن هذه الاتحادات انتهت إلى الفشل.
تم إنجاز الوحدة اليمنية في مايو من العام 1990، بعد جدل فكري وسياسي ممتد دار حولها منذ استقلال الشطر الجنوبي عام 1967، شهدت خلالها صدامات عسكرية بين شطريه من ذلك التاريخ وحتى قيام الوحدة، التي يصفها مركز دراسات الوحدة العربية بأنها "أصبحت ثاني وحدة اندماجية عربية معاصرة بعد الوحدة المصرية- السورية (1958-1961)".
