FILE - Israeli Prime Minister Yitzhak Rabin, left, and Palestinian leader Yasser Arafat shake hands marking the signing of the…
الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات يصافح رئيس وزراء إسرائيل اسحاق رابين، بحضور الرئيس الأميركي بيل كلينتون، عقب توقيع اتفاقيات أوسلو في العام 1993.

المسار الوحيد الذي تعتبره الأمم المتحدة، والولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد الأوروبي وأغلب الدول العربية السبيل الوحيد لإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. يطلق عليه الجميع "حل الدولتين"، فما هو هذا الحل؟ ومتى ظهر؟

 

لجنة بيل.. الفكرة الأولى

 

الظهور الأول لمفهوم "حل الدولتين" جاء في توصيات لجنة بيل البريطانية التي زارت فلسطين لبحث أسباب اندلاع ثورة 1936. وانتهت اللجنة إلى أنه من المستحيل التعايش بين المسلمين واليهود، لذا اقترحت في تقريرها الصادر 1937 بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود مع إبقاء القدس تحت الوصاية الانتدابية البريطانية، لتكون أول وثيقة رسمية بريطانية تقترح إقامة دولتين من خلال التقسيم.

بحسب الوثيقة البريطانية، فإن الدولة اليهودية تشمل عكا وحيفا وصفد وطبريا والناصرة وتل أبيب. وبذلك فهي تمتدُّ على البحر من حدود لبنان وحتى جنوب يافا. أما الدولة العربية فكان مقرراً أن تشمل المناطق الواقعة غرب نهر الأردن وغزة وبئر السبع وصحراء النقب والخليل ونابلس وطولكرم وجنين وبيسان ويافا.

سريعاً، أيّدت الحكومة البريطانية هذه المقترحات وكذلك صوّت عليها مجلس العموم البريطاني بالموافقة.

ووفقاً لدراسة "رؤية حل الدولتين وأثرها على التسوية السياسية للقضية الفلسطينية" للباحث مروان ناجي، فإن اليهود حينها رحبوا بتوصيات اللجنة البريطانية في الوقت الذي رفضها العرب تماماً وعقدوا مؤتمراً في سوريا أعلنوا فيه رفضهم تقسيم فلسطين الانتدابية ومعارضة إقامة دولة يهودية فيها.

على إثر الرفض العربي لتوصيات لجنة بيل، سحبت لندن موافقتها عليها وأرسلت لجنة جديدة برئاسة سير جون وودهيد، انتهت إلى اعتبار أن إقامة دولتين في فلسطين "غير عملي" وأعادت التمسّك بإقامة دولة واحدة تضمُّ العرب واليهود معاً.

 

ما بعد الانتداب.. الأمم المتحدة تتدخل

 

ازدادت الأوضاع في فلسطين خطورة فور انتهاء الحرب العالمية الثانية  بعدما أعلنت بريطانيا اعتزامها إنهاء انتدابها على المنطقة في أسرع وقت، وهو ما جعلها القضية الأبرز التي ناقشها مؤتمر لندن.

قدّمت بريطانيا مشروعاً يقضي بإقامة دولة واحدة مقسّمة إلى 4 مناطق إدارية، هي: منطقة يهودية، منطقة عربية، القدس، وصحراء النقب، على أن تُقام حكومة محلية في كل منطقة. أما الدولة بأسرها فتُقاد بواسطة حكومة مركزية تمثّل فيها المناطق الأربعة.

رُفض المشروع فور طرحه ولم يحقق أي نجاحٍ يُذكر، فأحالت لندن المشكلة إلى الأمم المتحدة.

شكّلت الأمم المتحدة لجنة من 11 عضواً برئاسة القاضي السويدي أميل ساندوستروم. وفي أغسطس 1947، تقدّمت اللجنة بمشروعين؛ الأول اعتمد حل دولتين واحدة عربية تتألّف من مناطق الجليل الغربي ونابلس والسهل الساحلي من أسدود وحتى مصر والثانية يهودية تتألّف من الجليل الشرقي وسهل مرج بن عامر وبئر السبع والنقب. أما القدس وضواحيها فتُوضع تحت وصاية دولية.

المشروع الأممي الثاني الذي تقدّمت به اللجنة هو إقامة حكومتين، إحداهما عربية والأخرى يهودية، مستقلتين استقلالاً ذاتياً على أن تتألّف منهما دولة اتحادية بِاسم فلسطين.

وفي 1947، طُرح مشروع التقسيم في الأمم المتحدة للتصويت فوافقت عليه 33 دولة وعارضته 13 فيما امتنعت 10 دول عن التصويت. تبنّى القرار الأممي تقسيم فلسطين إلى دولتين واحدة يمتلك اليهود 56% من أراضيها فيما يقيم العرب دولتهم على الأراضي المتبقية، أما القدس فتخضع لإشراف دولي.

احتفلت الحركة الصهيونية بالقرار وأقامت مهرجانات في شوارع تل أبيب ونيويورك، وحين أعلنت بريطانيا إنهاء انتدابها في 15 مايو 1948 أعلن بن جوريون إقامة دولة إسرائيل في اليوم نفسه.

أما على الجانب العربي، فظل العرب على موقفهم الرافض لكل هذه القرارات. وفي ديسمبر 1947، عقدت الجامعة العربية اجتماعاً في القاهرة، انتهى بالتمسك برفض مشروع التقسيم والحيلولة دون إقامة إسرائيل.

 

ما بعد "النكسة"!

 

في ورقته البحثية "غروب حل الدولتين"، يقول مصطفى الحسيني إن هزيمة 1967 أحدثت رجّة كبرى في فكر بعض القيادات الفلسطينية ودفعتهم للتراجع عن موقفهم الرافض للتنازل عن أي جزء من فلسطين والذي بلغ ذروته قبل النكسة بدعوة أحمد الشقيري الرئيس السابق لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى "إلقاء اليهود في البحر"!.

في عام 1968، طرح نبيل شعث القيادي في "فتح" فكرة إقامة "دولة واحدة فلسطينية" ديمقراطية علمانية يعيش فيها العرب واليهود معاً. هذه المرة أيضاً قُوبلت فكرته بالرفض واعتبرها البعض منحازة للجانب الإسرائيلي.

أثارت هذه الدعوة خلافا داخل إسرائيل بعدما اعتبرها ناحوم جولدمان، أحد مؤسسي المؤتمر اليهودي العالمي، اقتراحاً مهماً قد يقود إلى تسوية تاريخية بين الطرفين، بينما وصفتها جولدا مائير رئيسة الحكومة آنذاك بأنها "قنبلة إعلامية صادرة عن مخربين"، ثم هاجمت جولدمان فوصفته بأنه "يهودي يكره نفسه".

ظلَّ الوضع مجمداً حتى قامت حرب أكتوبر 1973 وأفضت إلى تغييرات جديدة في الأوضاع السياسية. منذ 1974، اعتبرت الحركة الوطنية الفلسطينية حل الدولتين هدفاً مركزياً. وفي 1990، أعلن صلاح أبو إياد الرجل الثاني في "فتح" حينها استعداد حركته للاعتراف بدولة إسرائيلية وإقامة دولة فلسطينية على أي جزء متاح من الأرض.

أفسحت الاستراتيجية الجزئية الفلسطينية الجديدة المجال لتوقيع اتفاق أوسلو الذي سمح بقيام سُلطة عربية على بعض أجزاء فلسطين تمهيداً لإعلان دولة مستقلة بها.

 

التنازع على "شكل الدولة"

 

رغم توقيع اتفاقات سلام بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي فإنهما اختلفا حول حجم الصلاحيات التي يجب أن تمتلكها الدولة العربية المراد إقامتها. سعى الفلسطينيون إلى دولة كاملة الصلاحيات تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل وهو المبدأ الذي لا تزال السُلطة الفلسطينية تتمسّك به حتى اللحظة.

في 2014، حاول الرئيس الفلسطيني محمود عباس طمأنة المخاوف الأمنية الإسرائيلية فاقترح أمام مجلس الأمن إقامة الدولتين مع وجود طرفٍ دولي ثالث بينهما لضمان منع أي انتهاك يمسُّ بسيادة كل دولة.

حركة "حماس" التي عارضت منذ نشأتها اتفاق أوسلو ورفضت الاعتراف بوجود إسرائيل عدّلت مواقفها في 2017 بعدما أصدرت ما عُرف بـ"وثيقة خالد مشعل" التي اعترفت بحل الدولتين في حدود 4 يونيو 1967 لينسجم موقف الحركة مع موقف السُلطة الفلسطينية.

على الجانب الآخر، نظر قادة إسرائيل بريبة إلى الدولة الفلسطينية المرتقبة وتنبأ عددٌ منهم بأنها ستكون خطراً على دولتهم.

وقال الباحث العسكري الإسرائيلي آريه شاليف إن الضفة تمثّل منطقة حيوية جدًا لإسرائيل فهي تبعد كيلومترات صغيرة عن أهم المدن الحيوية، وإذا انطلقت منها الحرب فإن إسرائيل ستنقسم إلى 3 أجزاء. ويتابع: "حتى بدون حرب، فإن إسرائيل ستظلُّ تحت التهديد المستمر من الضفة الغربية، وسيكون مجالنا الجوي تحت سيطرة الضفة".

صورة أرخت للإعلان عن اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1993- أ ف ب
ثلاث سلطات واتفاقيات سلام لم تصل إلى حل.. كيف نشأت الضفة الغربية؟
استأثرت غزة باهتمام العالم بأسره فوق وقوع الحرب بين إسرائيل وبين مقاتلي حماس وفصائل فلسطينية أخرى، ما أبعد الأنظار عن جبهة أخرى أكبر حجماً، وهي الضفة الغربية. فماذا نعرف عنها وعن المواجهة التي قد تتطور في مساحتها؟

واعتبر شاليف أن إقامة أي منطقة فاصلة بين الجانبين ستكون مصدر إزعاج أمني لإسرائيل ولن تحل هواجسها الأمنية.

قبل اغتياله بشهر، قال إسحق رابين أنه يؤيد إقامة "كيان فلسطيني" يكون "أقل من دولة" فيكتفي بتصريف حياة الفلسطينيين دون أن يمتلك المزيد من الصلاحيات المستقلة.

وفي عهد الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، مارَست الولايات المتحدة ضغوطاً كبيرة على إسرائيل لتنفيذ حل الدولتين فوافقت الحكومة الإسرائيلية بعدما وضعت 14 شرطاً على الجانب الفلسطيني، تشترط الالتزام بها جميعاً حتى تسمح بإقامة دولته. من هذه الشروط: الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية، الموافقة على إقامة المستوطنات، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وغيرها من الشروط التي رفضها الفلسطينيون.

وخلال رئاسة باراك أوباما مارس الرئيس الأميركي ضغوطاً مماثلة على الإدارة الإسرائيلية حتى وافق نتنياهو على قبول حل الدولتين بشرط أن تكون دولة فلسطين منزوعة السلاح لا تملك أي صلاحيات لعقد معاهدات عسكرية مع أي دولة وأن يبقى مجالها الجوي مفتوحاً أمام إسرائيل.

وبرغم ترحيب أوباما بهذا الإعلان باعتباره خطوة أولى نحو قبول الطرفين بـ"حل الدولتين" على أن تحل باقي التفاصيل عبر المفاوضات، إلا أن الشروط الإسرائيلية رفضت من قِبَل الفلسطيينين فانتهت جهود أوباما دون تحقيق أي تقدم طيلة فترتي رئاسته.

هذا الاختلاف مستمر حتى اليوم في الساحة الإسرائيلية بين مؤيدين لفكرة دولة فلسطينية "منقوصة"، وهو عرض يرفضه الفلسطينيون، وبين سياسيين آخرين محسوبين على التيار اليميني يرفضون مبدأ "حل الدولتين" بالمطلق بدعوى أنها ستسمح بإنشاء "كيان إرهابي" يسمح للمتشددين بمهاجمة إسرائيل مراراً وتكراراً.

 

حل الدولة الواحدة

 

رغم شيوع "حل الدولتين" باعتباره "الشكل الأمثل" لإنهاء الأزمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإن حلولاً أخرى جرت مناقشتها تضمنت إقامة "دولة واحدة" ثنائية القومية. ووفقاً للحسيني، فإنه كلما علا صدى حل الدولة الواحدة كان ذلك علامة على تأزم حل الدولتين.

على الجانب الإسرائيلي، تبنّى هذه الفكرة الجنرال العسكري مائير عاميت الذي تولى رئاسة الموساد في العام 1963.

أما عربياً، فقد طرح هذا الأمر في 1942 السياسي العراقي نوري السعيد، ومن بعده الزعيم الليبي معمّر القذافي الذي قال إن حل الدولتين سيكون مصدراً دائماً للتوتّر لذا فإن الحل هو إقامة دولة واحدة للجميع، منحها اسم "إسراطين".

لم تلقَ الدعوات السابقة أي استجابة تُذكر، عربياً أو دولياً، وظلَّ حل الدولتين هو الخيار الوحيد المطروح دولياً لإنهاء الأزمة رغم التعقيدات التي تطرأ عليه يوماً بعد يوم.

يقول محمد دياب، في بحثه "حل الدولتين من وجهة نظر اليمين الإسرائيلي"، بأنه منذ تداعي حل الدولتين فإن جيل الشباب لم يشهد إلا الأسوأ بعدما وقع الجميع في دوامة انعدام الثقة التي دفعت الطرفين إلى المزيد من التطرف.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".