يعتبر يوم البيئة العالمي الذي يُحتفل به سنويا في 5 يونيو منذ عام 1973، "أكبر منصة عالمية للتوعية البيئية العامة، حيث يحتفل به ملايين الأشخاص في جميع أنحاء العالم"، حسب الموقع الرسمي للأمم المتحدة.
وهذا العام، تستضيف دولة "كوت ديفوار" (Cote d’Ivoire) الفعاليات الاحتفالية مع عناوين عريضة ودعوة للتحرك سريعا، لأن "الوقت ينفد والطبيعة في حالة طوارئ".
ويستدعي ذلك من كل المعنيين العمل على "خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري السنوية إلى النصف بحلول عام 2030، تحت طائلة تجاوز "تلوث الهواء المستويات المأمونة بنسبة 50% خلال هذا العقد".
في حديثه مع "ارفع صوتك"، يحذر الدكتور محمد خولي، نائب رئيس "حزب الخضر" اللبناني، ورئيس لجنة تغير المناخ فيه، من أن "الأقانيم التي تلف أرضنا بخطر الأمر الذي يستدعي الكثير من الوعي والمسؤولية من طرف الشباب".
وعلى الرغم من التداعيات الخطيرة على الملف البيئي في لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت قبل ثلاث سنوات، أنتجت الأزمات المتوالية، من نقص موارد وسلع أساسية وتدهور الليرة اللبنانية وتراجع القوة الشرائية وغيرها، أنماطاً جديدة من الاستهلاك والعادات، التي تعتبر صديقة للبيئة.
آثار بيئية- بيولوجية- إنسانية
لا يمكن الغوص في الملف البيئي دون التوقف عند واحدة من أكبر الكوارث التي حلت بالمنطقة وتحديدا في قلب بيروت الواقعة على البحر الأبيض المتوسط. يقول د. خولي: "ترك الانفجار عدة أنواع من الآثار البيئية، أولها المباشرة على البيولوجي-الحياتي حيث توفي ما يزيد عن 220 شخصاً، وأصيب (بجراح وأضرار مختلفة) ما يزيد عن 6 آلاف شخص".
"كما تسبب الانفجار بالقضاء على مجموعات ضخمة، غير موثقة، من الأسماك ومن ثروة الحياة البحرية الأخرى، وكذلك من حياة بعض الحيوانات (كلاب وقطط) والنباتات البرية في نطاق المرفأ. وضرب النظام الإيكولوجي بمساحة واسعة من البحر في موقع الفاجعة"، يتابع د. خولي.
ويضيف: "لكن ذلك للأسف غير موثق أيضاً، فالدمار الذي حل بالمدينة والأضرار النفسية التي أصابت من فقد عزيزاً أو بيتا أو موقعاً تجاريًا أو وظيفة، هائلة، وهذه لم توثق بشكل علمي دقيق".
ويشير د. خولي إلى الأضرار غير المباشرة، أبرزها "التلوث الذي نتج عن الانفجار، إما عن المواد المتفجرة ذاتها (ما استعمل للتفجير ومما تفجر سواء من الفوسفات أو من المواد الأخرى المخزنة في الموقع)، وإما في الغبار الذي انتشر بشكل سريع فوق كل المدينة (خصوصا أن مادة الإسبستوس- الإترنيت السامة تدخل في بناء إهراءات القمح التي تضررت)، ويُعتبر غبار هذه المادة والبقايا والقطع المتكسرة سامة للبشر والحيوانات والنباتات التي وقعت أو حلت فيها".
ويلفت إلى أن السلطات اللبنانية "واجهت مشكلة عويصة في التخلص من النفايات الصلبة منها"، مردفاً "لا ننسى الآثار على مستوى التقهقر الاقتصادي-الاجتماعي وضرب نوعية الحياة، وهذا يطال مباشرة كل أفراد المجتمع اللبناني والدولة، إذ أن مرفأ بيروت ليس الأهم في لبنان فقط، بل يخدم سوريا والعراق والأردن أيضاً".
رب ضارة نافعة
الأزمة التي لا تزال تعصف بلبنان أجبرت الكثير من سكان لبنان على تغيير نمط الحياة المضر بالبيئة وتطوير وسائل بديلة. يشرح د. خولي: "لا شك أن الأزمة تشكل ثقلا وعبئاً كبيراً جداً على مسارات أفراد المجتمع. ومن بين تلك المسارات ما هو سلبي ومنها ما هو إيجابي، وصديق للبيئة".
"إذا أخذنا قطاع الطاقة، يكون البدء بالتخفيف من استخدام المازوت والمحروقات الأخرى (ضبط النقل) والكهرباء، فعوضاً عن الاعتماد على المولدات الكهربائية لأوقات طويلة (وهي في قمة العوامل المسببة للتلوث عدا عن التكاليف الباهظة)، يقل الاستخدام فنخفف من عبء الاثنين معاً. كما بات من الواضح طبعا التوسع الملحوظ باعتماد المصدر البيئي بامتياز، (كالطاقة الشمسية) لتوليد الكهرباء"، يقول د. خولي.
ويضيف أن "جمعية الطاقة الشمسية اللبنانية قدرت أن نحو (20-25)% من السكان إما أصبح يعتمد جزءا هاما منها لتأمين حاجاته أو أن شرائح أكثر من مجتمعنا أصبحت تفكر جدياً باعتمادها. وهو ما حدا بالدولة تشجيع الأفراد على توليد طاقة كهربائية والمساهمة بمزيج الطاقة المتوفرة للمجتمع، وتُقدر بما بين (3-7)% وهي في ازدياد".
ويشير إلى أن لبنان "كان من أكثر الدول تقدماً في الشرق الأوسط باعتماد وتطوير الطاقة الشمسية عام 1974، لكن للأسف جاءت أحداث 1975-1990 لتضرب ذاك التقدم في الصميم، فسبقته معظم دول الجوار".
مثال آخر ينطبق على الوقود الأحفوري حيث عاد اللبناني للسير على الأقدام مدفوعا بالحاجة للتخفيف من التكاليف. يبين خولي: "بات اللبناني إما يخفف من استخدام السيارات الخاصة وإما يزيد من استخدام وسائل النقل العام، وكذلك الاعتماد أكثر على المشي والمشاركة بالتنقل (Car pooling). كما برزت حيثية الحفاظ على الموارد الطبيعية، خصوصا المياهK حيث لوحظ التخفيف من الهدر، سواء في الhستخدامات المنزلية والتجارية والصناعية، لكن الأهم من ذلك كله هو في الhستخدامات الزراعيةK حسبما أوردت بعض دراسات وزارة الزراعة. ويُتوقع الحفاظ على ما يزيد عن 30% من المياه المهدورة، إما بتخفيف الهدر كاستعمال التنقيط أو ضبط الكميات المستخدمة".
ويقول إن "الغلاء وشح المياه لأسباب متعددة، يشجع بعض البلديات على اعتماد (المياه الرمادية) وتأهيل معامل المعالجة في كل المناطق اللبنانية، كما نفهم من أدبيات وزارة البيئة، التي قامت بحملات إرشادية متعددة لزيادة الوعي حول أهمية تخفيف الهدر والحفاظ على الموارد، بخاصة وأن حوالي (30-60)% من موارد المياه تذهب هدراً".
"الاقتصاد الأخضر"
بالتوازي مع البدائل المذكورة سابقاً، يوضح رئيس لجنة "تغير المناخ" في "حزب الخضر" اللبناني، د. محمد خولي، أن هناك "زيادة ملحوظة" في اعتماد التدوير، الذي بدأ يأخذ دوراً بارزاً في أدبيات وممارسات "الاقتصاد الأخضر"، وفق تعبيره.
ويقول إن دوافع التدوير عديدة، لا تقتصر على البيئي منها، فالعوامل الاقتصادية والاجتماعية لعبت دوراً كذلك. والتدوير فعلياً "يؤمن مصادر دخل جديدة (أو إضافية للفرد) مع الحفاظ على الموارد (مثلاً، تجميع كيلو من التنك يؤمن ما بين 60 إلى 100 ألف ليرة لبنانية/ زهاء دولار على سعر صرف السوق السوداء). هكذا تُحفظ الموارد، خصوصا تلك التي يمكن إعادة تصنيعها ومعالجتها لإعادة استعمالها، كالورق والكرتون والزجاج والبلاستيك والمعادن والبطاريات والثياب، من الهدر بين النفايات أو حتى بين أشجار الغابات فتحمي من الحرائق، وطبعاً من تلوث الطبيعة أرضاً وبحراً والمدينة".
"ولا ننسى أن هذه المسارات دعمت الاقتصاد المحلي من خلال تشجيع قيام الكثير من الجمعيات البيئية والإنسانية التي تنظم تلك الأعمال والمبادرات، علماً أن ما يتراوح بين (25-35)% منها أصبح من ضمن الاقتصاد الأخضر وتقوم به بعض البلديات لدعم ماليتها الذاتية"، يتابع د. خولي.
وليس العمل على المستوى المحلي سوى صورة مصغرة لما يجب أن يكون عليه العمل على المستوى العالمي. يختم د. خولي متوجها للشباب بالتحذير: "هناك ثلاثة أقانيم رئيسة تلف أرضنا وتحميها وتحمي ما عليها، بشكل مستدام، إذا عرفنا كيف نحافظ عليها، لأنها تحت خطر داهم. وهي،المحيطات والبحار؛ والغابات على اليابسة، والغلاف الجوي حولنا".
ويوصي الشباب بالانخراط والالتزام بالأعمال البيئية الصحيحة على عدة مستويات، وأن يكونوا آلات الرصد الحية لكل ما يضر بالبيئة، ومعرفة ومحاسبة مسببي الضرر لإجبارهم على الدفع والتصحيح، على اعتبار أنهم "المثال الذي يحتذي به الجيل الآتي بعدهم، فيتصرفون في حياتهم اليوميه بما يتلاءم مع المسؤولية والطموحات البيئية"، على حد تعبير د. خولي.
