اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
صورة تعبيرية لأيقونات مواقع التواصل حيث تتم ملاحقة ما تسميه الداخلية العراقية "المحتوى الهابط"

فور اندلاع العمليات العسكرية بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي حركة حماس، انهالت المشاركات عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة تناقش تفاصيل الأحداث وتستعرض جانباً منها.

في بعض الأحيان، اعتمد المشاركون فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.

ووجهت انتقادات كبيرة لموقع "إكس" (تويتر سابقاً) بسبب عدم قُدرته على تطبيق معايير أكثر صرامة لتدقيق المحتوى المنشور عبر منصته. وساهم عزم مالك الموقع إيلون ماسك دفع أموالٍ لأصحاب التدوينات الأكثر رواجاً في دفع عدد من المؤثرين لاستغلال الأحداث الكبيرة لصُنع الأموال بأي ثمن ولو عبر نشر أخبار كاذبة.

في هذا التقرير نستعرض أشهر الأخبار الكاذبة خلال الحرب المشتعلة الآن في قطاع غزة.

ممارسات المراقبة مربحة لمنصات التواصل الاجتماعي
في حرب إسرائيل وغزة.. لماذا تحذف منشورات على مواقع التواصل؟
وسط تحذيرات عدة لشركات مواقع التواصل الاجتماعي بشأن أي "محتوى غير قانوني"، يشتكي مستخدمون من حذف منشورات تحدثوا بها عن حرب إسرائيل وغزة الجديدة، في وقت تنتشر فيه معلومات كاذبة أو مضللة على شبكة الإنترنت، وتعمق الانقسامات الاجتماعية والسياسية.
 

امرأة إسرائيلية تحذر: اشتروا كل الطعام

 

انتشر على تطبيق "واتساب" مقطع صوتي بالعبرية لامرأة مجهولة تحذّر الإسرائيليين من أن الجيش الإسرائيلي يخطط لمعركة كبيرة، وسيكون من نتائج هذه المعركة انقطاع الماء والإنترنت ونفاد الطعام خلال أسبوع.

نتيجةً لهذا المقطع الصوتي هرع آلاف الإسرائيليين إلى البنوك والمتاجر للتزوّد بما يقدرون عليه من مال وطعام استعداداً لتلك المعركة الجديدة المرتقبة.

من جانبه نفى الجيش الإسرائيلي صحة هذه الرسالة وجميع المعلومات الواردة بها.  

بالمثل، فإن مقطعاً آخر حقق انتشاراً كبيراً من رجل زعم أنه جندي في الجيش أكّد للإسرائيليين أن عرب إسرائيل، الذين يُشكلون قرابة 20% من السُكان، يخططون لهجومٍ منسّق داخل إسرائيل عبر مركبات سيستقلونها ومنها يطلقون النار على الناس.

 

رؤوس أطفال مقطوعة!

 

نشرت عددٌ من المنصات الإخبارية الإسرائيلية قصصاً عن قطع حماس رؤوس أطفال عثر عليهم في المستوطنات. معلومة نقلها أيضا مكتب رئيس الوزراء الذي قال إنه تم العثور على أطفال "مقطوعي الرؤوس".

وخلال اجتماعه مع قادة الجالية اليهودية، كرّر الرئيس الأميركي جو بايدن نفس القصة، موضحا صدمته من رؤيته صور لأطفال إسرائيليين قُطعت رؤوسهم على أيدي مقاتلي حماس!

لاحقاً، تراجع البيت الأبيض عن هذه التصريحات، وأوضح أن بايدن اعتمد على مزاعم المسؤولين الإسرائيليين لكنه لم يرَ أي صورٍ ولم يتحقّق منها بشكلٍ دقيق.

أيضاً، تراجع الجيش الإسرائيلي عن هذه القصة، موضحا أنه لا يملك معلومات عن صحة هذه التقارير وأنه لا يملك وقتاً لتصحيحها بسبب انشغال جميع قادة الجيش في العمليات العسكرية.

 

لعبة Arma3 حاضرة في المشهد

 

كثيرٌ من المنشورات المتداولة، والتي تستعرض أجزاءً من المعارك بين الطرفين، جرى اقتطاعها من لعبة فيديو  Arma3 القتالية.

ظهر في أحد هذه الفيديوهات مقاتل يرتدي ملابس سوداء ويفجّر طائرة أباتشي عبر قاذفة صواريخ يحملها فوق كتفه. نُشر هذا المقطع بكثافة باعتباره يصوّر جندياً من حماس، لكنه ليس إلا مقطعا من اللعبة.

على الجانب الآخر، استُخدم مقطعٌ من اللعبة للترويج لبداية الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة عبر عمليات قصف مركزة حظي بملايين المشاهدات.

 

 

أوكرانيا لم تزوّد حماس بالأسلحة

 

راج مقطع فيديو حمل شعار هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" زعم أن مقاتلي حماس استعانوا في حربهم ضد إسرائيل بأسلحة زودتهم بها أوكرانيا.

وبحسب الفيديو، فإن أوكرانيا أرسلت إلى حماس آلاف الذخائر والقذائف النارية والطائرات بدون طيار وأسلحة أخرى حصلت عليها جميعاً من الولايات المتحدة لدعمها خلال الحرب مع روسيا.

أكدّت "بي بي سي" أنها لم تنشر هذا التقرير وأن الشعار الموضوع عليه ملفّق.

وحرص مسؤولون عسكريون أوكرانيون على نفي هذه الادعاءات، متهمين روسيا بالوقوف وراء هذه الحملة. واتهمت كييف موسكو بأنها تستهدف تشويه سُمعة أوكرانيا مع حلفائها الغربيين من أجل حرمانها من المساعدات التي تتلقاها منهم.

 

حماس لم تأسر جنرالا إسرائيليا

 

يقود الجنرال نمرود ألوني فيلق العمق والكليات العسكرية في الجيش الإسرائيلي. نشرت العديد من المواقع العربية أن ألوني تم أسره خلال هجوم حماس على مواقع عسكرية إسرائيلية. وتم نشر صور لرجل يشبهه تأكيداً لهذا الادعاء.

نفى الجيش الإسرائيلي هذه الأنباء، ونشر صور اجتماعٍ حضره عدد من كبار المسؤولين العسكريين الإسرائيليين بينهم نمرود ألوني.

فريق "سي إن إن" لم يفبرك فيديو عن الحرب!

 

تداول مستخدمو موقع "إكس" مقطع فيديو يُظهر عددا من صحفيي شبكة "سي إن إن" وهم يختبئون من إحدى الغارات. وزعم الفيديو أن المشهد مفبرك وأن الفريق كان يتلقى توجيهات عبر الهاتف بتمثيل مقطع يوحي بتعرضه للقصف.

مشهد القصف في الواقع حقيقي، لكن تم التلاعب بالفيديو صوتياً بحيث يوحي بأن الفريق يتلقى تعليمات بتمثيل المشهد.

 
 

سكان غزة لم يشعلوا الألعاب النارية

 

راج على موقع "تيك توك" هذا المقطع وحقق عشرات الملايين من المشاهدات زعماً بأنه ينقل جانباً من الأوضاع في غزة التي احتشد فيها أهلها وأشعلوا آلاف الألعاب النارية في سمائها.

 

لا علاقة لهذا الفيديو بالحرب الدائرة الآن وإنما جرى تسجيله من قبل في العاصمة الجزائر خلال احتفال مناصري فريق شباب بلوزداد بانتصار فريقهم في إحدى المباريات.

 

الاستعانة بفيديوهات قديمة

 

نشر السياسي البريطاني جيم فيرجسون  تغريدة عن وقوع غارة جوية ضد عدة مبانٍ في غزة خلال هذه الحرب. اعتمد فيرجسون على مقطع فيديو قديم جرى تصويره في غزة أيضاً، ولكن في 2021.

وكذلك نشر إيان مايلز تشيونج المدون الماليزي اليميني الذي يمتلك شعبية كبيرة على موقع إكس فيديو لعددٍ من المقاتلين وهم يقتحمون البيوت معلقاً: "حماس تنتقل من منزلٍ إلى منزل، وتذبح الناس في الداخل".

بعدما حظي هذا الفيديو بتفاعل زاد عن 7 ملايين، تبيّن أنه مقطع قديم خاص بالشرطة الإسرائيلية ولا علاقة لحماس به أو الحرب الحالية.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة
صورة أرشيفية لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة

من "منقذ مالي" للبنان ورمز للاستقرار الاقتصادي، إلى متهم بالاختلاس والفساد على المستويين المحلي والدولي.. هكذا تحولت مسيرة حاكم مصرف لبنان السابق، رياض سلامة، الذي قضى 30 عاماً على قمة السلطة المالية، قبل أن يصبح موقوفاً خلف القضبان.

قرر النائب العام التمييزي، القاضي جمال الحجار، الثلاثاء، توقيف سلامة بعد استجوابه على مدى نحو 3 ساعات، بشأن "شبهات اختلاس من مصرف لبنان". وقد ركز التحقيق، كما أوردت الوكالة الوطنية للإعلام، على ملف "أوبتيموم"، وهي شركة لبنانية تقدم خدمات الوساطة المالية.

وعقب قرار توقيف سلامة، صرّح الحجار بأن "الخطوة القضائية التي اتخذت بحق سلامة هي احتجاز احترازي لمدة 4 أيام، على أن يحال بعدها إلى قاضي التحقيق لاستجوابه واتخاذ القرار المناسب بحقه".

والأربعاء، نقلت وكالة رويترز عن مصدرين قضائيين، أن سلامة، الذي ألقي القبض عليه، الثلاثاء، بتهمة ارتكاب جرائم مالية، سيظل رهن الاحتجاز حتى موعد جلسة استماع "من المرجح أن تنعقد الأسبوع المقبل".

وأضاف المصدران أنه بعد استجوابه، "يمكن للقاضي الذي يرأس الجلسة أن يقرر ما إذا كان سيبقيه قيد الاحتجاز أم لا"، لافتين إلى أنه "لم يتم اتخاذ قرار بعد بشأن هذا الأمر".

وعلى مدار سنوات، كان سلامة يعتبر الركيزة الأساسية للنظام المالي اللبناني، لكن مع انهيار الاقتصاد في عام 2019، تغيرت هذه الصورة تماما.

فمع تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية، واجه اللبنانيون فقراً متزايداً، لاسيما مع تجميد ودائعهم في المصارف، وفقدان الليرة اللبنانية أكثر من 95 بالمئة من قيمتها مقابل الدولار، مما أدى إلى سخط شعبي "انفجر" في الشارع على شكل احتجاجات واسعة اندلعت في أكتوبر 2019.

التدهور المالي والاقتصادي الذي شهده لبنان، دفع القضاء اللبناني وعدداً من الدول الأوروبية، إلى فتح تحقيقات حول تورط سلامة في استغلال منصبه لاختلاس المال العام، وبناء ثروة بالفساد.

"مهندس" أم "ساحر"؟

تولى سلامة الذي يحمل الجنسية الفرنسية أيضاً، منصب حاكم مصرف لبنان عام 1993، بتعيين من رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، بعد مسيرة مهنية في شركة "ميريل لينش" المالية العالمية، وذلك بعد أن حائز على شهادة في الاقتصاد من الجامعة الأميركية في بيروت.

اعتُبر سلامة "مهندس السياسات المالية" في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية (1975-1990).

ووفق تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية في أغسطس 2023 بعنوان "الساحر: رياض سلامة ونهب لبنان"، "اعتمد النظام المالي اللبناني بشكل كبير خلال فترة حكم سلامة على تدفقات رأس المال من دول الخليج والمغتربين اللبنانيين الأثرياء، مستفيداً من قوانين السرية المصرفية".

وأضاف أنه "لضمان استقرار أسعار الفائدة وتمويل خطط إعادة الإعمار، ثبّت سلامة والحريري سعر صرف الليرة اللبنانية عند 1507 ليرات للدولار، وهو مستوى استمر حتى الانهيار المالي".

ونجح النظام المالي الذي أشرف عليه سلامة في توفير مستوى معيشي مرتفع للكثير من اللبنانيين، رغم أن الاقتصاد الوطني كان غير منتج. وحصل المدخرون على أسعار فائدة مرتفعة، وتمكنوا من تحويل عملاتهم المحلية إلى الدولار بسعر صرف ثابت، مما عزز ثقتهم في سلامة، خاصة مع نجاح لبنان في تجاوز الأزمة المالية العالمية عام 2008.

ورغم إعادة بناء لبنان خلال هذه الفترة، فإن ذلك تم على حساب الاقتصاد الوطني، فقد تجاوزت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 150 بالمئة، وهي واحدة من أعلى النسب في العالم خلال العقدين الماضيين، كما أوردت "فايننشال تايمز"، مضيف أنه "لُقب بالساحر لقدرته على إبقاء الاقتصاد اللبناني صامداً في مواجهة الصراعات والفوضى السياسية".

السلطات الفرنسية والإنتربول أصدروا مذكرات اعتقال بحق رياض سلامة. أرشيفية
ومع تباطؤ التحويلات بالدولار، زادت الضغوط على نظام مالي يتطلب تدفقات مستمرة من العملة الصعبة للصمود.

وفي عام 2016، لجأ سلامة، حسب وكالة رويترز، إلى سحب الدولارات من البنوك المحلية بأسعار فائدة مرتفعة، وهي خطوة وصفها البنك الدولي بأنها "مخطط بونزي"، حيث تعتمد على الحصول على قروض جديدة لسداد الديون القائمة.

ومع نضوب الدولارات، جُمّدت الودائع بالعملات الأجنبية لمعظم المدخرين، أو أُجبروا على إجراء عمليات سحب بالعملة المحلية وفقاً لأسعار صرف أفقدت مدخراتهم معظم قيمتها، مما أدى إلى انهيار الثقة في النظام المالي الذي أشرف عليه سلامة، حسب رويترز.

واعتبر خبراء اقتصاديون أن "إصرار سلامة على الحفاظ على سعر الصرف الثابت بأي ثمن كان أحد الأسباب الرئيسية وراء الأزمة المالية التي عصفت ولا تزال بلبنان".

يذكر أن سلامة نال العديد من الجوائز والأوسمة العالمية على مدار مسيرته، من بينها جائزة "أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم" لعام 2006 من مجلة "يورو موني"، وجائزة مماثلة من مجلة "بانكر" في عام 2009.

تحقيقات وعقوبات

بعد الانهيار المالي والاقتصادي في لبنان، أطلقت سويسرا عام 2020 تحقيقاً في أنشطة سلامة، تلاها في عام 2021 لبنان وفرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ. كما حققت السلطات في موناكو وليختنشتاين وبلجيكا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة في تلك الأنشطة، وفق "فايننشال تايمز".

وتشتبه هذه الدول بضلوع سلامة في "جرائم اختلاس أموال عامة وتبييض أموال وفساد، بالإضافة إلى تحميله جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الأزمة المالية التي أصابت البلاد".

وفي أغسطس 2023، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية بياناً اتهمت فيه سلامة باستغلال منصبه لتحقيق مكاسب شخصية ضخمة على حساب الشعب اللبناني.

وكشف البيان عن "تورط سلامة في تأسيس عدد من الشركات الوهمية وفتح حسابات مصرفية في أوروبا ومنطقة البحر الكاريبي، مما سمح له بإدارة مخططات مالية معقدة تهدف إلى إثرائه الشخصي بمساعدة أفراد من عائلته وزملائه المقربين".

وأحد أبرز هذه المخططات كان تعاونه مع شقيقه رجا سلامة عبر شركة وهمية مسجلة في جزر فيرجن البريطانية باسم "فوري"، لتحويل حوالي 330 مليون دولار من معاملات مصرف لبنان.

وكجزء من هذا المخطط، وافق رياض سلامة على عقد يسمح لشركة شقيقه بالحصول على عمولة على مشتريات الأدوات المالية من قبل البنوك اللبنانية من مصرف لبنان، على الرغم من أن شركة رجا لم تقدم أية فائدة واضحة لهذه المعاملات، وتجنب العقد تسمية شركة فوري أو مالكها. ثم نقل سلامة ورجا هذه الأموال إلى حسابات مصرفية بأسمائهما أو بأسماء شركات وهمية أخرى.

وانضمت ماريان حويك، المساعدة الرئيسية لسلامة في مصرف لبنان، إلى الثنائي في هذه المغامرة، من خلال تحويل مئات الملايين من الدولارات - أكثر بكثير من راتبها الرسمي في مصرف لبنان - من حسابها المصرفي الخاص إلى حسابات سلامة ورجا.

وقد تم تحويل الأموال المحولة بشكل متكرر إلى عدد من شركات إدارة العقارات في فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ وبلجيكا، التي كانت مسجلة باسم نجل سلامة، نادي سلامة، أو شريكة سلامة السابقة، الأوكرانية آنا كوساكوفا التي لسلامة ابنة منها، وفقا لشهادة ميلاد اطّلعت عليها "رويترز"، واستخدمت تلك الأموال لشراء عقارات فاخرة.

حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة. أرشيف
وأشارت وزارة الخزانة الأميركية إلى أن سلامة "استخدم شركات وهمية في بنما، وصندوقاً ائتمانياً في لوكسمبورغ، لإخفاء هويته عند شراء أسهم في شركة عمل فيها ابنه كمستشار استثماري". ولاحقاً، باع هذه الأسهم إلى مصرف لبناني يخضع لتنظيم مصرف لبنان، مما يشكل تضارباً واضحاً في المصالح وانتهاكاً محتملًا للقانون اللبناني.

على أثر ذلك، أدرجت واشنطن سلامة على قائمة العقوبات، متهمة إياه بالتورط في ممارسات فاسدة وغير قانونية ساهمت في تدهور سيادة القانون في لبنان.

ولم تقتصر العقوبات على سلامة وحده، بل شملت أيضاً أفرادا من عائلته وشركائه. وأكدت الوزارة أن هذه الإجراءات جاءت بالتنسيق مع المملكة المتحدة وكندا، ضمن جهود مشتركة لمحاسبة من يسيئون استخدام مناصبهم لتحقيق مكاسب شخصية على حساب الشعب اللبناني.

أرباح بالمليارات

فيما يتعلق بملف شركة "أوبتيموم"، كشف التدقيق الذي أعدته شركة "كرول"، أن مصرف لبنان قدّم قرضاً للشركة بقيمة 8.6 مليار دولار لشراء سندات خزينة من المصرف نفسه. ومع كل عملية، كان المصرف يعيد شراء السندات من الشركة، مما رفع القيمة الإجمالية إلى 16.6 مليار دولار، وفق وسائل إعلام لبنانية.

نتيجة لهذه العمليات، حققت الشركة أرباحاً بقيمة 8 مليارات دولار، وُضعت في حساب بمصرف لبنان قبل أن تسحب إلى جهة مجهولة. ولم يسمح لشركة "آلفاريز آند مرسال"، المتخصصة في تقديم الخدمات الاستشارية، بتتبع حركة الأموال خلال التدقيق الجنائي.

وأعيد فتح ملف "أوبتيموم" مؤخراً بناءً على تقرير وحدة الأسواق المالية، ودعوى قضائية مقدمة من مجموعة من المدعين بينهم محامون.

وعقب توقيف سلامة، الثلاثاء، انقسم اللبنانيون بين من يرون في هذه الخطوة "بداية جادة لمعالجة قضايا الفساد والشبهات المالية المرتبطة به"، ومن يعتبرون أن الأمر "لا يتعدى كونه مسرحية قضائية ستنتهي بتبرئته".

يذكر أن الممثلة اللبنانية ستيفاني صليبا، برزت في قضايا سلامة، حيث تم توقيفها عام 2022 من قبل القضاء اللبناني على خلفية تحقيقات تتعلق بشبهات "تبييض أموال وإثراء غير مشروع"، قبل أن يتم الإفراج عنها بعد ساعات.

سلامة ملاحق في أوروبا ولبنان بتهم اختلاس أموال
وارتبط اسم صليبا بسلامة بعد أن قامت بتصوير إعلان ترويجي لمصرف لبنان في أكتوبر 2019، حيث ظهرت في الفيديو مرتدية أزياء تحمل فئات من عملة الليرة اللبنانية تحت شعار "ليرتنا قوتنا"، لصالح مجلة الأزياء اللبنانية "Spécial Madame Figaro" الصادرة باللغة الفرنسية.

أثارت صورة صليبا وهي ترتدي قميصاً يحمل الليرة الواحدة، اهتماماً كبيراً آنذاك، لكنها واجهت انتقادات بعد الانهيار المالي الكبير الذي ضرب الاقتصاد اللبناني بعد فترة قصيرة من حملة "ليرتنا قوتنا"، مما جعل الممثلة في مرمى الانتقادات، باعتبار أنها "جزءا من الماكينة الإعلامية لسلامة والمقربين منه، الذين روجوا إلى وضع مالي لليرة بشكل مغاير للواقع".

"تلاعب وسوء إدارة"

كشف تقرير التدقيق الجنائي الصادر عن شركة "ألفاريز ومارسال" في 11 أغسطس 2023 عن "سوء إدارة" وثغرات كبيرة في عمل مصرف لبنان المركزي خلال السنوات الخمس الماضية، مع التركيز على دور سلامة.

التقرير، الذي جاء في 332 صفحة، أشار إلى أن "الوضع المالي للمصرف المركزي تدهور بسرعة بين عامي 2015 و2020".

ومع ذلك، لم يظهر هذا التدهور في الميزانية العمومية للمصرف، وذلك بفضل سياسات حسابية "غير تقليدية" سمحت للمصرف بالمبالغة في تقدير الأصول والأرباح وتجنب إظهار الخسائر الحقيقية.

وأكد التقرير أن الهندسات المالية التي أشرف عليها سلامة كانت "مكلفة للغاية"، وأبرز أن سلطته كصاحب القرار الرئيسي لم تكن تحت "رقابة كافية". كما كشف عن "دليل على دفع عمولات غير شرعية" بلغت 111 مليون دولار، مشيراً إلى احتمال وجود مخطط أكبر للعمولات.

وخلال استجوابه، أفاد سلامة للمحققين الأوروبيين بأن قيمة ممتلكاته النقدية والعقارية في عام 1993 بلغت 60 مليون دولار، منها 8 ملايين دولار من الأراضي العائلية الموروثة، وذلك وفقاً لتقرير "فايننشال تايمز"، مضيفا أن ثروته الحالية تقدر بنحو 200 مليون دولار، مما يعني أنها تضاعفت أكثر من 3 مرات خلال 3 عقود.

وأشارت الصحيفة، إلى أن سلامة أرجع تراكم ثروته إلى سنوات عمله كمصرفي استثماري وإلى استثماراته اللاحقة. إلا أن دراسة مالية أجراها محققون ألمان في عام 2022، خلصت إلى أنه "لم يكن بإمكان سلامة جمع كل هذه الثروة بالأموال التي كان يمتلكها بشكل شرعي قبل توليه منصب الحاكم".

مصادر مطلعة على التحقيقات أكدت للصحيفة أن تقديرات سلامة لثروته "قد تكون متحفظة"، حيث من المحتمل أن تكون "العديد من الأصول مخفية في ملاذات ضريبية أو محمية بسرية البنوك في لبنان".

تجدر الإشارة إلى أن شركة "ألفاريز ومارسال" كانت قد علقت عملها في التدقيق الجنائي لمدة تقارب العام، بعدما رفض مصرف لبنان تزويدها بكافة المستندات المطلوبة بحجة السرية المصرفية، قبل أن تستأنف عملها في أكتوبر 2021.

كبش فداء؟

وأعلنت وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال العدالة الجنائية (يوروجست) في مارس 2022، عن تجميد فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ 120 مليون يورو من الأصول اللبنانية.

وكان هذا الإجراء جزءاً من تحقيق يستهدف سلامة، و4 من المقربين منه، بتهم غسل أموال واختلاس أموال عامة في لبنان، تجاوزت قيمتها 330 مليون دولار و5 ملايين يورو بين عامي 2002 و2021.

فرنسا صادرت بعض ممتلكات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة
وفي مارس 2023، تقدّمت الدولة اللبنانية بادعاء شخصي بحق سلامة، بجرائم الرشوة والتزوير وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع والتهرّب الضريبي. وشمل الادعاء اللبناني إلى جانب سلامة، شقيقه رجا، ومساعدته ماريان الحويك، وكل من يظهره التحقيق.

وفي مايو 2023، أصدر القضاء الفرنسي مذكرة اعتقال بحق سلامة بتهم اختلاس أموال عامة، بالإضافة إلى نشرة حمراء من الإنتربول للقبض عليه.

وكانت السلطات الألمانية قد أصدرت في ذات الشهر مذكرة اعتقال بحقه بتهم الفساد، إلا أن هذه المذكرة ألغيت "لأسباب فنية"، وفقاً لما صرّح به مكتب المدعي العام في ميونخ لرويترز. ومع ذلك، تواصل التحقيقات وتبقى أصول سلامة المالية مجمدة.

وفي يوليو 2023، وافق القضاء الفرنسي على نقل أصول مجمدة تخص سلامة وشركاءه إلى الدولة اللبنانية. وفي 14 أغسطس 2023، أصدرت هيئة التحقيق الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب في مصرف لبنان، قراراً بتجميد الحسابات المصرفية لسلامة و4 من شركائه، بعد رفع السرية المصرفية عن حساباتهم.

وأثناء مقابلة تلفزيونية محلية أجريت مع سلامة في يوليو 2023، دافع الرجل عن فترة ولايته، زاعما أنه كان "كبش فداء" للأزمة المالية في البلاد، وأن المسؤولية عن إنفاق الأموال العامة "تقع على عاتق الحكومة وليس البنك المركزي"، مشيراً إلى نيته "طي صفحة من حياته"، مؤكداً أن "المنظومة غسلت يديها" منه منذ زمن.