صورة أرشيفية لشرطة ألمانية تلقي القبض على بعض المهاجرين - تعبيرية
صورة أرشيفية لشرطة ألمانية تلقي القبض على بعض المهاجرين - تعبيرية

ألقت أجهزة الأمن الألمانية القبض على مواطن عراقي بدعوى انتمائه إلى تنظيم داعش الإرهابي، والتورط في جرائمه منذ عام 2014.

ومنذ عام 2002، تبنّت برلين ما عُرف بـ"مدونة الجرائم ضد القانون الدولي" التي جرى تعديلها في ديسمبر 2016، ومنحت للقضاء الألماني في ملاحقة مرتكبي "الجرائم الأساسية" التي تضمّنت القتل العمد والتهجير القسري والإبادة الجماعية وغيرها من الفظائع التي اعتبرها المشرّع الألماني "جريمة عالمية".

ويسمح مبدأ "الولاية القضائية العالمية" لألمانيا بملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية وبجرائم الحرب والقبض عليهم حتى لو لم يرتكبوا تلك الانتهاكات على أراضٍ ألمانية أو بحقِّ مواطنين ألمان، وهو ما جرى تطبيقه على المتّهم العراقي.

أحدث تطبيقات هذا المبدأ في ألمانيا كان عبر محكمة كوبلينز، التي قضت بمعاقبة الضابط السوري إياد الغريب بالسجن 44 سنة بسبب قتله عشرات المتظاهرين قرب العاصمة السورية دمشق، وهو ما تكرّر لاحقاً مع الضابط أنور رسلان.

 

عالمية الحق في العقاب

وفقاً لدراسة "الولاية الجنائية العالمية" لأستاذ القانون الجنائي أحمد لطفي، فإن امتداد ولاية القضاء الوطني خارج حدود الدولة وملاحقة جرائم جنائية تقع في دولة أخرى خضع لمبدأ "الحماية الذاتية للدولة"، الذي يختصُّ بجرائم بعينها تكون الدولة فيها مجنياً عليها، مثل تزييف العملة وتقليد الختم الحكومي وأيضاً التخطيط لتنفيذ هجمات تمسُّ بأمن الدولة.

أيضاً أقرَّ القانون الجنائي الدولي للحكومات أن تتجاوز هذه التصنيفات، بعدما منحها صلاحيات أكثر لقمع ما عُرف بـ"الجرائم الدولية" التي تتضمّن ارتكاب أحد مواطنيها لفظائع بحق الإنسانية، وحرصاً على عدم إفلات مرتكبيها من العقاب، أصبح من حق محاكم الدول ملاحقتهم جنائياً حتى لو لم يرتكبوا أي جرائم داخل حدودها الإقليمية.

وفي ظِل ظهور المصالح الدولية المشتركة التي تربط بين عددٍ كبيرٍ من الحكومات ما يجعل أي أزمة كبرى تمرُّ بها إحدى الدول عنصراً مؤثراً على باقي الدول المجاورة لها، تطور مفهوم "العقاب الجنائي الدولي" ليتجاوز حدود الدولة أو حتى انتماء أيٍّ من الجناة أو المجني عليهم إلى الجريمة، وإنما باتت تستهدف تحقيق قيم أساسية وهي حفظ السلم والأمن العالمي، الذي يُعتبر مصلحة جوهرية يجب أن تحرص عليها جميع الدول حول العالم.

يقول لطفي: "هكذا برزت إلى السطح فكرة منح المحاكم الجنائية داخل الدول صلاحية تتبُّع وملاحقة مرتكبي بعض الجرائم ذات الطابع الدولي شديد الجسامة، التي تعتبر عدواناً على المصالح المشتركة للجماعة الدولية".

ومثّل هذا المبدأ خروجاً عن المعايير التقليدية والقديمة لاختصاص القضاء الجنائي الوطني من أجل التعاون القضائي في قمع جرائم شديدة الخطورة يمثّل التراخي عن معاقبة مرتكبيها ضرراً كبيراً على البشر جميعاً، وفق لطفي.

وأطلق الفقيه القانوني الفرنسي هنري فابريس، رئيس محكمة نورمبرج التي عُقدت لمحاكمة القادة النازيين بعد الحرب العالمية الثانية، على هذا النهج القانوني "عالمية الحق في العقاب".

في 2005 وضع معهد القانون الدولي تعريفاً محدداً للولاية الجنائية العالمية، أكّد فيها اختصاصها في مباشرة هذه الجرائم أو ما يشابهها، وهي: "إبادة الجنس البشري، والجرائم ضد الإنسانية، وانتهاك اتفاقية جنيف بشأن حماية ضحايا الحرب، والانتهاكات الجسيمة التي تقع خلال النزاعات المسلحة".

 

جذور "عالمية العقاب"

وجوب وضع آلية دولية لمعاقبة عتاة المجرمين ليس وليد السنوات الأخيرة، حيث ظهرت أمثلة عديدة في العصور القديمة، مثلما جرى خلال عهد الإمبراطور الروماني جوستنيان، الذي حدّد أحد قوانينه عدة إجراءات يتخذها حكام الولايات التابعة لإمبراطوريته ضد مرتكبي بعض الجرائم، مثل التشرد وسرقة منقولات في مدينة ونقلها لمدينة أخرى وأيضاً قطع الطرق وترويع المسافرين.

جميع هذه الجرائم مُنحت الولايات الرومانية الحقّ في ملاحقة مرتكبيها ولو لم يقوموا بها ضمن حدود مُدنهم.

وكذلك في العصور الوسطى -التي عاشتها أوروبا عقب انهيار دولة الرومان- امتلكت محاكم المُدن الإيطالية صلاحية قضائية واسعة ضد المجرمين الخطرين الذين نفّذوا جرائم في مُدن أخرى ثم هربوا منها.

ويُعدُّ الفقيه القانوني الهولندي، هوجو جروتيوس، مِن أوائل الذين طرحوا مبدأ "عالمية العقاب"، قائلاً إن "الملوك لهم الحق في العقاب، ليس فقط عمّا يقع عدواناً عليهم أو على رعاياهم وإنما عما يتضمن مخالفة جسيمة للقانون الطبيعي أو قانون الشعوب، أيّاً كان من وقع عليه هذا الانتهاك، ولا يقتصر الأمر على الانتهاكات التي تقع على رعاياهم".

هذه الدعوى أيّدها فقيه قانون آخر هو إمير دي فاتيل، الذي أكد ضرورة ملاحقة "الأشرار الذين ينتهكون الأمن العام ويكشفون عن عداءٍ للبشرية"، واعتبر أن القرصنة واحدة من تلك الجرائم التي يُمكن تصنيفها أنها ضد الإنسانية جميعاً.

بعدها ظهر "الاختصاص العالمي" واضحاً في بعض التشريعات المحلية لعددٍ من الدول مثل الأرجنتين عام 1884 ثم إيطاليا 1889 ومن بعدها بلجيكا 1937 وفرنسا 1994.

 

هل يتناقض مع صلاحيات "المحكمة الجنائية الدولية"؟

لا يُعدُّ "الاختصاص العالمي" لمحاكم الدول متناقضاً مع نشاط المحكمة الجنائية الدولية بل يُنظر لهما على أنهما مكمّلين لبعضهما البعض.

وبينما يُمكن للمحكمة الدولية ممارسة اختصاصاتها في محاكمة مرتكبي الجرائم الإنسانية الكبرى حال تقاعس أو عجز الدولة عن ملاحقة المجرمين داخل حدودها أو خارجها، فإن المحكمة الجنائية مكبّلة بعدم قُدرتها على العمل إلا في الدول التي وقّعت على لائحتها الرئيسة المعروفة بِاسم "نظام روما الأساسي".

في كلا الأمرين تستندُ الجهات القضائية إلى مرجعيتين مختلفتين؛ فالمحكمة الجنائية الدولية تعتمد على القوانين والاتفاقات الدولية الموقّعة بين الحكومات وبعضها، أما المحاكم المحلية التي تنظر قضايا دولية فإنها تنطلق بموجب قوانينها الوطنية التي كفلت لها نصوصها حق ملاحقة مرتكبي الفظاعات خارج حدود البلاد.

هذا التباين يلعب دوراً مؤثراً في طبيعة الأحكام التي سيتخذها قضاة كل محكمة بموجب استنادهم إلى قواعد قانونية مختلفة.

وعدم امتلاك المحكمة الجنائية الدولية صلاحيات تمارسها إلا في الدول الخاضعة لبروتوكول تأسيسها، جعلها خاضعة بشكلٍ ما لمبدأ الاختصاص الجنائي الإقليمي بعكس مبدأ الدولية الذي أقرّه مبدأ الاختصاص العالمي، ومنح المحاكم المعتمدة عليه الحق في الاستناد إلى قوانينها الجنائية الوطنية في ملاحقة المجرمين حول العالم.

ودعا عدد من الخبراء القانونيين لأن تتبنّى المحاكم الجنائية الدولية مبدأ الاختصاص الجنائي العالمي لمنح المحكمة الفاعلية اللازمة وزيادة قُدرتها على منع المجرمين من الإفلات من العقاب معتبرين أنه "لا نجاح لمحكمة جنائية دولية إلا باختصاص عالمي".

 

أبرز الملاحقين بالعدالة الدولية

تظهر الكثير من الدول تردداً كبيراً في تطبيق مبدأ "الولاية العالمية" بسبب المشاكل الدبلوماسية التي تخلقها مثل هذه النوعية من القضايا.

في بلجيكا استغل بعض الضحايا بنود القانون لملاحقة خصومهم، وهو ما جرى مع عبد الله ياروديا، وزير خارجية الكونغو، وآرييل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبقز

هذه القضايا أوقعت الحكومة البلجيكية في حرج، بعدما نظرت محاكمها قضايا تدين مسؤولي دول أخرى لا يزالون في مناصبهم، كما اعتُبر مساساً بمبدأ الحصانة الدولية لقادة الحكومات، لذا أُجريت تعديلات في 2002 عدّلت بعض بنود القانون وأغلقت باب ملاحقة المسؤولين.

رغم هذا التعديل، فوجئت بلجيكيا برفع دعاوى أخرى ضد الرئيس الأميركي جورج بوش الأب وعددٍ من العسكريين الأميركيين بدعوى مسؤوليتهم عن حرب الخليج الأولى، ما كاد أن يسبّب أزمة مع الولايات المتحدة انتهت بإقرار تعديلٍ آخر على القانون، يجعل من حقه فقط رفع الدعاوى على النائب العام البلجيكي.

أيضاً في إسبانيا، نظرت محاكمها قضية ضد الجنرال بينوشيه، رئيس تشيلي السابق، الذي لجأ إلى بريطانيا في توقيت محاكمته. حينها أمر القاضي الإسباني بالقبض على بينوشيه بدعوى أنه ارتكب جرائم تعذيب وإبادة في بلاده، واستجابت السُلطات البريطانية للأمر القضائي ووضعت الجنرال التشيلي تحت الإقامة الجبرية، ثم قررت ترحيله إلى تشيلي حيث عاش هناك لعامين حبيس داره ثم توفي خلال نظر إجراءات محاكمته.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".