لا تزال زيارة عيادة الأخصائي النفسي تثير بعض الحساسيات في العالم العربي، لذلك لا يفصح الجميع بسهولة عن حاجتهم للمتابعة. وهذا حال البالغين، فماذا عن الأطفال؟
تقول الدكتورة بيا طعمة، وهي أخصائية لبنانية في علم نفس الأطفال، إن هناك "انفتاحاً تدريجياً بين الأهالي حول أهمية الصحة النفسية للأطفال".
"كردة فعل أولى، يخشى الأهالي أن يكونوا سيئين تجاه أطفالهم"، تضيف د. طعمة، مبينةً لـ"ارفع صوتك": "لذلك، لا بدّ من توعية الأهل حول مفاهيم تدخل الأخصائي النفسي وتشجيعهم على فهم ماهية والغاية المرجوّة من الاستشارة".
وتشير إلى أهمية فهم عمل الأخصائي النفسي، أولاً. حيث يسأل الكثير من الأهالي وأيضاً أقاربهم حول ذلك، معتقدين أن مجرد الاستشارة أو التشخيص يعني "الحكم على الطفل بأنه بحاجة للعلاج"، لكن ذلك غير صحيح، بحسب د.طعمة.
وتتابع: "نتيجة التوعية بدورنا، بدأنا نلاحظ تغييراً. إذ بات الأهل يتقبلون وجود الطبيب أو الأخصائي النفسي في حياة أولادهم بمساحات أكبر. حتى أن البعض من أولئك القلقين بأن يطرأ شيء خطير يتواصلون مع الأخصائي لترتيب جلسة كل شهرين أو كل ثلاثة أشهر".
ولا ترتبط هذه الجلسة بإنذار ما، إنما يمكن تعريفها كجلسة وقائية للتأكد بأن الصحة النفسية للطفل على خير ما يرام.
متى التوجه لأخصائي؟
هناك بعض الإشارات التي تستدعي التواصل مع أخصائي نفسي، توضح د. طعمة: "الأمر يتفاوت بالطبع بين طفل وآخر وهناك عدد كبير من العوامل التي تصنع فارقا مثل السن. ومن الإشارات، التغيير في طريقة التعبير بشكل كبير كأن يكون الطفل يحب الخروج والضحك ثم يصبح فجأة حزينا أكثر من ذي قبل، أو كأن يكون صاحب حس فكاهي ثم يزداد قتامة".
"وعلى مستوى السلوكيات، يمكن أن يصبح الطفل عدوانيا فيقوم بردات فعل مفاجئة. كما يظهر هذا التغيير على المستوى الفيسيولوجي، حيث يلاحظ الأهل تغييرا يطرأ على عادات الأكل لدى الطفل. كأن يأكل أكثر أو أقل من قبل أو كأن يكون يحب الذهاب إلى المدرسة ثم يغير رأيه. ومن المؤشرات أيضا، التغير في مستوى العلامات أو التقييم المدرسي بشكل دراماتيكي ومبالغ به للغاية"، تضيف د. طعمة.
من جهتها، تؤكد المرشدة التربوية لميس شعبان، أن "دور المدرسة غاية في الأهمية في هذا السياق، خصوصا أن بعض الأهل لا يقدرون عواقب إهمال الصحة النفسية للطفل أو حتى ليسوا على دراية بوجود مشكلة"".
وتشرح لـ"ارفع صوتك": "هناك الأسر قليلة الانخراط في التوجيه النفسي، والأسر التي لا تمتلك في الأصل الوسائل للانخراط في هذا الدور، وتلك التي تلقي بالمسؤولية كلها على عاتق الطاقم التعليمي. ومن هنا تأتي أهمية المشاريع والمبادرات التي تهدف لتمكين الأهل وتوعيتهم".
كما تركز شعبان على "الإجراءات الوقائية التي يمكن اتباعها انطلاقا من القصص التي نستطيع اكتشافها من خلال محادثات محضرة بعناية مع الطلاب". تروي على سبيل المثال مع الحفاظ على خصوصية المعنيين وسرية هويتهم، "مشكلة تلميذة في الصف الثالث من المرحلة الابتدائية، كانت علاماتها ممتازة وتشارك باندفاع في الصف. ثم فجأة، صارت انطوائية وبدأت علاماتها بالتدني حتى رسبت. أتت نتيجتها المدرسية كوقع الصاعقة وكان لا بد من التدخل، وسرعان ما اكتشفنا أن والديها يخوضان تجربة طلاق".
وتوضح: "هذا سوء إدراك من الأهل لتأثير سلوكياتهم نفسها على أبنائهم. حتى أن بعض السلوكيات التي نراها إيجابية قد تصبح في الواقع مسببا لمشكلة لدى أولادنا".
وتستذكر شعبان "حالة أخرى، امتنعت فيها طالبة عن المشاركة تماما في الصف وكانت تسعد بشكل صادم بتراجع علاماتها. وبعد جمع المعلومات من الأساتذة وإجراء مقابلة مع والديها، اتضح أن أمها تضغط عليها كثيرا لدرجة الضرب الجسدي في حال لم تأخذ علامات جيدة. وكانت تذكّرها دوما بأنها عاجزة دونها. حتى أن والدتها تباهت بأنها تمسك بيدها لتعبر الشارع الضيق على الرغم من أن الشارع لا يمثل أي خطر على صبية بعمر العاشرة".
وتشدد على أهمية التعاون بين الأهل والمرشدين في المؤسسات التربوية، مردفةً "يتعاون المرشد لتوجيه الطلاب الذين يحتاجون لرعاية نفسية لأن دوره يتمحور حول الوقاية أكثر من العلاج، كما يعدّ برامج التدخل في الحالات الطارئة، ويمكّن الطلاب من أجل اتخاذ قرارات رشيدة ويتواصل مع الأهل. وإذا تطلب الأمر، قد يذهب حتى طلب القيام بزيارة ميدانية للإرشاد باتجاه استشارة مختص".
"سيرة": العلاج للجميع
في لبنان، أطلقت الأخصائية النفسية ساندرا سلامة، تطبيق "سيرة (Siira)"، قبل أن تنضم إليها د.طعمة. والهدف منها مساعدة الأهل على تخطي الوصمة والخوف الذي يترافق مع التوجه لأخصائي نفسي، وتقديم المشورة والتوجيه نحو خطوات أخرى في رحلة العلاج.
تبدأ الجلسة مع الأخصائي بالصوت والصورة، بينما يمكن للحضور المشاركة بسرية تامة من خلال طباعة الأسئلة والضغط الاختياري على زر "مجهول الهوية" (anonymous)، وهكذا ينشر السؤال دون معرفة المصدر.
تبيّن د. طعمة: "قد تقف الوصمة المرتبطة بالاستشارة النفسية للأطفال عائقا أمام مشاركة الأهل لملاحظاتهم أمام الأخصائي. كما أن هناك كثر ممن لا يعرفون كيفية التصرف. لذلك، نشارك التشخيص عبر الإنترنت بناء على المعلومات المشاركة أو نغوص في التفاصيل مع أخذ خصوصية كل مريض بعين الاعتبار عند العمل بشكل فردي معه".
"ولا يقتصر التعاون مع الطفل أو الأهل بل مع المحيط الذي يؤثر إليه مثل المدرسين. ونحاول قدر الإمكان تجنب أي مخاطر محتملة من خلال معالجة الأمور منذ البداية"، تقول د. طعمة.
وتتابع: "ليس كل سلوك قد يبدو خاطئا هو تأكيد على أن الولد يعاني حتماً من مشكلة. لذلك من الضروري العودة للسبب الذي يدفعه للتصرف بهذا الشكل دون افتراض أنه مريض بالضرورة. وفي كل الأحوال، استشارة الأخصائي لا بد أن تعني أن الولد محط متابعة وعناية جيدة".
