قبل ثلاثة أيام، قُتل 8 أطفال معاً في غارة إسرائيلية على منزلٍ من 4 طوابق في غزة. علق صاحب المنزل الذي مات ابنه وأبناء شقيقه وشقيقته في لحظةٍ واحدة، قائلا: "لم يبقَ أي أطفال في العائلة، أكبرهم كان في الثالثة من عُمره".
"جحيم على الأرض".. هذه هي الأوضاع التي بات يعيشها المدنيون في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل ومقاتلي حماس منذ 7 أكتوبر. وكما يحدث دائماً في مثل هذه الظروف، فإن الأطفال الأبرياء يكونون أكثر مَن يدفع ثمن هذه الأعمال القتالية.
أرقام مخيفة
في 16 أكتوبر الجاري بلغ عدد الضحايا ألف طفل قتيل، زادت إلى 1٣00 خلال 3 أيام حسب ما أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية. وبهذا المعدل فإن غزة باتت تودّع طفلاً كل 15 دقيقة منذ اندلاع الحرب، حسب تصريحات وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي.
اليوم، وصل عدد الأطفال القتلى إلى 2055، بينهم 182 خلال الـ24 ساعة الماضية، حسب وزارة الصحة في قطاع غزة.
هذه الأرقام مرشحة بشدة للزيادة في ظِل التفاقم المستمر للأوضاع الميدانية، وتردي المجال الصحي بالقطاع وتدفق أعداد هائلة من الأطفال المصابين لدرجة بات الأطباء عاجزين عن إنقاذ حياتهم جميعاً، مثلما كشف الطبيب المتدرب في غرفة العناية المركزة بمستشفى "شهداء الأقصى" بأنه اضطر للاختيار بين طفلين لوضع أحدهما على جهاز التنفس الصناعي الوحيد المتوفر بالمكان على حساب طفل آخر مات فورا لتأخر الرعاية اللازمة.
ويزيد الوضعَ الصحي في القطاع تعقيدا قراراتُ الإجلاء الصادرة عن الجيش الإسرائيلي والتي أجبرت القائمين على مستشفى محمد الدرة (شرق غزة) على إخلاء وحدة العناية المركزة للأطفال حديثي الولادة. وهو ما لم يستطع فِعله مستشفى كمال عدوان (تقع شمال غزة) بعدما حذّر أحد أطبائها بأن تنفيذ القرار الإسرائيلي سيُنهي حياة 7 أطفال حديثي الولادة متصلين بأجهزة التنفس الصناعي.
جوانب أخرى من المعاناة
جانبٌ آخر مروّع لتداعيات الحرب هُم الأطفال الذين فقدوا جميع أفراد أسرتهم بعدما تعرّض منزلهم لقصف إسرائيلي. قال الطبيب البريطاني الفلسطيني غسان أبو ستة إنه كثيراً ما وردته حالات لأطفال فقدوا عائلاتهم بالكامل.
هذا المشهد وصفه أبو ستة قائلاً: "كل يوم تقريباً يصلنا أطفال جرحى صاروا بلا عائلة".
هذا المصير هو أكثر ما يُخيف المواطنة الفلسطينية فداء الأعرج خلال حديثها للإذاعة الوطنية العامة الأميركية "NPR"، حيث قالت إنها قلقة من أن ترحل عن الدنيا تاركةً أطفالها الخمسة وحيدين.
وضعت فداء خطة لمواجهة هذا الأمر بعدما كشفت لابنتها الكبرى (13 عاماً) أماكن تخزين الأموال والوثائق الأساسية ومَن الأشخاص الذين عليها الاتصال بهم في هذا الظرف الصعب.
تحكي فداء: "أعلم أن هذا عبء كبير أضعه على أطفالي، لكن هذه هي حقيقة الحياة".
الأطفال الذين كُتب لهم النجاة من الموت تعرضوا لأشكال قاسية من المعاناة مثل العيش في مخيمات تفتقر لأبسط متطلبات الحياة الإنسانية أو تكدّسوا داخل مدارس تابعة لـ"الأونروا" في ظل كهرباء ومياه مقطوعتين منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر الماضي، وهو ما وضعهم تحت أعباءٍ نفسية ثقيلة.
فاضل أبو هين طبيب نفسي يعيش في غزة يقول لـ"الجارديان" البريطانية، إن تأثيرات الحرب على الأطفال قد ظهرت بالفعل بعدما لاحظ كثيراً من أعراضها عليهم مثل التشنّجات والتبول في الفراش والعصبية والخوف المستمر.
تحرير طبش هي أم فلسطينية لجأت إلى إحدى المدارس بأطفالها الستة، قالت: "أطفالي يعانون طول الليل، يبكون بِاستمرار ويتبولون دون قصد".
هذه الأعراض يمرُّ بها الأطفال في إسرائيل أيضاً، بعدما كشف زاكي غروسمان، رئيس جمعية أطباء الأطفال الإسرائيلية، أن بلاده تشهد "تسونامي من أعراض القلق بين الأطفال"، موضحاً أن 90% من الأطفال الذين يزورون المستشفيات يُعانون من قلقٍ شديد.
وهو أمر ليس بالجديد، فسبق وأكدت دراسة محلية أن 40% من أطفال مستوطنة سديروت التي تقع بالقرب من قطاع غزة باتوا يعانون من أعراض القلق والخوف.
وكثيراً ما اتّهمت تل أبيب حماس بالاستعانة بالأطفال في حربها ضد إسرائيل بدءاً من تدريبهم على السلاح وحتى حثّهم على المشاركة في الصفوف الأمامية للمظاهرات المُنددة بالاحتلال.
معاناة قديمة متجددة
تأتي الأزمة الأخيرة لتزيد من الأوضاع المأساوية التي يعيشها أطفال غزة منذ سنوات والتي وثّقتها عشرات الدراسات الدولية.
بحسب تقديرات "اليونسيف" في 2018 فإن نصف أطفال غزة يعيشون على المساعدات الإنسانية التي تهبها لهم المنظمات الدولية، وإن واحدا من بين كل أربعة بحاجة إلى جلسات دعم نفسي واجتماعي.
بعدها بثلاث سنوات، أُجريت دراسة أوروبية أكدت أن 91% من أطفال غزة يعانون من الصدمات المرتبة بالنزاع. وفي 2022 قدّرت منظمة "إنقاذ الطفولة" أن 4 من بين كل خمسة أطفال في غزة يعانون من أعراض الاكتئاب.
وعادة ما تؤدي العمليات العسكرية الإسرائيلية في القطاع إلى تفاقم هذه الأرقام. فعقب انتهاء عملية "الرصاص المصبوب" في 2008، أكدت دراسة نفسية محلية أن 75% من أطفال غزة يعانون من إجهاد ما بعد الصدمات. وفي 2012 قالت دراسة أجرتها "يونسيف" أن 82% من الأطفال عانوا من موجات عنيفة من الخوف المستمر.
وخلال مسيرة "العودة الكبرى" التي اندلعت بين عامي 2018 و2019 وشارك فيها آلاف الفلسطينيين قُتل 46 طفلاً، وأصيب 8800 آخرين برصاص الجيش الإسرائيلي.
هؤلاء المصابون اضطروا إلى الاكتفاء بالرعاية الطبية الضئيلة التي سيحصلون عليها في مستشفيات غزة المتداعية لأن أغلب طلباتهم بتلقي العلاج في الخارج ستُرفض من الجانب الإسرائيلي.

