صورة أرخت للإعلان عن اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1993- أ ف ب
زعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات مصافحا رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، بحضور الرئيس الأميركي بيل كلينتون، عقب الإعلان عن اتفاقية أوسلو في سبتمبر 1993..

استأثرت غزة باهتمام العالم بأسره فور وقوع الحرب بين إسرائيل وبين مقاتلي حماس وفصائل فلسطينية أخرى، ما أبعد الأنظار عن جبهة أخرى أكبر حجماً، وهي الضفة الغربية. فماذا نعرف عنها وعن تاريخ نشأتها؟

 

السيطرة الأردنية

 

بعد الإعلان عن قيام إسرائيل في منتصف سنة 1948، سيطرت الدولة الجديدة على مساحات واسعة من الأراضي التي كانت تحت الانتداب البريطاني، باستثناء قطاع غزة ومنطقة أخرى على حدود الأردن مساحتها 5655 كم مربعا، عرفت لاحقاً بالضفة الغربية. ظلت هاتان المنطقتان بيد العرب والفلسطينيين.

اسم "الضفة الغربية" في الواقع حديث نسبياً، أطلقه الأردن عليها نسبة إلى موقعها من نهر الأردن. وكانت لدى المملكة الواقعة في الضفة الشرقية للنهر رغبة جامحة في ضمِّ الضفة الغربية لأراضيها.

في أكتوبر 1948، استضافت الحكومة الأردنية مؤتمراً جمعت فيه بعض وجهاء فلسطين، كانت نتيجته اعتبار الملك عبد الله (الأول) ممثلاً للعرب في فلسطين.

بعدها بشهرين، انعقد مؤتمر آخر في أريحا انتهى بإعلان "الوحدة الفلسطينية الأردنية" ومبايعة الملك عبد الله ملكاً على فلسطين.

وفي 1950 عُقد أول مؤتمر نيابي مثل الضفتين، أعاد تأكيد موافقته على الوحدة الاندماجية بين الضفة الغربية والأردن.

أثار هذا السلوك اعتراضاً عربياً متصاعداً بدأ من رئيس وزراء لبنان، رياض الصُلح، الذي بعث برقية إلى الملك عبد الله يقول له فيها إنه يرى أن تقسيم فلسطين "ليس حلاً"، فكان الرد أن الملك يسعى للخروج من المأزق بأقل الخسائر.

وهاجمته أيضا صحيفة مصرية بالقول إن الملك عبد الله "يطمع في أن يتخذ من أشلاء فلسطين زينة لأرضه وبلاده".

المساعي الأردنية، خلال هذه الفترة، انتهت مع اغتيال الملك عبد الله داخل المسجد الأقصى في القدس عام ١٩٥١، وتعطّلت عملية الضم حتى حرب 1967، حين سيطرت إسرائيل على الضفة الغربية.

 

السيطرة الإسرائيلية

 

يعتبر الكثيرون في تل أبيب الضفة الغربية جزءاً من أرض إسرائيل التاريخية. ومن الناحية الأمنية تشكّل أي سيطرة عربية على الضفة هاجساً كبيراً عند الإسرائيليين كونها تطلُّ على مثلث (القدس- تل أبيب- عسقلان) الاستراتيجي، حيث يقيم العدد الأكبر من سكان إسرائيل، فضلاً عن تركز المنشآت الصناعية فيه.

كذلك، فإن الجانب المسيطر على الضفة الغربية سيكون قادراً على إصابة العُمق الإسرائيلي بسهولة. فما يعُرف بـ"الخط الأخضر" الذي يمثل حدود إسرائيل، لا يبعد سوى كيلو متر واحد عن القدس، و10 كيلو مترات عن مطار بن غريون، بالإضافة لمبنى الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، الذي كان في مرمى المدفعية الأردنية قبل عام 1967، وجرى قصفه فور اندلاع الحرب في 5 يونيو من العام نفسه.

واعتبرت إسرائيل طيلة العقود الماضية وجودها في الضفة الغربية ركيزة أساسية لضمان أمنها. لذا عملت على ترسيخه عبر بناء المزيد من المستوطنات وزيادة كثافتها السكانية.

في عام 1980، قدّم آرئيل شارون، الذي  كان يشغل منصب وزير الزراعة حينها، خطة أسماها "مكافحة الإرهاب من الداخل"، تقوم على تسكين مليون إسرائيلي داخل مستوطنات الضفة الغربية حتى عام 2000.

حظيت هذه الخطة بدعمٍ كبير من القوى اليمينية. وخلال 6 سنوات، انتهت إسرائيل من بناء 68 مستوطنة سكنها 58 ألف مستوطن، نُظر  إليهم باعتبارهم "مدنيين في الخدمة العسكرية".

تباطأت حدة الخطط الاستيطانية قليلاً بعد توقيع اتفاقية السلام مع مصر (1979). وفي عام 1992، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين إيقاف الاستيطان في الضفة.

أعلن اليمين الإسرائيلي الحرب على رابين بسبب هذا القرار، حدّ وصفه بأنه "عدو لإسرائيل". وبعدها بثلاث سنوات اغتيل على يد مستوطن متطرف يدعى إيغال عامير.

وما تزال أحزاب اليمين المتطرف تنادي بضرورة التوسع في إقامة المستوطنات داخل الضفة الغربية، وتعتبر الإسرائيليين القاطنين فيها يؤدون "مهمة وطنية مقدسة".

ويطلق عدد كبير من السياسيين الإسرائيليين على الضفة اسم "يهودا والسامرة" فضلاً عن إطلاق أسماء توراتية متعددة على المستوطنات الجديدة وعلى القرى والجبال والهضاب.

وبحسب ما أعلنته منظمة التحرير الفلسطينية، العام الماضي، فإن عدد المستوطنات داخل الضفة الغربية بلغ 158 مستوطنة كبيرة بالإضافة إلى 200 بؤرة استيطانية يقطنها أكثر من 750 ألف مستوطن.

ومنذ 1995، فكّرت إسرائيل في إقامة جدار بطول 700 كم تقريباً يفصل المناطق الإسرائيلية عن نظيرتها الفلسطينية في الضفة. لكن هذه الفكرة لم تُنفذ إلا في يونيو 2002، ولاقت انتقادات دولية وفلسطينية واسعة.

وفي 2020، أعلنت الحكومة الإسرائيلية تنفيذ خطة لإعلان ضمِّ أجزاءٍ من الضفة الغربية لأراضيها ضمن حدود إسرائيل، لكنها تراجعت لاحقاً عن هذه الخطوة إثر اتفاق السلام مع الإمارات.

 

السيطرة الفلسطينية

 

رغم احتلال إسرائيل للضفة الغربية، ظلّت الأردن تعتبرها جزءاً من أراضيها، حتى قرّرت عمّان فك الارتباط القانوني والإداري معها في 1988 بناءً على طلب من منظمة التحرير الفلسطينية.

لاحقا، جرت مباحثات مطوّلة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل انتهت بتوقيع اتفاقية أوسلو عام 1993.

ووفقاً لاتفاقية أوسلو، جرى تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق: (أ) وتمثل 18% من المساحة وتخضع لسيطرة فلسطينية، و(ب) التي تمثل 21% من المساحة وتخضع لسيطرة فلسطينية- إسرائيلية مشتركة، و(ج) التي تمثّل 61% من المساحة، وهي تحت السيطرة الإسرائيلية، على أن تُنقل تدريجياً إلى السلطة الفلسطينية.

لم يحدث هذا الأمر حتى اليوم، وما زالت المناطق (ج) تحت سيطرة إسرائيل.

بموجب الاتفاق أيضاً، ظهرت السُلطة الفلسطينية إلى العلن واتخذت من رام الله عاصمةً إدارية مؤقتة لها، وقامت بتقسيم الضفة إدارياً إلى 11 محافظة، هي: القدس، الخليل، بيت لحم، رام الله والبيرة، نابلس، أريحا، طوباس، جنين، طولكرم، قلقيلية، وسلفيت.

في عام 2000، حدث التحوّل الكبير في مسار تسلُّم الفلسطينيين حُكم مناطق إضافية في الضفة الغربية بعدما زار أرييل شارون -زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك- باحة المسجد الأقصى، وهو الأمر الذي تسبب في اشتعال "الانتفاضة الثانية"، التي عُرفت بـ"انتفاضة الأقصى".

عقب ذلك، أعادت إسرائيل التموضع في الضفة الغربية، رغم اعتراض السلطة الفلسطينية ومطالبتها بالالتزام باتفاقية أوسلو. الاتفاقية نفسها التي بات ينظر إليها بأنها "ميتة" من قِبَل الكثير من المسؤولين الفلسطينيين والإسرائيليين.

مع حلول عام 2006، تسبب الخلاف بين حركتي فتح وحماس عقب الانتخابات التشريعية الفلسطينية في حدوث حرب مسلحة بينهما، انتهت بسيطرة حماس على قطاع غزة، فيما ظلت فتح والسلطة الفلسطينية تسيطران على الضفة الغربية.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

عناصر من تنظيم القاعدة بأفغانستان في عام 2011- صورة أرشيفية.
عناصر من تنظيم القاعدة بأفغانستان في عام 2011- صورة أرشيفية.

الحرة- وائل الغول- برعاية حركة طالبان يواصل تنظيم القاعدة "التوسع" داخل أفغانستان، ما دفع مختصين تحدث معهم موقع "الحرة" لدق ناقوس الخطر بشأن عودة التنظيم المصنف على قوائم الإرهاب في الولايات المتحدة ودول أخرى للواجهة مرة أخرى، كما تحدثوا عن إمكانية "وقوع هجمات إرهابية" في عدة دول على مستوى العالم.

وفي عام 2024، أنشأ تنظيم القاعدة 9 معسكرات تدريب جديدة في أفغانستان، وفقا لما نقلته مجلة "فورين بولسي"، عن المتحدث باسم جبهة المقاومة الأفغانية، علي ميسم نزاري، الذي يزور واشنطن هذا الأسبوع.

وقال نزاري الذي يمثل جبهة المقاومة الوطنية الأفغانية المتمركزة في وادي بنجشير بشمال كابل، إن "القاعدة" أنشأت مراكز تجنيد وتدريب وقامت ببناء قواعد ومستودعات ذخيرة في قلب وادي بنجشير، بسماح من حركة طالبان.

علاقة "وطيدة" بين طالبان والقاعدة

في 15 أغسطس 2021، سيطر مقاتلو طالبان على العاصمة الأفغانية كابل بعد انهيار الحكومة المدعومة من واشنطن وفرار قادتها إلى المنفى، وذلك بعد خوض الحركة تمردا مسلحا استمر 20 عاما.

ويشير الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، منير أديب، إلى أن حركة طالبان لم تتخلى عن "تنظيم القاعدة" يوما واحدا وكانت ومازالت "داعم أساسي" للتنظيم منذ أكثر من 20 عاما.

ومنذ عودتها للسلطة مرة أخرى، "تسهل طالبان توسع تنظيم القاعدة بالأراضي الأفغانية، وتوفر "غطاء" للتنظيم، وتدافع عنه داخل أفغانستان، وبذلك استطاعت القاعدة تدشين معسكرات جديدة داخل البلاد، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويتحدث عن "علاقة حميمية" بين طالبان والقاعدة، و"تنامي" لوجود التنظيم على الأراضي الأفغانية، في ظل "حالة من التسامح وتسهيل تحرك عناصر وقادة التنظيم".

وتعتقد "الأمم المتحدة" أن تنظيم القاعدة لديه معسكرات تدريب في 10 مقاطعات على الأقل من مقاطعات أفغانستان البالغ عددها 34 مقاطعة، رغم نفي طالبان العلني وجود التنظيم في البلاد.

ما علاقة "إيران وحرب غزة"؟

اندلعت الحرب بين إسرائيل وحماس المصنفة إرهابية في أميركا ودول أخرى، إثر هجوم الحركة "غير المسبوق" على مناطق ومواقع محاذية لقطاع غزة في السابع من أكتوبر، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون، وبينهم نساء وأطفال، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردا على الهجوم، تعهدت إسرائيل "القضاء على حماس"، وتنفذ منذ ذلك الحين حملة قصف على قطاع غزة أتبعت بعمليات برية منذ 27 أكتوبر، أسفرت عن مقتل ما يزيد عن 40 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، وفق ما أعلنته وزارة الصحة في القطاع.

ويرصد الباحث في شؤون الإرهاب بمنتدى الشرق الأوسط في لندن، أحمد عطا، "توسع" تنظيم القاعدة في أفغانستان بعد الحرب بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة.

ووجهت قيادات القاعدة دعوة لعناصر التنظيم في ارتكازات جغرافية مختلفة من أجل "الانتقال إلى أفغانستان"، وكانت عملية الانتقال بدعم من إيران بهدف صناعة "قوة عسكرية راديكالية" على الأراضي الأفغانية، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويؤكد عطا أنه رغم "اختلاف الأيدولوجية بين إيران الشيعية وتنظيم القاعدة السني لكن هناك وطيدة بينهما".

ويكشف عن انتقال أكثر من 2500 عنصر من تنظيم القاعدة إلى أفغانستان "على 3 مراحل"، بتنسيق "سري" من الحرس الثوري الإيراني.

وتم نقل عناصر من القاعدة من سوريا والعراق ومن دول أفريقية ومن شرق آسيا إلى أفغانستان، وفق الباحث في شؤون الإرهاب بمنتدى الشرق الأوسط في لندن.

ويرى عطا أن الهدف من دعم طهران لعناصر القاعدة هو "صناعة جيش موازي"، على الأراضي الأفغانية بالقرب من الحدود الإيرانية في حالة تعرض إيران لهجمات عسكرية من إسرائيل أو من الغرب.

تحذير من "عمليات إرهابية مرتقبة"

دعا زعيم تنظيم القاعدة، سيف العدل، صراحة المقاتلين الأجانب إلى الهجرة إلى أفغانستان والاستعداد لمهاجمة الغرب، وفق ما نشره موقع "longwarjournal".

وسيف العدل، ضابط سابق في القوات الخاصة المصرية وشخصية بارزة في الحرس القديم للقاعدة، وكان يقيم في إيران منذ 2002 أو 2003، حسبما أشار تقرير للأمم المتحدة، وأكدته "الخارجية الأميركية".

وفي عام 2023، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، إن "تقييمنا يتوافق مع تقييم الأمم المتحدة، أن الزعيم الفعلي الجديد للقاعدة، سيف العدل، موجود في إيران".

ووقتها نفت طهران على لسان وزير خارجيتها الراحل، حسين أمير عبد اللهيان، وجود "أي ارتباط مع تنظيم القاعدة أو وجود سيف العدل على أراضيها".

وقال في منشور عبر حسابه بمنصة أكس: "أنصح مسؤولي البيت الأبيض بوقف لعبة رهاب إيران الفاشلة.. نشر أخبار عن زعيم القاعدة وربطه بإيران أمر مضحك".

وساعد سيف العدل في بناء القدرة العملانية للتنظيم ودرب بعض الخاطفين الذين شاركوا في هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، وفق المنظمة الأميركية "مشروع مكافحة التطرف".

ويتوقع عطا أن يكون هناك "تدوير لعمليات إرهابية تستهدف مصالح الغرب وإسرائيل في منطقة الخليج، بالإضافة لاستهداف السفن في الممرات المائية الحيوية بعدما تم تدريب عناصر القاعدة لأول مرة في أفغانستان على زراعة ألغام بحرية".

وقد يشهد الشتاء المقبل أعنف موجة من العمليات الإرهابية التي سيقوم بها تنظيم القاعدة في عدة دول، وفق توقعات الباحث في شؤون الإرهاب بمنتدى الشرق الأوسط في لندن.

وفي سياق متصل، يؤكد أديب أن أفغانستان عادت لما كانت عليه قبل عام 1997، وستكون أراضيها منطلقا لتنفيذ عمليات إرهابية لـ"تنظيم القاعدة" في جميع دول العالم وليس في آسيا فقط.

وتنظيم القاعدة سيعود لتصدر المشهد من جديد وقد ينفذ عمليات إرهابية جديدة، في ظل "توسعه" بالفترة الأخيرة، وفق توقعات الباحث في شؤون الحركات المتطرفة.