شارع مظلم في بيروت
السلطات في العراق تشك بامتلاك الجماعة أسلحة- صورة تعبيرية

"هل وصلوا إلى لبنان؟" كان السؤال الأبرز الذي تكرر لدى الرأي العام اللبناني خلال الأيام الماضية، وذلك بعد تقارير صحفية ربطت بين حادثتي انتحار شهدتهما الضاحية الجنوبية لبيروت، وبين جماعة "القربان"، التي ذاع صيتها الشهر الماضي في العراق، حيث قيل إنها تختار بالقرعة من بين أعضائها من يجب أن ينتحروا. 

كان أبرز ظهور إعلامي لهم في بيان صادر عن وكالة الاستخبارات والتحقيقات في وزارة الداخلية العراقية، في شهر مايو الماضي، أعلنت فيه إلقاء القبض على أربعة أشخاص في قضاء سوق الشيوخ بمحافظة ذي قار، قالت إنهم من أعضاء جماعة "القربان"، وأحالتهم إلى التحقيق واصفة الجماعة بـ "المنحرفة". 

وانتشر بعدها سيل من التقارير والتحقيقات التي حاولت تشريح أفكار ومعتقدات هذه الجماعة، والتي أجمعت بمعظمها على تأليههم للإمام علي بن أبي طالب، متحدثة عن ممارسات متطرفة لا تتوقف عند "الانتحار بالقرعة" بين أعضائها، كنوع من تقديم القربان البشري.

الأمر أثار قلقا وخوفا في المجتمع اللبناني، من إمكانية انتشار أفكار متطرفة من هذا النوع في الدولة التي تشهد أصلاً أزماتها الخاصة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، وما أفرزته من ارتفاع في نسب البطالة والجرائم والتسرب التعليمي، وتدهور في واقع الصحة النفسية، فضلا عن تزايد حالات الانتحار المسجلة. 

انتحار صادم يثير التكهنات

بتاريخ 29 يونيو، سجل انتحار شاب علي فرحات في منطقة حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت، وذلك بعدما رمى بنفسه من الطابق الثالث وهو عارٍ من ملابسه. الشاب اللبناني كان قد وصل قبل أسبوعين إلى لبنان قادما من كندا، مكان إقامته، برفقة زوجته وطفلهما. 

كاد الخبر أن يمر مرور الكرام لولا أن زوجته، فاطمة فخر الدين، وبعد ساعات من انتحاره، قفزت بدورها من أعلى بناء في منطقة حي السلم محاولة الانتحار، بجسد عارٍ هي أيضا، إلا أنها لم تصطدم فورا بالأرض ما حال دون وفاتها، الأمر الذي أثار تساؤلات، ودفع الأجهزة الأمنية إلى فتح تحقيق خاص بالواقعتين، لاسيما بعدما جرى حديث عن ارتباط لعلي وزوجته بجماعة "القربان"، وأنهم كانوا ضحايا "قرعة الانتحار" التي وقعت عليهما. 

كثيرة هي المعلومات والفرضيات التي طرحتها التقارير الإعلامية حول صلة فرحات بتلك المجموعة المتطرفة، بعضها يتحدث عن انضمام علي وزوجته إلى هذه الجماعة في كندا، وآخرون يقولون في أفريقيا، والبعض الآخر يتحدث عن العثور على دلائل في هاتف علي تكشف ارتباطه بهذه الجماعة، وسط تناقل روايات تتحدث عن سلوكيات غريبة سبقت ورافقت واقعة الانتحار، إلا أن أيّا من هذه الروايات لم يجر تأكيده من مصدر موثوق حتى اللحظة. 

ورغم أن تقارير إعلامية نقلت عن أهل علي "صدمتهم" جراء اكتشاف انضمام ولدهم لهذه الجماعة، إلا أن بيانا منسوبا إليهم نفى كل ما ورد في الإعلام من معلومات تربط ولدهم بهذه الجماعة، طالبين من الوسائل الإعلامية توخي الحذر والدقة في نقل المعلومات، واصفين المعلومات المتناقلة بأنها "تكهنات وفرضيات وادعاءات كاذبة" غير مقرونة بأي أدلة، مبدين استنكارهم لها. 

وفي اتصال مع موقع "الحرة" أكد عم الشاب، علي فرحات، أن التحقيقات حتى الآن لم تصل إلى نتيجة حول هذا الأمر، ولم تصل إلى أي جديد في اليومين الماضيين، وبالتالي ليست هناك أي رواية دقيقة بانتظار ما ستكشفه الأجهزة الأمنية.

وكانت صحيفة "نداء الوطن" اللبنانية أول من نشر تقريرا حول هذه الواقعة وطرحت فرضية ارتباط فرحات بهذه الجماعة بناء على معلوماتها، فيما يتحدث التقرير عن تدخل للسلطات الكندية في القضية، وإغلاق مخيمات صيفية تابعة لجمعية إسلامية تسمى "الهدى" ومركز "الولاية"، في كندا، وذلك "خشية أن يكون هدفها تعميم ثقافة التطرف الديني بين الشباب"، بحسب الصحيفة. 

هذا الأمر نفاه أيضا البيان المنشور لعائلة فرحات، حيث أكد أنه "لا يوجد حتى الآن أي تدخل من الدولة الكندية بما جرى على صعيد التحقيق مع العائلة"، مكتفين بنفي رسمي صادر عن الجمعيتين حول إقفال مخيمات لهما وتوقيف أنشطة، حيث أكدتا أن إلغاء أحد المخيمات التي كانت ستقام ناتجة عن عطل طرأ على إمدادات المياه للمخيم، لم يكن ممكنا معه الإبقاء على المخيم نتيجة الحاجة للمياه وارتفاع درجات الحرارة. 

موقع "الحرة" تواصل مع الصحفية رمال جوني، معدة التقرير، للوقوف على معلوماتها ورأيها من بيانات النفي للرواية التي قدمتها، إلا أنها اعتذرت عن التصريح "لأسباب صحية". 

التحقيقات ترصد تصرفات غريبة 

مصدر في قوى الأمن الداخلي، التي تتولى التحقيقات اليوم في هذه القضية، أكد في تصريح لموقع "الحرة" أن تحقيقات الأجهزة الأمنية لم تبيّن حتى الآن أي صلة لما حصل بجماعة "القربان"، موكدا أن التحقيقات لا تزال مستمرة في القضية. 

وأضاف المصدر، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه لعدم امتلاكه إذنا بالتصريح، أن التحقيقات بينت انخراط الشاب "بنوع معين من الشعائر والتصرفات الغريبة جدا، كرفض التكنولوجيا وعدم النوم على السرير وغير ذلك، فضلا عن غرابة فعل الانتحار وهو عارٍ، لكن لم يتضح بأي جماعة يرتبط فعليا". 

وإذ يستبعد المصدر المعلومات المتداولة عن تواجد لـ "جماعة القربان" في لبنان، يؤكد أن الأجهزة الأمنية تدقق أيضا في هذه الادعاءات، واصفا المعلومات المتناقلة اليوم بـ "تحليلات، ونحن لا نستطيع أن نحلل وإنما نحقق ونعتمد على ما يظهره التحقيق، وهذا يحتاج إلى وقت لكشف كامل الملابسات". 

وبحسب المصدر فقد جرى التحقيق مع الزوجة أيضا، وقد نفت ارتباطها بهذه الجماعة، دون أن تكشف عن تفاصيل جديدة، لافتا إلى أن "ما فعلته الزوجة، في محاولة انتحارها، لا يقل غرابة أيضا".

"انحرافات مرفوضة"

وقد أعادت هذه الواقعة التذكير بجماعة شيعية متطرفة أخرى كانت قد تواجدت في بعض القرى جنوبي لبنان، تسمي نفسها "حزب الأمير"، تؤله بدورها علي بن أبي طالب، وتمارس طقوسا خاصة وغريبة، ارتبط اسمها في النهاية بجريمة قتل في بلدة عربصاليم جنوبي البلاد، لتنقطع أخبارها من بعدها. 

وأثيرت مخاوف من إمكانية عودة اتجاهات فكرية متطرفة ومغالية كتلك للظهور، في الوسط الشيعي في لبنان، بعدما ثبت حضورهم في العراق خلال الفترة الماضية. 

يؤكد الشيخ، ياسر عودة، لموقع "الحرة" على عدم تواجد "جماعة القربان" في لبنان، وفق معلوماته، ويضيف "ولكن من الممكن أن يتواجد لهم أتباع في لبنان، ففي النهاية لبنان مفتوح على كل العالم وثقافاته، إضافة إلى أن منابر المغالاة واستغلال أهل بيت النبوة متواجدة أيضا في لبنان".

ويشير إلى زنه "وبتواجد أشخاص يعيشون حالات نفسية مرضية معينة، وفي ظل ضائقة اقتصادية ومعيشية بسبب فساد السلطة الحاكمة، يمكن أن تجد من ينتحر قربةً للإمام علي أو أهل بيت النبي أو أي أحد آخر".

من جهته يرى الشيخ، محمد الفوعاني، أن هذه المجموعات "تسير على نهج شيطاني لا ينتمي إلى الإسلام والتشيع بصلة"، واصفا تأليههم للإمام علي بأنه "كفر وزندقة لا يمكن القبول بها إسلاميا لدى مختلف المذاهب أو المراجع". 

ويضيف أنه وفي زمن مواقع التواصل الاجتماعي، وما يمكن أن تحمله من أفكار عابرة للحدود، قد تحضر هكذا جماعات في لبنان، "ولكن ليس بحجم كبير، وإنما يبقون في الظل، فالبيئة الشيعية في لبنان حتما غير حاضنة لهكذا جماعات ولا متجاوبة مع أفكار كتلك لا من قريب ولا من بعيد".

ويشدد الفوعاني في حديثه لموقع "الحرة" على "عدم تواجد لفكرة القربان في كل العالم الإسلامي، ولا في القرآن الكريم ولا في السنة الصحيحة، ليس هناك أي تواجد في الدين الاسلامي لفكرة تقديم النفس كقربان عبر الانتحار عراة".

يروي عودة، من جهته، نشأة "جماعة القربان" في العراق، في ظل حكم صدام حسين، ويقول: "انطلاقتهم كانت من ذي قار، اتجهوا ليحسبوا أنفسهم على آل الصدر، وتحديدا السيد محمد صادق الصدر، وفي حينها تبرأ منهم بشكل واضح، فخفت تواجدهم وما عادوا يظهرون أنفسهم، ليعاودوا الظهور مؤخرا". 

ويشدد على أن الجو العام للبيئة الشيعية في لبنان لا يقبل بصورة عامة هذه الأفكار، "ولا يمكن لجماعات كتلك أن تحضر بصورة فاقعة في المجتمع".

ويوضح أن علماء الشيعة في جبل عامل (جنوب لبنان) والبقاع في لبنان، لم يكن لديهم تاريخيا هذا التطرف الفكري ولم تكن في خطاباتهم المغالاة، "رغم أن هذه التيارات كانت متواجدة تاريخيا في دول أخرى كالعراق أو إيران، لكنهم لم يصلوا إلى لبنان، لأن المراجع الكبار هنا كانوا بعيدين عن تلك الأفكار وبقي الناس متأثرين بهم". 

ولا يبدي عودة استغرابا من ظهور جماعات متطرفة كتلك، ويقول إن "هناك مجلدات محشوة بمئات الروايات المجموعة عشوائيا والتي تتضمن كثيرا من المغالاة والتطرف والمخالفة لكتاب الله، تجد فيها هذه الجماعات منطلقا، وهنا مسؤولية المجاميع العلمية والمرجعيات ورجال الدين أن يخاطبوا المجتمع في هذه القضايا وعدم تجنبها".

ويختم "نحتاج لمن يتجرأ اليوم على انتقاد هذه الممارسات والأفكار، وقد حاول كثيرون من قبل أن يقوموا بهذا الدور فجرى تكفيرهم ومهاجمتهم، وبالنتيجة نحصل على تراث موبوء مخالف لكتاب الله". 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".