صورة للفنان السوري باسل خياط- أرشيفية
صورة للفنان السوري باسل خياط- أرشيفية

"هل أنت بخير؟"..سؤال نسمعه كثيرا فنجيب على عجل، دون التوقف لنعطي إجابة صحيحة.. ولكن هل نحن حقا بخير في الوقت الذي تزداد عوامل الضغط النفسي كما لم يشهدها العالم من قبل؟

وفي بداية شهر رمضان، حيث موسم الإعلانات الكبرى التي يُنفق عليها ملايين الدولارات لشركات ومؤسسات عربية، أطلت شركة "زين" الكويتية للاتصالات، بإعلان "هزات نفسية"، للتوعية بأهمية الصحة النفسية، مفتتحة إياه بعبارات "قد يفقد الإنسان حياته في الحروب، الكوارث الطبيعية والأوبئة. بينما تفتقده الحياة بأكملها حين يكون مريضاً نفسياً"، بمشاركة الفنان السوري باسل خياط.

أما كلمات الأغنية، فركزت على أهمية التعبير عن مشاعر الحزن والإحباط، وعدم التردد في طلب المساعدة.

وربما لم يكن اختيار خيّاط اعتباطاً، فقد أعرب بنفسه عن شعوره الدائم بالقلق والضغط النفسي الذي بات جزءاً من شخصيته، وفق تعبيره، ومعاناته من الاكتئاب، خلال حواره مع أنس أبو قوش.

كما تطرق لمفاهيم الرجولة السامة التي تفرض على الرجال بشكل عام صورة معينة، تتطلب منهم أن يكونوا قساة لا يبكون ولا يعبرون عن مشاعر الحزن والأسى الذي يعيشونه.

كأن كلمات الإعلان بُنيت  على هذا الحوار، حيث بطل الإعلان رجل، والأغنية تقول له "لا تبق تحت الأنقاض.. لوّح بآه أو دمعة".

وللفنانين والمشاهير دور هام نظراً لحجم التأثير الذي يحدثونه بالنسبة لمحبيهم ومتابعيهم، والتأشير على الاضطرابات النفسية والاعتراف بالمعاناة من بعضها والتوجه لعيادات الأخصائيين النفسيين أو الأطباء في نفس المجال، ظاهرة متنامية بدأت من الغرب وانتقلت للمنطقة العربية.

في هذا السياق، كان للمغنية المصرية شيرين عبد الوهاب، موقف جريء حين شكرت طبيبها النفسي أمام الآلاف من حاضري حفلها والملايين الذين شاهدوها عبر الشاشات ومواقع التواصل، وصارحت محبيها بأنها تتلقى العلاج النفسي، إثر ما مرت به من تجربة طلاق، قبل أن تصبح مركز اهتمام الإعلام والناس في فترة لاحقة، بسبب مشاكل شخصية مرت بها.

ومن المشاهير العرب، أيضاً، خبيرة التجميل وسيدة الأعمال جويل ماردينيان، التي أكدت على ذهابها إلى الأخصائي النفسي مع زوجها بعد أن مرّا بالانفصال، ليستعيدا متانة العلاقة بينهما، وقالت بنفسها خلال لقاء تلفزيوني، إنها تقصدت أن يعرف الجمهور ذلك لأنها تريد أن تلهم كل من يشاهدونها وقد يمرون بظروف متشابهة.

 

الأخصائية النفسية اللبنانية لانا قصقص، تؤكد في حديثها لـ"ارفع صوتك"، أن "الصحة النفسية لا تزال تمثل قضية ثانوية على صعيد الحكومات والصعيد السياسي والاجتماعي. حتى أنها ما زالت نوعا ما تابو".

"ومع ذلك، يُلاحظ تطور على صعيد الأفراد الذين بدأوا بالتفكير بطلب العلاج النفسي أو بالاهتمام بالصحة النفسية للأطفال"، تستدرك قصقص.

وهذا يترجم مثلا في العالم الإفتراضي في القصص التي تنتشر بشكل متزايد حول المعاناة الشخصية وسبل العناية بالصحة النفسية. على سبيل المثال.

الإعلامية إسراء حسن، التي عملت عن كثب مع عدد من الفنانين وأشخاص آخرين من الوسط الفني بحكم مهنتها، تولي أهمية كبيرة لهذا الموضوع الذي يرتبط بقصتها وبقصص الفنانين على حد سواء. 

تروي حسن لـ"ارفع صوتك" كيف اختبرت عن كثب "دوامة المعاناة النفسية بعد فقدان أختها "سارة" التي باغتها المرض في شبابها. تقول "لم تتعامل إسراء مباشرة مع آلام هذا الفقد وحاولت أن تخبئ الضعف بالقوة".

وتضيف: "نزلت في اليوم الرابع للعمل.. ظننتني قوية وتمالكت نفسي أمام الكاميرا. لم أعرف أن الحزن بقي متراكما في نفسي وعاد للظهور بعد سنين. في ذلك الحين، أدركت أننا نتعامل مع الحزن بطريقتين، فإما أن نحافظ على مظهر صلب وهذا ما جسده زوجي ليمنعني من الانهيار وإما أن نترك مساحة أكبر للعاطفة وللاستماع وهذا ما وجدته في حلقة الدعم الخاصة بي". 

وتشير حسين إلى الفنانة اللبنانية سينتيا كرم، إذ أثرت بها كثيراً: "سنتيا تركز في أعمالها على موضوع الصحة النفسية وتعالجه من زوايا مختلفة مثل التنمر. وإذ تعتبر نفسها محصنة ضد التنمر الذي تتعرض إليه على مواقع التواصل، تحذر المتنمرين وكل من يرمي كلامه بشكل عشوائي وغير مسؤول، من ضرورة الانتباه لوقع الإساءة وتأثيرها على الشخص الذي قد يصل إلى حدّ الانتحار". 

وتضرب مثالاً آخر، هي عارضة الأزياء اللبنانية المقيمة في باريس حالياً، نور عريضة. تقول حسن: "لم تتوان نور عن الاعتراف بأن السعادة التي تبدو عليها وهمية وأنها شعرت في بعض الأحيان بأن الدنيا اسودّت في وجهها. فاعترفت بكل جرأة وشجاعة بالضغوطات النفسية التي تثقل كاهلها كونها شخصية عامة وأم وزوجة".

وفي منشورها على إنستاغرام، حيث يتابعها أكثر من عشرة ملايين شخص، وصفت عريضة حالتها النفسية الصعبة بعد وفاة مقربين لها والوحدة التي تعيشها بعيداً عن أهلها في باريس، التي اختارت الرحيل إليها بعد تفجر الأزمات إثر انفجار مرفأ بيروت.

كما نبهت لأهمية الاعتناء بالصحة النفسية ومراقبتها بالنسبة للأطفال، من خلال عرض تجربة ابنتها آيلا، التي عانت من التنمر في المدرسة. 

وتؤكد حسن، على أهمية "طلب المساعدة"، مردفةً "أنا على ثقة بأن التكلفة وبعض الاعتبارات ما زالت تقف بوجه زيارة الأخصائي النفسي، في عالمنا العربي خصوصا، فالرعاية النفسية ليست مغطاة ماديا كما في بعض الدول الأوروبية، على الرغم من مساعي بعض الجمعيات لردم الهوة".

 

 

تبين قصقص: "لا شك بأن الفنانين الذين يصرّحون عن لجوئهم للعلاج النفسي يتمتعون بالكثير من الجرأة، فهم عبر مشاركة قصصهم لا يروّجون فقط لأنفسهم وأعمالهم بقدر حثّ المتابعين على التساؤل وخوض التجربة بدورهم. وهذا الأمر مهم للغاية لأن الفنانين يؤثرون بشكل مباشر على متابعيهم  وستترك مبادراتهم طابعا إيجابيا يسهم بكسر التابوهات والمفاهيم الخاطئة".

"وهكذا سيلهم الفنانون الجمهور من خلال التحدث عن حالتهم بطريقة منفتحة على تلقي العلاج أو من خلال تسليط الضوء على أثر أو نتائج هذا العلاج على الشخص وعلى شخصيته، فالرسالة واضحة في هذا السياق: طلب العلاج مهم للغاية"، تضيف قصقص.

وتشدد على "الانتباه لصحتنا النفسية والبحث عن الدعم في دوائر الثقة والعودة للاختصاصيين الذين يدربون على المهارات والتقنيات الكفيلة بمنح الكثير من الراحة، مثل التركيز على التنفس وعلى الاسترخاء، والتدريب النفسي على بعض المهارات من التفكير المنطقي والنقدي لتحرير النفس وتخطي الأحداث".

وتزيد قصقص، بأن كل ما سبق "يخلق نوعاً من التصالح بين صورتنا الخارجية وصورتنا الداخلية، فلا نظهر على شاكلة الممثل روبن ويليامز بمظهر يمنح الفرح للآخرين بينما نعيش في الحقيقة في الجانب المظلم ونتحين اللحظة للانتحار"

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.