أطفال فلسطينيون جرحى جراء القصف الإسرائيلي على قطاع غزة يتلقون العلاج في مستشفى في خان يونس، يوم الثلاثاء، 17 أكتوبر 2023.
أطفال فلسطينيون جرحى جراء القصف الإسرائيلي على قطاع غزة يتلقون العلاج في مستشفى في خان يونس، يوم الثلاثاء، 17 أكتوبر 2023.

قبل ثلاثة أيام، قُتل 8 أطفال معاً في غارة إسرائيلية على منزلٍ من 4 طوابق في غزة. علق صاحب المنزل الذي مات ابنه وأبناء شقيقه وشقيقته في لحظةٍ واحدة، قائلا: "لم يبقَ أي أطفال في العائلة، أكبرهم كان في الثالثة من عُمره".

"جحيم على الأرض".. هذه هي الأوضاع التي بات يعيشها المدنيون في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل ومقاتلي حماس منذ 7 أكتوبر. وكما يحدث دائماً في مثل هذه الظروف، فإن الأطفال الأبرياء يكونون أكثر مَن يدفع ثمن هذه الأعمال القتالية.

 

أرقام مخيفة

 

في 16 أكتوبر الجاري بلغ عدد الضحايا ألف طفل قتيل، زادت إلى 1٣00 خلال 3 أيام حسب ما أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية. وبهذا المعدل فإن غزة باتت تودّع طفلاً كل 15 دقيقة منذ اندلاع الحرب، حسب تصريحات وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي.

اليوم، وصل عدد الأطفال القتلى إلى 2055، بينهم 182 خلال الـ24  ساعة الماضية، حسب وزارة الصحة في قطاع غزة.

 

هذه الأرقام مرشحة بشدة للزيادة في ظِل التفاقم المستمر للأوضاع الميدانية، وتردي المجال الصحي بالقطاع وتدفق أعداد هائلة من الأطفال المصابين لدرجة بات الأطباء عاجزين عن إنقاذ حياتهم جميعاً، مثلما كشف الطبيب المتدرب في غرفة العناية المركزة بمستشفى "شهداء الأقصى" بأنه اضطر للاختيار بين طفلين لوضع أحدهما على جهاز التنفس الصناعي الوحيد المتوفر بالمكان على حساب طفل آخر مات فورا لتأخر الرعاية اللازمة.

ويزيد الوضعَ الصحي في القطاع تعقيدا قراراتُ الإجلاء الصادرة عن الجيش الإسرائيلي والتي أجبرت القائمين على مستشفى محمد الدرة (شرق غزة) على إخلاء وحدة العناية المركزة للأطفال حديثي الولادة. وهو ما لم يستطع فِعله مستشفى كمال عدوان (تقع شمال غزة) بعدما حذّر أحد أطبائها بأن تنفيذ القرار الإسرائيلي سيُنهي حياة 7 أطفال حديثي الولادة متصلين بأجهزة التنفس الصناعي.

 

جوانب أخرى من المعاناة

 

جانبٌ آخر مروّع لتداعيات الحرب هُم الأطفال الذين فقدوا جميع أفراد أسرتهم بعدما تعرّض منزلهم لقصف إسرائيلي. قال الطبيب البريطاني الفلسطيني غسان أبو ستة إنه كثيراً ما وردته حالات لأطفال فقدوا عائلاتهم بالكامل.

هذا المشهد وصفه أبو ستة قائلاً: "كل يوم تقريباً يصلنا أطفال جرحى صاروا بلا عائلة".

هذا المصير هو أكثر ما يُخيف المواطنة الفلسطينية فداء الأعرج خلال حديثها للإذاعة الوطنية العامة الأميركية "NPR"، حيث  قالت إنها قلقة من أن ترحل عن الدنيا تاركةً أطفالها الخمسة وحيدين.

وضعت فداء خطة لمواجهة هذا الأمر بعدما كشفت لابنتها الكبرى (13 عاماً) أماكن تخزين الأموال والوثائق الأساسية ومَن الأشخاص الذين عليها الاتصال بهم في هذا الظرف الصعب.

تحكي فداء: "أعلم أن هذا عبء كبير أضعه على أطفالي، لكن هذه هي حقيقة الحياة".

الأطفال الذين كُتب لهم النجاة من الموت تعرضوا لأشكال قاسية من المعاناة مثل العيش في مخيمات تفتقر لأبسط متطلبات الحياة الإنسانية أو تكدّسوا داخل مدارس تابعة لـ"الأونروا" في ظل كهرباء ومياه مقطوعتين منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر الماضي، وهو ما وضعهم تحت أعباءٍ نفسية ثقيلة.

فاضل أبو هين طبيب نفسي يعيش في غزة يقول لـ"الجارديان" البريطانية، إن تأثيرات الحرب على الأطفال قد ظهرت بالفعل بعدما لاحظ كثيراً من أعراضها عليهم مثل التشنّجات والتبول في الفراش والعصبية والخوف المستمر.

تحرير طبش هي أم فلسطينية لجأت إلى إحدى المدارس بأطفالها الستة، قالت: "أطفالي يعانون طول الليل، يبكون بِاستمرار ويتبولون دون قصد".

هذه الأعراض يمرُّ بها الأطفال في إسرائيل أيضاً، بعدما كشف زاكي غروسمان، رئيس جمعية أطباء الأطفال الإسرائيلية، أن بلاده تشهد "تسونامي من أعراض القلق بين الأطفال"، موضحاً أن 90% من الأطفال الذين يزورون المستشفيات يُعانون من قلقٍ شديد.

وهو أمر ليس بالجديد، فسبق وأكدت دراسة محلية أن 40% من أطفال مستوطنة سديروت التي تقع بالقرب من قطاع غزة باتوا يعانون من أعراض القلق والخوف.

وكثيراً ما اتّهمت تل أبيب حماس بالاستعانة بالأطفال في حربها ضد إسرائيل بدءاً من تدريبهم على السلاح وحتى حثّهم على المشاركة في الصفوف الأمامية للمظاهرات المُنددة بالاحتلال.

 

معاناة قديمة متجددة

 

تأتي الأزمة الأخيرة لتزيد من الأوضاع المأساوية التي يعيشها أطفال غزة منذ سنوات والتي وثّقتها عشرات الدراسات الدولية.

بحسب تقديرات "اليونسيف" في 2018 فإن نصف أطفال غزة يعيشون على المساعدات الإنسانية التي تهبها لهم المنظمات الدولية، وإن واحدا من بين كل أربعة بحاجة إلى جلسات دعم نفسي واجتماعي.

بعدها بثلاث سنوات، أُجريت دراسة أوروبية أكدت أن 91% من أطفال غزة يعانون من الصدمات المرتبة بالنزاع. وفي 2022 قدّرت منظمة "إنقاذ الطفولة" أن 4 من بين كل خمسة أطفال في غزة يعانون من أعراض الاكتئاب.

وعادة ما تؤدي العمليات العسكرية الإسرائيلية في القطاع إلى تفاقم هذه الأرقام. فعقب انتهاء عملية "الرصاص المصبوب" في 2008، أكدت دراسة نفسية محلية أن 75% من أطفال غزة يعانون من إجهاد ما بعد الصدمات. وفي 2012 قالت دراسة أجرتها "يونسيف" أن 82% من الأطفال عانوا من موجات عنيفة من الخوف المستمر.

وخلال مسيرة "العودة الكبرى" التي اندلعت بين عامي 2018 و2019 وشارك فيها آلاف الفلسطينيين قُتل 46 طفلاً، وأصيب 8800 آخرين برصاص الجيش الإسرائيلي.

هؤلاء المصابون اضطروا إلى الاكتفاء بالرعاية الطبية الضئيلة التي سيحصلون عليها في مستشفيات غزة المتداعية لأن أغلب طلباتهم بتلقي العلاج في الخارج ستُرفض من الجانب الإسرائيلي.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

رئيس الإمارات خلال اجتماعه بوزير داخلة طالبان بالوكالة (أرشيف)
رئيس الإمارات خلال اجتماعه بوزير داخلة طالبان بالوكالة (أرشيف)

في تقرير نشرته صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، اعتبر محللون أن قبول دولة الإمارات أوراق اعتماد سفير حركة طالبان الأفغانية، يعد "دليلا واضحا على الانقسام الدولي" بشأن كيفية التعامل مع نظام الحكم الجديد في أفغانستان.

ووفقا للصحيفة، فإن أبوظبي انضمت إلى "عدد صغير لكنه متزايد" من القوى الإقليمية التي أقامت علاقات مع طالبان، على الرغم من الجهود الغربية لعزل الجماعة الأصولية عقب سيطرتها على حكم أفغانستان في 15 أغسطس 2021.

وكانت كازاخستان قد قبلت، الشهر الماضي، قائمًا بالأعمال معيّن من قبل حركة طالبان، في حين زار رئيس الوزراء الأوزبكي، عبد الله أريبوف، أفغانستان، في أعلى زيارة لمسؤول أجنبي منذ عودة الحركة الأصولية إلى السلطة.

وفي هذا الصدد، أوضح الباحث البارز في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في البحرين، حسن الحسن، أن "طالبان متعطشة للاعتراف الدولي بها"، معتبرا أن قرار الإمارات قبول سفيرها "يحمل الكثير من الثقل".

طالبان شددت حملتها على النساء عقب عودتها للسلطة في 2021 - أرشيفية
ورغم أن أي دولة لم تعترف رسميا بحكومة طالبان، فإن تلك الجماعة المتشددة تقول إن "لديها دبلوماسيين في نحو 12 دولة، بما في ذلك الصين وروسيا والسعودية وقطر".

كما أقامت دول أخرى، بما في ذلك الهند، علاقات محدودة مع النظام في كابل.

وهنا، يرى الباحث  في "مؤسسة أوبزرفر للأبحاث" بنيودلهي، كابير تانيجا، أن جيران أفغانستان "يحشدون الجهود للتأكد من ضمان الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة".

وتابع: "لحسن الحظ أو لسوء الحظ، فإن الكيان الوحيد الذي يساعد على تحقيق ذلك هو طالبان"، لافتا إلى أن تلك الحركة "قد لا تملك دبلوماسيين أذكياء جدا، لكنها تمكنت من الاستفادة من الأوضاع العالمية".

عناصر من تنظيم القاعدة بأفغانستان في عام 2011- صورة أرشيفية.
من جانبه، قال مسؤول إماراتي للصحيفة اللندنية، إن قرار قبول سفير لطالبان "من شأنه أن يساعد في بناء جسور لمساعدة شعب أفغانستان".

وأضاف ذلك المسؤول أن هذا يشمل "تقديم المساعدات، ودعم الجهود التي تعمل نحو خفض التصعيد وتحقيق الاستقرار الإقليمي".

ووفقا لمراقبين، فإن القبول الإقليمي المتزايد "يوفر لطالبان فرص التجارة والاستثمار"، في وقت تواجه فيه البلاد التي يبلغ عدد سكانها 40 مليون نسمة أزمة اقتصادية وإنسانية.

ونجحت شركات من دول مجاورة، في تأمين صفقات لبناء البنية الأساسية في أفغانستان، التي تملك موقعا استراتيجيا بين طرق التجارة في وسط وجنوب آسيا.

وصادقت طالبان على عشرات العقود للاستفادة من ثروة البلاد المعدنية غير المستغلة، التي تقدر بنحو تريليون دولار، و تشمل احتياطيات من النحاس والليثيوم.

وذهب بعض تلك العقود إلى مستثمرين من إيران وتركيا والصين، علما بأن الأخيرة تعهدت أيضًا بإدراج أفغانستان في مبادرة "الحزام والطريق".

وفازت شركة من أبوظبي بعقود لإدارة المطارات الأفغانية في 2022، متغلبة على اتحاد قطري تركي. وهناك الآن رحلات منتظمة بين كابل والإمارات.

تحذير من "الثقة"

وسعت حركة طالبان إلى تبديد الشكوك الدولية بشأن حكمها، قائلة إنها "منفتحة على المشاركة والاستثمار".

وأوضح رئيس المكتب السياسي لطالبان في قطر، سهيل شاهين، لفاينانشال تايمز: "إن سياستنا هي إقامة علاقات جيدة مع الجميع".

وبالنسبة للإمارات، فإن الأمن "يدفعها إلى النظر إلى التعامل مع طالبان باعتباره ضروريا"، كما قال جورجيو كافييرو، الرئيس التنفيذي لشركة الاستشارات "غلف ستيت أناليتيكس"، ومقرها واشنطن.

وأضاف كافييرو: "هذا ببساطة يتعلق بكون أبوظبي براغماتية، وتسعى الاستفادة القصوى من الوضع في أفغانستان".

ومع ذلك، حذر بعض المحللين من أن "الثقة في حركة طالبان قد تكون خطأ مكلفا، فباكستان كانت من أوائل المؤيدين للشراكة العالمية مع كابل التي تديرها طالبان، لكنها عانت من زيادة كبيرة في العنف المسلح من قبل مجموعات أصولية، ومن بينها فرع طالبان الباكستاني".

وأدى عدم رغبة طالبان - أو عدم قدرتها - على وقف "طالبان باكستان"، إلى تدهور حاد في العلاقات، حتى أن إسلام آباد شنت غارات جوية على أهداف لحركة طالبان الباكستانية في أفغانستان.

وقال دبلوماسي غربي للصحيفة البريطانية، إن "الوجود الأجنبي الدبلوماسي والاقتصادي المحدود داخل أفغانستان، يعني أن العديد من البلدان لا تزال تكافح من أجل تحديد مدى التهديد الذي يشكله حكم طالبان".

وشدد على أن المخاطر "لا تزال مرتفعة"، مضيفا: "من الواضح أن الدرس المستفاد من التاريخ هو أحداث 11 سبتمبر".