FILE PHOTO: A general view shows the interiors of what the Israeli military say is a cross-border attack tunnel dug from Gaza to Israel, on the Israeli side of the Gaza Strip border near Kissufim
لقطة لمخرج أحد الأنفاق الذي حفرته حماس ويصل بين قطاع غزة وإسرائيل

بعد عودتها من الاختطاف، على أيدي مقاتلي حركة "حماس" عقب هجوم السابع من أكتوبر، حكت الرهينة الإسرائيلية يوتشيفيد ليفشيتز أنها سارت لساعتين أو ثلاث في أنفاقٍ طويلة مثل "شبكة العنكبوت"، على حد وصفها، حتى وصلت إلى قاعة كبيرة يوجد فيها 25 أسيراً إسرائيلياً.

في هذه القاعة المتّسعة القابعة تحت الأرض، قضت يوتشيفيد فترة اختطافها لتخرج بعدها وتدلي بآخر شهادة معروفة عن شكل أنفاق غزة التي حفرتها "حماس" طيلة الأعوام الفائتة، وتعتمد عليها بشكلٍ كبير في تهريب الأسلحة وتنفيذ هجماتها.

وبينما يترقّب العالم العملية البرية التي أعلنت إسرائيل مراراً نيتها شنّها ضد قطاع غزة، فإن أكثر ما يقلق القادة العسكريين الإسرائيليين هو شبكة الأنفاق الهائلة المحفورة تحت الأرض، والتي اعتبرها خبراء أحد الأسباب الرئيسية لتأخر تنفيذ العملية البرية حتى هذه اللحظة، رغم الجهود الكبيرة التي بذلها سلاح الطيران في قصف العشرات منها

لأجل هذه الأنفاق تحديداً استعانت إسرائيل بنوعٍ محدّد من القنابل تُعرف بِاسم "القنابل الإسفنجية" تأمل أن تساعدها في مهمتها الصعبة للوصول إلى أعماق الأنفاق وتدميرها من الجو بدلاً من الاضطرار لتنفيذ هذه المهمة الخطرة عبر وحداتٍ مقاتلة برية.

 

أنفاق غزة

 

الاستعانة بالأنفاق في الحروب العسكرية تكتيك بالغ القدم. فكثيراً ما شهدت حروب العصور الوسطى لجوء الجيوش المتصارعة إلى الاستعانة بالأنفاق كوسيلة لتجاوز الجدران الحصينة واقتحام المُدن، أو كوسيلة للدفاع في مواجهة الجيوش المهاجمة.

أما في العصر الحديث فقد أصبحت تكتيكاً تلجأ إليه القوى الأقل تسليحا وجاهزية والتي لا تملك قوة عسكرية كبيرة تمكّنها من خوض مواجهة مباشرة بنجاح.

في غزة، وعقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد، تراجع حجم القوة المصرية المتاخمة للحدود مع إسرائيل وقطاع غزة. خلَق هذا الضعف الأمني على الحدود بيئة مثالية لإقامة أنفاق لتهريب السلع والأسلحة من مصر إلى غزة.

ساعدت الطبيعة الرملية لأرض قطاع غزة على ذلك، عبر سهولة حفرها باستخدام معدات بسيطة.

عقب تأسيس "حماس" في العام، 1987 اعتمدت الحركة الناشئة على الأنفاق في الحصول على قطع السلاح التي احتاجتها لبناء خلاياها العسكرية الأولى.

وفي العام 2001 استُخدمت الأنفاق عسكرياً لأول مرة بعدما استعان مقاتلو الحركة بنفق لمهاجمة موقع "ترميد" التي كانت بداية لتحوّل الأنفاق من وسيلة لنقل الأسلحة إلى وسيلة هجومية في حدِّ ذاتها.

عقب انسحاب إسرائيل من قطاع غزة في 2005، خلت الساحة أمام "حماس" للسيطرة تدريجياً على القتال والتوسّع في بناء المزيد من الأنفاق، وهو النشاط الذي تضاعف عقب انفراد "حماس" بالسيطرة على القطاع.

بِاستخدام أحد هذه الأنفاق هاجم مسلحو حماس موقع كرم أبو سالم العسكري وأسروا الجندي جلعاد شاليط، الذي بادلوه لاحقاً بألف أسير فلسطيني. وفي 2014، وعبر نفقٍ آخر اختطف مسلحو حماس الملازم هدار غولدين، والذي لا يزال مصيره مجهولاً حتى اللحظة.

وبعد فرض إسرائيل حصاراً شاملاً على القطاع، إثر وصول حماس إلى السُلطة، نُظر إلى الأنفاق كوسيلة لتخفيف وطأة الحصار عبر بناء شبكات ضخمة لإدخال الأسلحة والأطعمة عبر مصر وأيضاً تهريب المقاتلين إلى الخارج لتلقي التداريب والعودة من جديد إلى القطاع.

تدريجياً امتلكت حماس والفصائل الفلسطينية براعة كبيرةً في بناء الأنفاق وتدعيمها بالأخشاب وألواح الفولاذ والخرسانة، وبلغت هذه الأنفاق من الضخامة حدّاً أن سيارات ضخمة وعربات تسير على قضبان سكة حديد باتت قادرة على السير داخلها. وزُودت هذه الأنفاق بالكهرباء والحمامات.

داخلياً كذلك، توسّعت حماس في بناء شبكة معقدة من الأنفاق حوت مخازن الأسلحة وورش التصنيع الحربي ومراكز القيادة والاتصالات ومخابئ آمنة للقيادات العليا.

وأيضاً استُخدمت بعض هذه الأنفاق لتكون مخبأً لمنصات إطلاق الصواريخ والقذائف التي عادةً ما تموّه فتحاتها بأبوابٍ معدنية بشكلٍ يعيق عملية تحديد مصدر إطلاق الصواريخ. 

 

حجم أنفاق "حماس"

 

حظيت الأنفاق باهتمامٍ كبير من قِبَل وسائل الإعلام العالمية التي سعت إلى تخمين حجمها ومدى تعقيدها ودورها الحاسم في الصراع.

تقول دافني ريتشموند باراك، الخبيرة الإسرائيلية في الحروب تحت الأرض، بأن إسرائيل نجحت في تعزيز قدراتها في التصدي لصواريخ حماس في الجو عبر استخدام منظومة القبة الحديدية، لكن "لا توجد قبة حديدية للأنفاق"!

وتتبع ريتشموند بأنه على الرغم من أن تل أبيب استخدمت نظاماً إلكترونياً ذكياً لمراقبة حدودها واستشعار الأخطار عن بُعد إلا أنه أثبت فشلاً ذريعاً في هجوم 7 أكتوبر بعدما نجحت حماس في اختراقه ومهاجمة مواقع عسكرية وقرى وبلدات متاخمة للقطاع.

في 2021، أعلن الجيش الإسرائيلي تدميره 100 كيلومتر من الأنفاق وهو ما نفاه يحيى السنوار القيادي في حركة "حماس"، قائلا أن الإسرائيليين لم يُدمروا إلا 5% فقط من أنفاق يبلغ طولها 500 كيلومتر، ليكون هذا أول إعلان رسمي من قِبَل "حماس" عن حجم ما تمتلكه من أنفاق تحت الأرض.

أرقام السنوار لا تختلف كثيراً عن تقديرات الجانب الإسرائيلي الذي قال إن حجم الشبكة قد يبلغ 480 كيلومتراً. أبرز الأدلة على مدى تعقيد هذه الشبكة هو النفق الذي اكتشفته إسرائيل بطول 1.5 ميل وعُمق 20 متراً تحت الأرض وتطلّب بناؤه 800 طن من الخرسانة الجاهزة.

ووفقاً لتقديرات "سي إن إن"، فإن حجم الأنفاق بات يوازي نصف شبكة المترو التي تربط مدينة نيويورك ببعضها، فيما قالت "بي بي سي" إنها تتفوّق على شبكة مترو لندن التي يبلغ طولها 400 كيلومتر فقط.

منتقدو "حماس" يعتبرون أن الإنفاق الهائل على الأنفاق يمكن أن يكون كافياً لبناء مخابئ كبيرة للمدنيين أو شبكات إنذار مبكرة تنذرهم بقُرب وقوع هجوم، وهو ما ترفضه حماس وتعتبر "الأنفاق" سلاحا أساسيا في صراعها مع إسرائيل.

بخلاف التجربة الفيتنامية فإن كثيراً من الأنفاق في غزة لم تُبنَ في مناطق نائية كالغابات والجبال بل بالقرب من مناطق مدنية داخل القطاع الذي يُصنّف كواحدٍ من أكثر الأماكن اكتظاظاً بالسكان في العالم، الأمر الذي يزيد من تعقيد عمليات رصد أماكن الأنفاق ومهاجمتها من قِبَل الجانب الإسرائيلي.

ووفقاً لجون سبينسر الخبير العسكري المتخصص في حرب المدن، فإنه من الصعب تنفيذ عمليات هجومية داخل هذه الأنفاق التي يصعب فيها  عمل أنظمة الملاحة والاتصالات، وحتى نظارات الرؤية الليلية تبدو بلا جدوى كما أن استخدام الأسلحة النارية قد يشكّل خطراً كبيراً.

أرييل بيرنشتاين الجندي الإسرائيلي الذي شارك في عمليات عسكرية داخل غزة في 2014 وصف الأنفاق بأنها "نقاط عمياء" تسمح لمقاتلي حماس بالخروج من العدم.

وهو ما عبّر عنه جندي إسرائيلي آخر سبق له القتال في غزة حين صرّح قائلاُ "نعلم أنهم ينتظروننا، وبقدر ما هو سيء القتال في غزة فوق الأرض، فإن القتال تحت الأرض أسوأ بكثير".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.