تعرّف الرابطة الأميركية للطب النفسي اضطراب ما بعد الصدمة (أو اضطراب الكرب التالي للرضخ)، بأنه "اضطراب نفسي يمكن أن يحدث للأشخاص الذين شهدوا حدثاً صادماً أو سلسلة من الأحداث أو مجموعة من الظروف".
وقد يعاني الفرد على أثره من ضرر عاطفي أو جسدي، أو تهديد للحياة، و "هو ما يؤثر على الصحة العقلية والبدنية والاجتماعية"، بحسب الرابطة.
وتشمل الأمثلة الكوارث الطبيعية، والحوادث الخطيرة، والأعمال الإرهابية، والحروب والنزاعات المسلحة، والاعتداءات الجنسية والاغتصاب، والعنف الأسري أو عنف الشريك المتسلّط.
ووفق الرابطة الأميركية، فإن اضطراب ما بعد الصدمة كان معروفاً بالعديد من الأسماء في الماضي، مثل "صدمة القذيفة" خلال سنوات الحرب العالمية الأولى و"التعب القتالي" بعد الحرب العالمية الثانية، لكن اضطراب ما بعد الصدمة لا يحدث فقط للمحاربين القدامى، "بل يمكن أن يصيب جميع الناس من أي عرق أو جنسية أو ثقافة وفي أي عمر".
ولأن الكثير من البلدان العربية يشهد نزاعات مسلحة واضطرابات سياسية وأمنية، كما الحال في لبنان والعراق وسوريا واليمن والسودان وغيرها، فضلاً عن تعرض المنطقة أيضاً لكوارث طبيعية كما شهدنا في الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا وسوريا، فإن سكان هذه المناطق معرّضون أكثر من غيرهم لخطر الإصابة بهذا الاضطراب وظهور عوارض مختلفة عليهم، تحتاج إلى متابعة ودعم نفسيين.
بالنسبة إلى الخبيرة الاجتماعية والنفسية لانا قصقص، فإن "التعرض المستمر للحروب والنزاعات المسلحة يؤثر حتماً على تعرض الأشخاص لاضطراب ما بعد الصدمة. ولهذا الأمر جذور اجتماعية واقتصادية وثقافية إلى جانب السبب المباشر المرتبط بالتعرض للصدمة نفسها، الناتجة عن اشتباك مسلح أو انفجار أو نجاة من موت محتّم".
الحروب تؤثر على البنية الاجتماعية للمجتمع، كما تقول قصقص لـ"ارفع صوتك"، بالتالي فإن "الهوية الاجتماعية والتركيبة النفسية يمكن أن تتعرض للكثير من التغييرات، لأن الأشخاص بسبب الحروب ينتج لديهم تغيير في القيم والعادات والسلوكيات والمعتقدات، بسبب الصدمات المتكررة كآلية تأقلم مع الواقع المأسوي الذي يتعرضون له"، وفق تعبيرها.
وتتابع: "ينتج عن ذلك تأثير لهذه الصدمات على العلاقات الاجتماعية بين الأشخاص، وهذا يؤثر بشكل مباشر على طريقة التعاطي التي تحمل الكثير من التوتر والغضب. كما أن المصابين بهذا الاضطراب يمكن أن يكوّنوا آليات تأقلم سلبية، مثل التبعية للمجموعة، لأنهم يشعرون أنها الملاذ الآمن، ما يعزز التبعية والعصبية".
وتلفت قصقص إلى أن الحروب تؤثر على الجانب الاقتصادي، ما يخلق نوعاً من عدم الأمان النفسي ويعزز ظهور اضطرابات ما بعد الصدمة.
وتلخص العوارض التي يجب الانتباه إليها على أنها مؤشرات إلى الإصابة بهذا الاضطراب، بـ"قلق مزمن، وشعور بمشاعر سلبية مزمنة، وخوف مستمر، وتغيير في عادات النوم وفقدان أو زيادة الشهية إلى الطعام، والتعرض لكوابيس خلال النوم، والعزلة الاجتماعية، أو تعلّق مرضي بالأشخاض الآخرين".
وتطلب قصقص عبر "ارفع صوتك" من الأشخاص الذين يشعرون بهذه العوارض ألا يترددوا في طلب الدعم النفسي المباشر، وأن يحاولوا الحفاظ على نظام سليم، عبر ممارسة الرياضة والنوم جيداً واتباع الحمية إذا أمكن "لأن هذه الأمور تساعد كثيراً"، على حد قولها.
هل تعلم أن اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) يؤثر على ملايين الأشخاص في جميع أنحاء العالم؟ إنها حالة صحية عقلية يمكن أن تتطور بعد تجربة أو مشاهدة حدث صادم.
— Arab Therapy - عرب ثيرابي (@arab_therapy) June 27, 2023
#صحة_نفسية #عرب_ثيربي #علاج_نفسي #mentelhealth #صحةنفسية pic.twitter.com/AwBsiF9LjF
مسؤولية تأمين خدمات الدعم النفسي الاجتماعي للأشخاص المصابين باضطراب ما بعد الصدمة، تقع على الدولة والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، وهذا يجب ان يكون، دائماً بحسب قصقص "ضمن برامج ممولة من الدولة، لكن للأسف لا نجده في الكثير من البلدان العربية التي تشهد اضطرابات ونزاعات".
وتشرح أن اضطراب ما بعد الصدمة يأتي بدرجات، وفي الحالات منخفضة الحديّة من هذا الاضطراب قد يعاني المصاب من بعض الأعراض دون أن يعرف أنها مرتبطة فعليا باضطراب ما بعد الصدمة.
من هذه الأعراض "تغير في المزاج، والكوابيس خلال النوم، ومخاوف لا يجد لها الشخص تفسيرات منطقية. وهنا تكمن أهمية التوعية والدعم والتشجيع على طلب المساعدة"، تبيّن قصقص، مشددة أن التوعية مسؤولية المنظمات الحكومية والدولة والجمعيات، التي يجب أيضاً أن توفر الدعم اللازم لكل من يحتاجه.
