ازدادت أعداد الجائعين وتفاقمت أزمة الغذاء في العالم العربي بنسبة تصل إلى 55% خلال السنوات العشرة الأخيرة. وتقدر منظمات تابعة للأمم المتحدة أعداد من عانوا من انعدام الأمن الغذائي الشديد في المنطقة بنحو 53.9 مليون شخص.
هذه النسبة التي تحدثت عنها تقارير لمنظمات أممية مستمرة بالارتفاع منذ عشرين سنة، والسبب "الأزمات الممتدة والاضطرابات الاجتماعية والتعرّض لصدمات وضغوط متعددة مثل النزاعات والفقر وعدم المساواة وتغيّر المناخ وندرة الموارد الطبيعية "، بحسب منظمة الأغذية العالمية.
ونقل تقريرها عن عبد الحكيم الواعر، المدير العام المساعد للمنظمة وممثلها الإقليمي للشرق الأدنى وشمال أفريقيا قوله: "لا تزال النزاعات تشكل أحد الأسباب الرئيسية للجوع في المنطقة. حيث يواجه أكثر من 53 مليون شخص الجوع في البلدان والمناطق التي تشهد نزاعات، وهو رقم أعلى بأكثر من ستة أضعاف الرقم في البلدان التي لا تشهد نزاعات".
هذه الأرقام تشكل زيادة بنسبة 55% عن العام 2010. لكنها معرضة للزيادة بسبب تفاقم الأزمات والصراعات. ومع توقعات أممية بوصول عدد سكان المنطقة العربية عام 2050 إلى 655 مليون نسمة فإن الأمر سيشكل ضغطاً كبيراً على الموارد المتاحة.
تحديات الجائحة
زاد من حدة الأزمة ورفع حجم التحديات فيما يتعلق بالأمن الغذائي العربي، بحسب دراسة للمركز العربي الديمقراطي، "التداعيات الاقتصادية المرتبطة بجائحة كوفيد- 19"، حيث أدرك العالم العربي عندها "مدى أهمية الأمن الغذائي".
والأسباب التي أدت لذلك، وفق الدراسة: "الإغلاقات لمختلف القطاعات الاقتصادية، منها سلاسل إمداد الغذاء العالمية، خاصة على صعيد التصنيع الغذائي وإغلاق الأسواق، وفرض قيود على حركة البضائع والأفراد التي نتج عنها نقص في الأيدي العاملة المساهمة في الإنتاج الزراعي".
وأشارت إلى أن المنطقة العربية كانت "الأكثر تضرراً بأزمة الغذاء العالمية نظراً لاعتماد أغلب دولها على استيراد أكثر من 50% من احتياجاتها الغذائية، حيث تعتمد بشكل أساسي على استيراد حاجتها الأساسية من المواد الغذائية رغم توفر الموارد الطبيعة اللازمة للزراعة".
وتستورد الدول العربية قبل بدء الأزمات بحسب الدراسة "حوالي نصف احتياجاتها من الحبوب و63% من الزيوت النباتية، و71% من السكر، وقد مثلت هذه السلع حوالي 76% من قيمة فجوة السلع الغذائية الرئيسية عام 2007".
وأفادت الدراسة، أن "معظم الدول العربية تواجه تحديات متعددة الأوجه والأبعاد إزاء مواجهة تداعيات جائحة كورونا على الأمن الغذائي، تتمثل في صعوبة الوصول لأسواق مدخلات الإنتاج بسبب سياسة الإغلاق وما نتج عنها من نقص بالإنتاج وارتفاع بالأسعار، ونقص العمالة نتيجة لتقييد حركة الأفراد(.....) وانخفاض المخزونات الإستراتيجية للدول دون تعويض نتيجة نقص الإنتاج والحاجة لتلبية الاستهلاك المحلي".
الحرب الأوكرانية
ما إن بدأت الدول بالتعافي من مخرجات الجائحة حتى تصدرت الحرب الروسية الأوكرانية نشرات الأخبار، لتزيد من حجم الأزمة وترفع أسعار المواد الغذائية عالميا.
وبحسب دراسة حملت عنوان "أثر الحرب الروسية الأوكرانية على الأمن الغذائي العربي"، كانت الدول العربية حتى قبل الحرب "تعاني من وجود فجوة في إنتاج السلع الغذائية، لقلة حجم الأراضي المستغلة للزراعة التي لا تتجاوز نسبتها 31% من مساحة الأراضي الصالحة للزراعة".
كما يمكن ملاحظة "توسع المناطق الحضرية على حساب الريفية، وشح الموارد المائية وضعف كفاءة الري وبرامج استصلاح الأراضي"، وفق الدراسة.
وتابعت: "أعاقت الحرب المستعرة بين روسيا وأوكرانيا وصول ملايين جديدة من سكان الدول العربية إلى مصادر التنوع الغذائي للحفاظ على أُسلوب حياة صحي يقلل من الأمراض المرتبطة به، فالدول العربية تستحوذ وحدها على 11% من صادرات القمح العالمية، واستيرادها نحو 13.165 ألف طن من القمح من روسيا، ونحو 7.598 ألف طن من أوكرانيا، ما يمثل 42.1% من مجمل صادرات طرفي الأزمة".
وأكدت الدراسة أن مصر هي "أكبر مستورد للقمح في العالم وأكبر مشتر للقمح الروسي الذي استوردت 22% من صادراته في عام 2020، وكذلك المستورد الأول للقمح الأوكراني إذ استوردت في ذات العام نحو 17% من صادراته"، ما بقية الدول العربية "فليست أحسن حالاً أو أقل اعتماداً".
وعلى وقع هذه التحديات أطلقت جامعة الدول العربية مبادرة القضاء على الجوع في المنطقة والتعامل مع تحديات الأمن الغذائي في أكتوبر 2022.
وبحسب بيان توقيع المبادرة، فإن تحديات الأمن الغذائي التي تواجه المنطقة العربية :"تسببها الصراعات طويلة الأمد والاحتلال، وتضاؤل الموارد الطبيعية لإنتاج الغذاء، والاعتماد الكبير على الواردات. وتؤدي لهشاشة النظم الغذائية والركود الاقتصادي والارتفاع في معدلات البطالة".
جوع تغذيه الصراعات
عززت الحروب والصراعات من نقص الغذاء في العالم العربي بشكل كبير. وقالت منظمة الأغذية والزراعة، إن الأزمات المستمرة "تحول دون تحقيق هدف القضاء على الجوع بحلول 2030".
جاء ذلك في تقرير حمل عنوان "نظرة إقليمية عامة حول حالة الأمن الغذائي والتغذية في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا"، ركز على "فجوة الجوع الواسعة بين الدول التي تشهد نزاعات وغيرها من الدول".
وسلط الضوء على الدول التي تعاني من الصراع في العالم العربي وهي سوريا واليمن وليبيا والسودان.
ونقل التقرير عن عبد السلام ولد أحمد، مساعد المدير العام لمنظمة الأغذية قوله: "عندما تعاني دول المنطقة من تصاعد العنف، فإن تحقيق هدف معالجة أهم مشاكل المنطقة من سوء التغذية وندرة المياه والتغير المناخي يصبح أكثر صعوبة ولكنه يصبح في الوقت ذاته أكثر إلحاحاً".
الأزمة الغذائية الأعنف كانت في اليمن حيث "يعاني أكثر من 80% من سكانه تحت وطأة الحرب المستمرة منذ عام 2015، من نقص الطعام والمياه والوقود وصعوبة في الحصول على رعاية صحية".
وحذر التقرير من أن اليمن "يوشك على السقوط في براثن أزمة جوع كارثية"، حيث يصل عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدات غذائية فيه إلى 17.4 مليون شخص، وتواجه نسبة متزايدة من السكان مستويات طارئة من الجوع.
كما قال برنامج الأغذية العالمي، إن حوالي 12.1 مليون شخص في سوريا، أي أكثر من نصف عدد السكان، يعانون انعدام الأمن الغذائي، ما يجعلها من بين البلدان الستة، التي تعاني من أعلى معدلات انعدام الأمن الغذائي في العالم.
ومع تداعيات النزاع المسلح في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع، فإن التقديرات الأممية تشير إلى أن ثلث سكان السودان (16 مليون شخص) سيعاني أزمة جوع متصاعدة، بالتالي زيادة التداعيات المؤلمة للأزمة، ليس في السودان فحسب بل في الدول المجاورة أيضاً.
هذه الأزمة عبَّر عنها وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، مارتن غريفيث، في تدوينة عبر موقع "تويتر"، أظهر فيها قلقه البالغ حيال الحرب في السودان، معلناً أن "نحو 16 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية"، ومحذراً من "أن تصاعد العنف لن يؤدي سوى إلى تدهور الوضع".
ولا يبدو الوضع أفضل في ليبيا التي يعاني ثلث سكانها هي الأخرى من انعدام الأمن الغذائي ومعاناة أعداد كبيرة من الأطفال أمراض سوء التغذية، بحسب تقرير منظمة الأغذية.
يكمن الحل الوحيد للدول العربية للخلاص من أزمة الجوع التي تغذيها الصراعات والحروب بحسب دراسة مركز الديمقراطية العربي، بدراسة إمكانيات وفرص التكامل الغذائي العربي من أجل تعزيز الأمن الغذائي لكافة دول المنطقة، وذلك عبر الاستثمار في مشروعات زراعية عربية مشتركة.
وأكدت على أن ذلك هو الخيار "الأفضل" في ظل "وجود فوائض مالية عربية ضخمة، وأراضٍ عربية شاسعة قابلة للزراعة، وموارد وتجارب عربية متميزة في مجالات عدة ترتبط بشكل أو بآخر بعملية إنتاج الغذاء، ولا ينقصها فقط غير التكامل".