يحتفي اليوم الدولي للعمل البرلماني، الموافق الجمعة 30 يونيو، "بالدور المحوري الذي تؤديه البرلمانات"، بحسب ما ورد في موقع الأمم المتحدة.
وأضاف أن هذه المناسبة الجديدة، فرصة للتأكيد على الدور الذي تلعبه البرلمانات في تعزيز الحوكمة الديمقراطية والتنمية المستدامة وضمان حقوق الإنسان، والتأكيد على الوعي بأهمية البرلمانات والمشاركة المدنية في المساءلة وصنع القرار.
كما يعكس البرلمان الحكم الشعبي، نظرا لأنه المؤسسة التشريعية التي تتولى في العديد من الدول وضع القوانين واللوائح وتمارس الرقابة على الحكومة وتعكس صوت المواطنين في العملية السياسية.
لكن كل ذلك، لا ينطبق على الوضع في لبنان، خصوصاً أن نوّاب البرلمان اللبناني فشلوا للمرة 12 على التوالي بانتخاب رئيس للجمهورية، على الرغم من طرح اسم مرشحين على الطاولة في ظل نظام تقاسم السلطة الطائفي، الذي يحجز موقع رئاسة لبنان لمرشح أو مرشحة مسيحية مارونية، وأحد المرشحين وزير سابق يدعمه حزب الله الموالي لإيران، سليمان فرنجية، والآخر منافسه الاقتصادي جهاد أزعور، ولم يحصل أي منهما على عدد كافٍ من الأصوات.
ويجري ذلك وسط انهيار اقتصادي يعيشه البلد الذي لم يستفق بعد من كابوس انفجار المرفأ أغسطس 2020.
أما القاسم المشترك بين جلسات البرلمان، فهو تطيير النصاب كلما تقرر عقد جولة ثانية للتصويت في النهار نفسه بعد فشل الجلسة الأولى، حيث يعمد بعض النواب لمغادرة البرلمان، بالتالي إعاقة تأمين الأغلبية المطلقة (بمجموع 65 صوتا) لانتخاب رئيس.
وكان نواب حزب الله وحلفائه قد لجأوا إلى هذا التكتيك، خصوصا أن الحزب يسيطر على الحياة السياسية وله جناح مسلح قوي.
وحالة الفراغ في البرلمان اللبناني ليست بجديدة، فخلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، عمل حزب الله على شلّ عمل البرلمان لأكثر من عامين لفرض انتخاب ميشال عون حليفه، وذلك عام 2016.
ومن أجل حل هذه الأزمة، سجل تدخل واشنطن التي أكدت على ضرورة التعجيل في المهمة، وباريس التي دعت لإنهاء الأزمة والتعامل بجدية مع الجلسات البرلمانية وأرسلت مبعوثا خاصا للبنان.
عن اتلوافق ديمقراطي؟
بالنسبة للمحلل السياسي محمد فواز، تكمن المشكلة في مبدأ التوافق الديمقراطي نفسه، حيث يفترض هذا المبدأ اتفاق الكتل النيابية على اسم قبل الشروع بالجولات الانتخابية داخل البرلمان.
يقول لـ"ارفع صوتك": "كيف نتكلم عن عملية ديمقراطية حين يطالب البعض بحسم النتائج مسبقا وبرضا جميع الأطراف؟ الديمقراطية تعني أولاً تقبل الاختلاف واحترام حرية الرأي".
بدوره، يقول النائب في البرلمان بلال عبد الله، إن التعطيل في البرلمان اللبناني "نتيجة طبيعية للنظام الطائفي وللتوازنات المتوارثة".
"هناك استعصاء دائم في إنتاج كل استحقاق دستوري إن كان رئاسياً أو وزارياً أو نيابياً على إيقاع المصالح الضيقة للقوى السياسية، وتمثل بمعظمها مصالح طائفية ومذهبية خارج إطار المصلحة الوطنية العلية للبنان"، يضيف عبدالله لـ"ارفع صوتك".
ويذكّر بأيام كمال جنبلاط الذي "سعى من خلال التقدمية الاشتراكية اليسارية والإنسانية، إلى تخطي الطوائف والمناطق، مع الاعتراف بالبيئة الحاضنة له والانطلاق نحو ما هو وطني"، على حدّ تعبيره.
وفي اليوم الدولي للعمل البرلماني، يعتقد عبدالله أن "الحل الأنسب في لبنان يتطلب الذهاب إلى الدولة العلمانية"، مستدركاً "ولكن مرحليا هناك اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب ومن خلاله نستطيع ان نطور النظام السياسي في لبنان خارج إطار المصالح الإقليمية والدولية".
ويؤكد أنه "يجب أن يكون هناك وعي لبناني بالحد الأدنى لضرورة لبننة الاستحقاق الرئاسي في ، على مسرح اللعبة الدولية الإقليمية، ويجب أن نعمل على توسيع المساحات المشتركة بين اللبنانيين وإيجاد تسوية رئاسية، لإخراج البلد من المستنقع الذي يغرق به".
"وهذا توجهنا كلقاء ديموقراطي وكحزب اشتراكي ونحن نسعى وسنسعى لإيجاد مساحة واسعة من الحوار بين اللبنانيين ومختلف القوى السياسية، لتخفيف الاحتقان الطائفي للتوجه نحو الدولة وهيبة وسيادة الدولة خارج إطار الدولة الخارجية، وهذا صراع مستمر وأعتقد أننا سنصل يوما ما بعد طول انتظار"، يتابع عبدالله.
وبالنسبة للتدخل الدولي في حل الأزمة اللبنانية، يقول عبد الله، إن "لا أحد يملك الأكثرية في البرلمان اللبنانيي. لذلك لا يستطيع أحد أن يحسم النتيجة".
ويضيف "لكن الحوار دون شروط هو ما يحسم، مع المساعدة الخارجية للأسف وأكرر وأقول للأسف المساعدة الخارجية مطلوبة، لأن هناك مجموعة من القوى السياسية تنتظر بعض الإشارات الخارجية للشروع والتسوية والتنازلات المتبادلة".
"سيناريو مألوف للغاية"
وعلى عكس المفروض، يساهم البرلمان اللبناني بشل البلاد أكثر فأكثر. وحذرت جهات عدة في مناسبات مختلفة، كما في نوفمبر 2022، حيث سلطت منظمة "مجموعة الأزمات الدولية" (International Crisis Group) الضوء على تعطّل أداء البرلمان كـ"سيناريو مألوف للغاية"، محذرة من عدم إتمامه مهمته.
وقالت إن هذا الفراغ "يقيد يدي الحكومة، حيث يتعين على الرئيس في ظل النظام اللبناني أن يوافق على تشكيل أي حكومة جديدة، ولم يفعل شاغل المنصب المنتهية ولايته ذلك"، كما أن "وزراء تصريف الأعمال يواجهون صعوبة كبيرة في إجراء الإصلاحات التي تحتاجها البلاد لإنقاذها من محنتها الاقتصادية".
المحلل السياسي محمد فواز، يحذر من تبعات هذا التعطيل "نظرا للترابط بين السلطات، الذي يجعل الأمر أشبه بمفعول الدينامو، أي بمجرد أن تفشل مهمة، تفشل كل المهام المتصلة بها".
"أضف إلى ذلك أن شرعية البرلمان تبقى على المحك، فعملا بالنظام في لبنان ينتخب الشعب ممثليه الذين يتولون لاحقا انتخاب رئيس للجمهورية، ثم يتولى هذا الرئيس تكليف رئيس مجلس للوزراء (سنّي) تقع على عاتقه مسؤولية تشكيل الحكومة. وأمام الفراغ، يغامر البرلمان بالمزيد من فقدان الثقة في الداخل من الناخبين والمقيمين وفي الخارج حيث يغيب رأس الدولة ويؤكد هذا الغياب أمام العالم على عدم الالتزام بالدستور"، يوضح فواز.
وداخل البرلمان، يعتصم اثنان من النواب هما ملحم خلف ونجاة صليبا للضغط باتجاه انتخاب رئيس للبلاد. يعلق فواز على ذلك قائلاً "لا شك أن كل نائب يحاول الدفع باتجاه الحلحلة لا بد وأنه يضع الأمور الحياتية كأولوية وعلى رأسها إقرار الموازنة، خصوصا أن البلاد ترزح تحت وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة. وتحوم التساؤلات حول فتح الاعتمادات وضبط إيقاع الحياة العامة وهذا أكثر ما يهم اللبناني الذي ينام ويصحو مشغولا بقوت يومه".
بانتظار الجلسة النيابية القادمة، يرجح المراقبون استمرار حالة الفراغ طالما أن بعض الفرقاء لا يزالون بانتظار الضوء الأخضر من الخارج.
