الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد في لقاء برئيس المكتب السياسي السابق لحماس، خالد مشعل، في طهران عام 2006.
الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد في لقاء برئيس المكتب السياسي السابق لحماس، خالد مشعل، في طهران عام 2006.

ثارت حالة من الجدل في الأيام الماضية حول مشاركة إيران في العمليات العسكرية التي نفذتها حركة حماس ضد إسرائيل مؤخراً.

شكك البعض في مشاركة إيران في تلك العمليات. على سبيل المثال، قال وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن في إحدى المقابلات التلفزيونية: "لا أرى دليلاً على وقوف إيران وراء أحدث هجوم في إسرائيل، رغم وجود علاقات قديمة بين حماس وطهران".

في المقابل، لمحت بعض التقارير إلى مسؤولية إيران عن الهجوم. فبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، فإن إيران "أعطت الضوء الأخضر لحماس لتنفيذ الهجوم، خلال اجتماع عقد بالعاصمة اللبنانية بيروت، في الثاني من أكتوبر الحالي. بعد أن خطط ضباط الحرس الثوري مع قادة حماس مسألة التوغلات الجوية والبرية والبحرية".

من جهتها، نفت طهران اشتراكها في العملية. وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية إن اتهام طهران بالضلوع في العملية المباغتة التي شنّتها حركة حماس ضد إسرائيل "يستند إلى دوافع سياسية".

واعتبرت الخارجية الإيرانية أن "الإشارة إلى دورها في هجوم حماس يهدف إلى تحويل الرأي العام وتبرير الإجراءات المقبلة التي قد تتخذها إسرائيل".

رغم هذا التضارب، لا يمكن إنكار العلاقات التاريخية التي لطالما ربطت بين حركة حماس و"النظام الإسلامي" في إيران. كيف بدأت تلك العلاقة؟ وما هي أهم مراحل صعودها وهبوطها؟ وماذا تستفيد إيران منها؟

 

حجر الأساس


تم الإعلان عن تأسيس حركة حماس سنة 1987. وسرعان ما أصبحت أحد أكثر الفصائل الفلسطينية نفوذا.

على الطرف الآخر، كانت التطورات في الأراضي الفلسطينية ضمن دائرة اهتمام النظام الإيراني، منذ صعود الخميني إلى الحكم. وكان من الطبيعي أن يبحث الملالي لأنفسهم عن حلفاء ضمن الفصائل الفلسطينية. ولما كان من الصعب عقد توافق بين النظام الإيراني وحركة فتح بسبب الميول العلمانية للحركة، وميلها للتوافق مع السلطات الإسرائيلية، صار التقارب مع حركة حماس، التي تنتمي إلى تيار الإسلام السياسي، هو الخيار المتاح أمام طهران.

يتحدث الباحث عبد الحكيم عزيز حنيني، في كتابه "منهجية حركة حماس في العلاقات الخارجية"، عن البدايات الأولى للعلاقات المنعقدة بين حركة حماس وطهران.

يذكر حنيني أنه في سنة 1990 بدأت العلاقات بين حماس وإيران بشكل رسمي، عندما سافر وفد من حماس برئاسة إبراهيم غوشة -الذي سيتولى لاحقا منصب الناطق الرسمي للحركة- إلى طهران.

بعد سنة واحدة، سافر غوشة مرة أخرى إلى طهران. وشارك في المؤتمر الثاني لدعم "الانتفاضة الفلسطينية". والتقى بكل من الرئيس الإيراني علي أكبر هاشمي رفسنجاني، ووزير الخارجية علي أكبر ولايتي.

في هذا اللقاء، طلب غوشة من الإيرانيين قبول عماد العلمي -وهو أحد قيادات الحركة- ليصبح الممثل الرسمي لحماس في إيران.

وفي سنة 1992، تم افتتاح مكتب حماس في طهران. وتعامل الإيرانيون مع المكتب مثل تعاملهم مع سفارات باقي الدول.

في دراسته، "فهم العلاقات بين إيران وحماس من منظور دفاعي واقعي جديد"، يلقي الباحث علي أبو ريزيك الضوء على بعض الأحداث التي أسهمت في توطيد العلاقات بين حماس وإيران في تلك الفترة. يقول أبو ريزيك إن المرحلة الثانية المهمة التي عززت العلاقات بين الجانبين تعود إلى أول عملية نفي جماعي نفذتها إسرائيل ضد 415 من قادة حركتي حماس والجهاد الإسلامي في سنة 1992 إلى منطقة مرج الزهور جنوب لبنان، حيث عزز هؤلاء علاقتهم مع إيران، وحليفها اللبناني حزب الله. فأثناء منفاهم في لبنان، تمت زيارتهم بشكل متكرر من قِبل القادة الإيرانيين وكانوا يتلقون دعماً مادياً مباشراً منهم.

 

العلاقات.. من القوة إلى الضعف


في سنة 1998، توطدت العلاقات بين الجانبين بعد أن تم الإفراج عن مؤسس حركة حماس، أحمد ياسين.

سافر ياسين لزيارة مجموعة من الدول العربية والإسلامية في ذلك الوقت. وكانت إيران إحدى المحطات المهمة في رحلته. في طهران، التقى ياسين بمرشد الجمهورية علي خامنئي، وبالرئيس محمد خاتمي.

وقد ظهرت آثار هذا التقارب بشكل واضح في سنة 2004م. عندما أصدر علي خامنئي بياناً ينعى فيه أحمد ياسين عقب اغتياله على يد القوات الإسرائيلية.

في سنة 2006، بدأت مرحلة جديدة من العلاقات بين الجانبين. فبمجرد فوز حماس بالانتخابات التشريعية، سارعت طهران لمد يد العون لحكومتها الجديدة، أمام ابتعاد العديد من القوى الإقليمية العربية عنها، مفضلة أن تُبقي على علاقتها مع حركة فتح. في هذا السياق قدمت إيران دعماً مالياً كبيراً لحماس.

لكن في سنة 2013م، ومع تصاعد موجات الربيع العربي في المنطقة، تعرضت العلاقات الإيرانية الحمساوية لبعض الضعف، وذلك بسبب مساندة طهران لرئيس النظام السوري بشار الأسد، في الوقت الذي أعلنت فيه حماس وقوفها علنا إلى جانب المتظاهرين.

وذكرت بعض التقارير الإيرانية أن حماس شاركت في القتال ضد النظام السوري من خلال فصيل يُدعى "أكناف بيت المقدس"، ولكن حماس نفت ذلك، وأعلنت أن أولئك المقاتلين يتصرّفون في سوريا بشكل فردي.

تضررت علاقة الطرفين بسبب هذا الخلاف. على سبيل المثال، قال غازي حمد نائب وزير الشؤون الخارجية في حكومة حماس في قطاع غزة: "علاقاتنا مع إيران تأثرت على الصعيدين السياسي والتمويلي".

استمرت هذه العلاقات ضعيفة لعدة سنوات. ففي سنة 2016م، صرح خالد مشعل، الرئيس السابق للمكتب السياسي للحركة بأن الأزمة بين حماس والأسد أثرت على العلاقة مع طهران، وأن إيران "ردت بمراجعة الدعم المالي للحركة بشكل كبير بعد أن كانت أحد الداعمين الأساسيين لها". رغم ذلك التوتر، بقيت بعض المساعدات الإيرانية العسكرية تجد طريقها لكتائب القسام الذراع العسكري لحركة حماس. 

ويبدو الخلاف المذهبي أيضاً كأحد العوامل المؤثرة في إضعاف العلاقات بين الجانبين. تعمل إيران على تصدير ثورتها في المنطقة في شكل مذهبي شيعي إثني عشري يعتمد أطروحة ولاية الفقيه. لا يتوافق هذا الطرح مع الأجندة الحمساوية التي لطالما روجت لنفسها باعتبارها حركة إسلامية سنية الطابع. ظهر الخلاف بين الطرفين حول تلك المسألة المحورية في أكثر من موقف. من أشهر تلك المواقف، ما قامت به حماس في مارس سنة 2019م عندما حلّت "حركة الصابرين" المقربة من إيران. وقامت حماس حينها باعتقال الأمين العام لهذه الحركة، وصادرت أسلحتها كما اعتقلت عدداً من أعضائها في غزة.

 

حماس في حضن طهران مجددا

 

مع تراجع زخم الثورة السورية وتهميش الخلاف المذهبي، استعادت العلاقات الحمساوية الإيرانية جزءاً كبيراً من قوتها. ساعدت في ذلك التهديدات التي تعرض لها الجانبان في فترة حكم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، خاصة أن الولايات المتحدة تضع حماس ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، فيما تضع إيران على قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وكانت ملامح التأييد المتبادل واضحة في العديد من الأحداث التي وقعت على الساحة في السنوات السابقة. في يناير سنة 2020، نعت حركة حماس قائد لواء فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، الذي قتل في غارة أميركية قرب مطار بغداد.

وبعد سنة واحدة، قدمت طهران مساعدات عسكرية مهمة لحركة حماس في عمليتها العسكرية، بين 10 و20 مايو 2021، والتي أطلقت فيها رشقات صاروخية مكثفة على إسرائيل. وحينها، وجه رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية الشكر لإيران بشكل رسمي ومعلن بعد انتهاء المواجهة مع القوات الإسرائيلية.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".