صورة بعد فتح معبر إيريز بين إسرائيل وغزة للسماح بدخول عمال فلسطينيين من القطاع إلى إسرائيل (سبتمبر2023)
صورة بعد فتح معبر إيريز بين إسرائيل وغزة للسماح بدخول عمال فلسطينيين من القطاع إلى إسرائيل (سبتمبر2023)

قبل أيام من هجوم مسلحي حماس في السابع من أكتوبر، أظهر استطلاع للرأي إحباط أهالي قطاع غزة من عدم فعالية إدارة حركة حماس لشؤونه.

وكشف الاستطلاع الذي أجرته شبكة "الباروميتر العربي" في غزة والضفة الغربية، أن أغلب سكان غزة لا يتفقون مع أيديولوجية حماس التي تهدف إلى تدمير  إسرائيل، فغالبية المستطلعة آراؤهم أيدوا حل الدولتين، أي وجود دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل.

 

خيبة أمل

أجريت المقابلات الخاصة باستطلاع الرأي بين 28 سبتمبر و8 أكتوبر، بمشاركة 790 شخصاً في الضفة الغربية و399 شخصاً في غزة (تم الانتهاء من المقابلات في غزة في السادس من أكتوبر أي قبل يوم واحد من هجوم حماس).

وكشفت النتائج عن أن سكان غزة لم تكن لديهم ثقة كبيرة في حكومتهم التي تقودها حماس. وعندما طلب منهم تحديد مدى الثقة التي لديهم في سلطتها، قال 44% منهم إنهم لا يثقون في حماس على الإطلاق.؛ وكانت عبارة "ليس هناك الكثير من الثقة" ثاني أكثر الإجابات شيوعاً وبنسبة 23%.

كما أعرب 29% فقط من سكان غزة عن ثقتهم "بقدر كبير" أو "كثيراً جداً" في حكومتهم. علاوة على ذلك، قال 72% إن هناك قدراً كبيراً بنسة 34% أو متوسطاً بنسبة 38% من الفساد في المؤسسات الحكومية، واعتقدت أقلية أن الحكومة تتخذ خطوات حقيقية لمعالجة المشكلة.

وعندما سئلوا كيف سيصوتون إذا أجريت انتخابات رئاسية في غزة، قال 24% فقط من المشاركين في الاستطلاع إنهم سيصوتون لإسماعيل هنية زعيم حماس.

وحصل مروان البرغوثي، عضو اللجنة المركزية لفتح (الأسير لدى إسرائيل) على الحصة الأكبر من التأييد بنسبة 32%، ومحمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية على 12%. وقال 30% من المبحوثين إنهم لن يشاركوا في التصويت.

وكانت آراء سكان غزة بشأن السلطة الفلسطينية التي تحكم الضفة الغربية، ليست أفضل بكثير، فإن هنالك أغلبية بسيطة 52% تعتقد أن السلطة الفلسطينية تشكل عبئاً على الشعب الفلسطيني، و67% يريدون استقالة عباس.

وأشار الاستطلاع أيضاً، إلى أن سكان غزة يشعرون بخيبة أمل ليس فقط من حماس، بل من القيادة الفلسطينية برمتها.

 

نقص الغذاء

ظهرت المشاكل الاقتصادية العنيدة التي تعاني منها غزة بوضوح في النتائج، فمن بين المشاركين في الاستطلاع قال 78% إن توفر الغذاء يمثل مشكلة متوسطة أو حادة في غزة. في حين قال 5% فقط إنها لا تمثل مشكلة على الإطلاق.

وأفادت نسبة مقاربة 75% بوجود صعوبة متوسطة إلى شديدة في توفير الغذاء، حتى عندما يكون متاحاً؛ وقال 6% فقط إن القدرة على تحمل تكاليف الغذاء لا تمثل مشكلة.

وأفاد 75% من المشاركين في الاستطلاع أن الطعام نفد منهم، ويفتقرون إلى المال لشراء المزيد في وقت ما خلال الثلاثين يوماً السابقة على إجراء الاستطلاع.

واضطر سكان غزة إلى تعديل عاداتهم لمحاولة تغطية نفقاتهم، حيث قال 75% إنهم بدأوا في شراء أغذية أقل تفضيلاً أو أقل تكلفة، وقال 69% إنهم قلصوا حجم وجباتهم، وعزا معظم سكان غزة نقص الغذاء إلى مشاكل داخلية وليس إلى العقوبات الخارجية.

كما حدد 31% من المشاركين في الاستطلاع سوء الإدارة باعتباره السبب الرئيسي لانعدام الأمن الغذائي في غزة، وألقى 26% باللوم على التضخم، فيما ألقى 16% فقط باللوم على العقوبات الاقتصادية المفروضة من الخارج.

وباختصار، كما جاء في الاستطلاع، كان سكان غزة أكثر ميلاً إلى إلقاء اللوم في مأزقهم المادي على قيادة حماس بدلاً من الحصار الاقتصادي الذي تفرضه إسرائيل.

 

رغبة بتغيير سياسي

بشكل عام، تشير إجابات الاستطلاع إلى أن سكان غزة يرغبون في التغيير السياسي، حيث قال 26% من المبحوثين إن الحكومة كانت مستجيبة للغاية أو إلى حد كبير لاحتياجات الشعب وبنسبة انخفاض بلغت 8% منذ عام 2021.

وعندما سئلوا عن الطريقة الأكثر فعالية للناس العاديين للتأثير على الحكومة، أجابت الأغلبية "لا فائدة من أي إجراء". وكانت الإجابة التالية الأكثر شيوعاً هي الاستعانة بالمعارف الشخصية للوصول إلى مسؤول حكومي.

ولم يجد معظم سكان غزة سبيلاً للتعبير علناً عن شكاواهم من الحكومة التي تقودها حماس، وقال 40% فقط إن حرية التعبير مضمونة إلى حد كبير أو متوسط، ورأى 68% أن الحق في المشاركة بالاحتجاج السلمي غير مضمون أو مضمون فقط إلى حد قليل في ظل حكم حماس.

كما أعرب نحو نصف سكان غزة عن دعمهم للديمقراطية؛ إذ أكد 48% أن "الديمقراطية مفضلة دائماً على أي نوع آخر من الحكم"، كما أشارت نسبة أقل من المشاركين 23% إلى عدم الإيمان بأي نوع معين من الأنظمة، مؤيدة لمقولة "بالنسبة للأشخاص مثلي، لا يهم نوع الحكومة التي لدينا".

وبحسب الاستطلاع، فإنه نظراً للرأي غير المحبذ الذي يكنه معظم سكان غزة لحكومتهم، فليس من المستغرب أن يمتد رفضهم إلى حماس كحزب سياسي. فقد اختار 27% فقط من المبحوثين حماس كحزبهم المفضل، منخفضة من 34% في استطلاع عام 2021، وهي أقل بقليل من الذين فضلوا فتح وبنسبة 30% وهي الحزب الذي يقوده الرئيس الفلسطيني محمود عباس ويسيطر الضفة الغربية.

ومن بين أولئك الذين لا يستطيعون تغطية نفقاتهم الأساسية، فضل 25% فقط الحزب الحاكم، أما من بين القادرين على ذلك، فارتفعت النسبة إلى 33%.

وأشار الاستطلاع إلى حقيقة مفادها أن الأشخاص الأكثر تضرراً من الظروف الاقتصادية الصعبة، وأولئك الذين يتذكرون الحياة قبل حكم حماس، كانوا أكثر ميلا إلى رفض الحزب.

 

حل الدولتين

سكان غزة لا يشاركون حماس هدفها المتمثل في القضاء على دولة إسرائيل؛ بحسب الاستطلاع الذي استدل على ذلك بعد ما تم عرض ثلاثة حلول محتملة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني (بالإضافة إلى خيار اختيار "آخر").

ونتيجة الاختيارات تبين أن غالبية المشاركين في الاستطلاع 54% فضلوا حل الدولتين المنصوص عليه في اتفاقيات أوسلو عام 1993. في هذا السيناريو، ستجلس دولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل، وستكون حدودها مبنية على الحدود الفعلية التي كانت موجودة قبل حرب الأيام الستة أعوام 1967.

وهو اختيار لم يتغير مستوى الدعم له كثيراً منذ استطلاع العام 2021 الذي اختار 58% من المشاركين في غزة حل الدولتين. وبشكل عام، فضل 73% من سكان غزة التوصل إلى تسوية سلمية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

أما في عشية هجوم حماس في 7 أكتوبر، فقد فضل 20% فقط من سكان غزة الحل العسكري الذي يمكن أن يؤدي إلى تدمير دولة إسرائيل، وكانت أغلبية واضحة بلغت 77% ممن قدموا هذا الرد من مؤيدي حماس أيضا، أي ما يعادل حوالي 15% من السكان البالغين بحسب الاستطلاع.

ومن بين بقية المشاركين الذين فضلوا العمل المسلح، أفاد 13% بعدم وجود أي انتماء سياسي لديهم.

أما فيما يتعلق بتطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل فجاءت النتيجة سلبية، إذ أعرب 10% عن موافقتهم على هذه المبادرة. وعلل الاستطلاع ذلك بإدراك سكان غزة أن التضامن العربي هو المفتاح لتأمين ترتيب سياسي يشمل دولة فلسطينية مستقلة.

وإذا تمكنت الدول العربية من تسوية خلافاتها مع إسرائيل دون جعل حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني شرطاً مسبقاً للتطبيع؛ فإن أي آمال باقية في حل الدولتين سوف تتبخر، بحسب الآراء.

وقبل هجوم حماس على إسرائيل، كما أشار الاستطلاع فإن وجهات نظر سكان غزة توافقت مع بعض أولويات السياسية الأميركية وفي نفس الوقت عدم الثقة بها. حيث عارض 71% الغزو الروسي لأوكرانيا وأعرب 37% عن رغبتهم بتطوير العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية.

مع ذلك، اعتقد 15% فقط من سكان غزة أن سياسات الرئيس الأميريكي جو بايدن كانت جيدة أو جيدة جداً للعالم العربي.

 

أثر الحرب

مع تصاعد العمليات الإسرائيلية في غزة أشار الاستطلاع إلى أن الحرب سوف تلحق خسائر لا يمكن تصورها بين المدنيين.

وكما جاء في استطلاع "الباروميتر العربي"، فإن الحل العسكري سيفشل في القضاء على حماس، السبب في ذلك يعود إلى نتائج بحث سابق أجرته الشبكة، أظهر أن حملات القمع الإسرائيلية في غزة تؤدي في أغلب الأحيان إلى زيادة الدعم والتعاطف مع حماس بين سكان غزة العاديين.

وبحسب البحث فإن حماس فازت بنسبة 44.5% من الأصوات الفلسطينية في الانتخابات البرلمانية عام 2006، لكن التأييد للحركة تراجع بعد الصراع العسكري بين حماس وفتح في يونيو 2007 الذي انتهى باستيلاء حماس على غزة.

وفي استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في ديسمبر 2007، أعرب 24% فقط من سكان غزة عن مواقف إيجابية تجاه حماس.

وعلى مدى السنوات القليلة التالية، أشار الاستطلاع إلى أنه مع تشديد إسرائيل حصارها على غزة وشعور سكان غزة العاديين بآثار ذلك، زادت نسبة تأييد حماس، لتصل إلى حوالي 40% في عام 2010.

في المقابل، عندما خففت إسرائيل الحصار جزئياً في العام نفسه، استقر دعم حماس في غزة قبل أن يتراجع إلى 35% عام 2014.

أما الفترات التي كانت تشن فيها إسرائيل عدواناً على غزة كما جاء في الاستطلاع، فكان يبدو أن أيديولوجية حماس المتشددة تحظى بجاذبية أكبر لدى سكانها، بالتالي، بدلاً من دفع الإسرائيليين والفلسطينيين نحو التوصل إلى حل سلمي، فإن السياسات الإسرائيلية التي تلحق الألم بغزة باسم استئصال حماس من المرجح أن تؤدي إلى إدامة دائرة العنف.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة
صورة أرشيفية لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة

من "منقذ مالي" للبنان ورمز للاستقرار الاقتصادي، إلى متهم بالاختلاس والفساد على المستويين المحلي والدولي.. هكذا تحولت مسيرة حاكم مصرف لبنان السابق، رياض سلامة، الذي قضى 30 عاماً على قمة السلطة المالية، قبل أن يصبح موقوفاً خلف القضبان.

قرر النائب العام التمييزي، القاضي جمال الحجار، الثلاثاء، توقيف سلامة بعد استجوابه على مدى نحو 3 ساعات، بشأن "شبهات اختلاس من مصرف لبنان". وقد ركز التحقيق، كما أوردت الوكالة الوطنية للإعلام، على ملف "أوبتيموم"، وهي شركة لبنانية تقدم خدمات الوساطة المالية.

وعقب قرار توقيف سلامة، صرّح الحجار بأن "الخطوة القضائية التي اتخذت بحق سلامة هي احتجاز احترازي لمدة 4 أيام، على أن يحال بعدها إلى قاضي التحقيق لاستجوابه واتخاذ القرار المناسب بحقه".

والأربعاء، نقلت وكالة رويترز عن مصدرين قضائيين، أن سلامة، الذي ألقي القبض عليه، الثلاثاء، بتهمة ارتكاب جرائم مالية، سيظل رهن الاحتجاز حتى موعد جلسة استماع "من المرجح أن تنعقد الأسبوع المقبل".

وأضاف المصدران أنه بعد استجوابه، "يمكن للقاضي الذي يرأس الجلسة أن يقرر ما إذا كان سيبقيه قيد الاحتجاز أم لا"، لافتين إلى أنه "لم يتم اتخاذ قرار بعد بشأن هذا الأمر".

وعلى مدار سنوات، كان سلامة يعتبر الركيزة الأساسية للنظام المالي اللبناني، لكن مع انهيار الاقتصاد في عام 2019، تغيرت هذه الصورة تماما.

فمع تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية، واجه اللبنانيون فقراً متزايداً، لاسيما مع تجميد ودائعهم في المصارف، وفقدان الليرة اللبنانية أكثر من 95 بالمئة من قيمتها مقابل الدولار، مما أدى إلى سخط شعبي "انفجر" في الشارع على شكل احتجاجات واسعة اندلعت في أكتوبر 2019.

التدهور المالي والاقتصادي الذي شهده لبنان، دفع القضاء اللبناني وعدداً من الدول الأوروبية، إلى فتح تحقيقات حول تورط سلامة في استغلال منصبه لاختلاس المال العام، وبناء ثروة بالفساد.

"مهندس" أم "ساحر"؟

تولى سلامة الذي يحمل الجنسية الفرنسية أيضاً، منصب حاكم مصرف لبنان عام 1993، بتعيين من رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، بعد مسيرة مهنية في شركة "ميريل لينش" المالية العالمية، وذلك بعد أن حائز على شهادة في الاقتصاد من الجامعة الأميركية في بيروت.

اعتُبر سلامة "مهندس السياسات المالية" في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية (1975-1990).

ووفق تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية في أغسطس 2023 بعنوان "الساحر: رياض سلامة ونهب لبنان"، "اعتمد النظام المالي اللبناني بشكل كبير خلال فترة حكم سلامة على تدفقات رأس المال من دول الخليج والمغتربين اللبنانيين الأثرياء، مستفيداً من قوانين السرية المصرفية".

وأضاف أنه "لضمان استقرار أسعار الفائدة وتمويل خطط إعادة الإعمار، ثبّت سلامة والحريري سعر صرف الليرة اللبنانية عند 1507 ليرات للدولار، وهو مستوى استمر حتى الانهيار المالي".

ونجح النظام المالي الذي أشرف عليه سلامة في توفير مستوى معيشي مرتفع للكثير من اللبنانيين، رغم أن الاقتصاد الوطني كان غير منتج. وحصل المدخرون على أسعار فائدة مرتفعة، وتمكنوا من تحويل عملاتهم المحلية إلى الدولار بسعر صرف ثابت، مما عزز ثقتهم في سلامة، خاصة مع نجاح لبنان في تجاوز الأزمة المالية العالمية عام 2008.

ورغم إعادة بناء لبنان خلال هذه الفترة، فإن ذلك تم على حساب الاقتصاد الوطني، فقد تجاوزت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 150 بالمئة، وهي واحدة من أعلى النسب في العالم خلال العقدين الماضيين، كما أوردت "فايننشال تايمز"، مضيف أنه "لُقب بالساحر لقدرته على إبقاء الاقتصاد اللبناني صامداً في مواجهة الصراعات والفوضى السياسية".

السلطات الفرنسية والإنتربول أصدروا مذكرات اعتقال بحق رياض سلامة. أرشيفية
ومع تباطؤ التحويلات بالدولار، زادت الضغوط على نظام مالي يتطلب تدفقات مستمرة من العملة الصعبة للصمود.

وفي عام 2016، لجأ سلامة، حسب وكالة رويترز، إلى سحب الدولارات من البنوك المحلية بأسعار فائدة مرتفعة، وهي خطوة وصفها البنك الدولي بأنها "مخطط بونزي"، حيث تعتمد على الحصول على قروض جديدة لسداد الديون القائمة.

ومع نضوب الدولارات، جُمّدت الودائع بالعملات الأجنبية لمعظم المدخرين، أو أُجبروا على إجراء عمليات سحب بالعملة المحلية وفقاً لأسعار صرف أفقدت مدخراتهم معظم قيمتها، مما أدى إلى انهيار الثقة في النظام المالي الذي أشرف عليه سلامة، حسب رويترز.

واعتبر خبراء اقتصاديون أن "إصرار سلامة على الحفاظ على سعر الصرف الثابت بأي ثمن كان أحد الأسباب الرئيسية وراء الأزمة المالية التي عصفت ولا تزال بلبنان".

يذكر أن سلامة نال العديد من الجوائز والأوسمة العالمية على مدار مسيرته، من بينها جائزة "أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم" لعام 2006 من مجلة "يورو موني"، وجائزة مماثلة من مجلة "بانكر" في عام 2009.

تحقيقات وعقوبات

بعد الانهيار المالي والاقتصادي في لبنان، أطلقت سويسرا عام 2020 تحقيقاً في أنشطة سلامة، تلاها في عام 2021 لبنان وفرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ. كما حققت السلطات في موناكو وليختنشتاين وبلجيكا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة في تلك الأنشطة، وفق "فايننشال تايمز".

وتشتبه هذه الدول بضلوع سلامة في "جرائم اختلاس أموال عامة وتبييض أموال وفساد، بالإضافة إلى تحميله جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الأزمة المالية التي أصابت البلاد".

وفي أغسطس 2023، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية بياناً اتهمت فيه سلامة باستغلال منصبه لتحقيق مكاسب شخصية ضخمة على حساب الشعب اللبناني.

وكشف البيان عن "تورط سلامة في تأسيس عدد من الشركات الوهمية وفتح حسابات مصرفية في أوروبا ومنطقة البحر الكاريبي، مما سمح له بإدارة مخططات مالية معقدة تهدف إلى إثرائه الشخصي بمساعدة أفراد من عائلته وزملائه المقربين".

وأحد أبرز هذه المخططات كان تعاونه مع شقيقه رجا سلامة عبر شركة وهمية مسجلة في جزر فيرجن البريطانية باسم "فوري"، لتحويل حوالي 330 مليون دولار من معاملات مصرف لبنان.

وكجزء من هذا المخطط، وافق رياض سلامة على عقد يسمح لشركة شقيقه بالحصول على عمولة على مشتريات الأدوات المالية من قبل البنوك اللبنانية من مصرف لبنان، على الرغم من أن شركة رجا لم تقدم أية فائدة واضحة لهذه المعاملات، وتجنب العقد تسمية شركة فوري أو مالكها. ثم نقل سلامة ورجا هذه الأموال إلى حسابات مصرفية بأسمائهما أو بأسماء شركات وهمية أخرى.

وانضمت ماريان حويك، المساعدة الرئيسية لسلامة في مصرف لبنان، إلى الثنائي في هذه المغامرة، من خلال تحويل مئات الملايين من الدولارات - أكثر بكثير من راتبها الرسمي في مصرف لبنان - من حسابها المصرفي الخاص إلى حسابات سلامة ورجا.

وقد تم تحويل الأموال المحولة بشكل متكرر إلى عدد من شركات إدارة العقارات في فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ وبلجيكا، التي كانت مسجلة باسم نجل سلامة، نادي سلامة، أو شريكة سلامة السابقة، الأوكرانية آنا كوساكوفا التي لسلامة ابنة منها، وفقا لشهادة ميلاد اطّلعت عليها "رويترز"، واستخدمت تلك الأموال لشراء عقارات فاخرة.

حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة. أرشيف
وأشارت وزارة الخزانة الأميركية إلى أن سلامة "استخدم شركات وهمية في بنما، وصندوقاً ائتمانياً في لوكسمبورغ، لإخفاء هويته عند شراء أسهم في شركة عمل فيها ابنه كمستشار استثماري". ولاحقاً، باع هذه الأسهم إلى مصرف لبناني يخضع لتنظيم مصرف لبنان، مما يشكل تضارباً واضحاً في المصالح وانتهاكاً محتملًا للقانون اللبناني.

على أثر ذلك، أدرجت واشنطن سلامة على قائمة العقوبات، متهمة إياه بالتورط في ممارسات فاسدة وغير قانونية ساهمت في تدهور سيادة القانون في لبنان.

ولم تقتصر العقوبات على سلامة وحده، بل شملت أيضاً أفرادا من عائلته وشركائه. وأكدت الوزارة أن هذه الإجراءات جاءت بالتنسيق مع المملكة المتحدة وكندا، ضمن جهود مشتركة لمحاسبة من يسيئون استخدام مناصبهم لتحقيق مكاسب شخصية على حساب الشعب اللبناني.

أرباح بالمليارات

فيما يتعلق بملف شركة "أوبتيموم"، كشف التدقيق الذي أعدته شركة "كرول"، أن مصرف لبنان قدّم قرضاً للشركة بقيمة 8.6 مليار دولار لشراء سندات خزينة من المصرف نفسه. ومع كل عملية، كان المصرف يعيد شراء السندات من الشركة، مما رفع القيمة الإجمالية إلى 16.6 مليار دولار، وفق وسائل إعلام لبنانية.

نتيجة لهذه العمليات، حققت الشركة أرباحاً بقيمة 8 مليارات دولار، وُضعت في حساب بمصرف لبنان قبل أن تسحب إلى جهة مجهولة. ولم يسمح لشركة "آلفاريز آند مرسال"، المتخصصة في تقديم الخدمات الاستشارية، بتتبع حركة الأموال خلال التدقيق الجنائي.

وأعيد فتح ملف "أوبتيموم" مؤخراً بناءً على تقرير وحدة الأسواق المالية، ودعوى قضائية مقدمة من مجموعة من المدعين بينهم محامون.

وعقب توقيف سلامة، الثلاثاء، انقسم اللبنانيون بين من يرون في هذه الخطوة "بداية جادة لمعالجة قضايا الفساد والشبهات المالية المرتبطة به"، ومن يعتبرون أن الأمر "لا يتعدى كونه مسرحية قضائية ستنتهي بتبرئته".

يذكر أن الممثلة اللبنانية ستيفاني صليبا، برزت في قضايا سلامة، حيث تم توقيفها عام 2022 من قبل القضاء اللبناني على خلفية تحقيقات تتعلق بشبهات "تبييض أموال وإثراء غير مشروع"، قبل أن يتم الإفراج عنها بعد ساعات.

سلامة ملاحق في أوروبا ولبنان بتهم اختلاس أموال
وارتبط اسم صليبا بسلامة بعد أن قامت بتصوير إعلان ترويجي لمصرف لبنان في أكتوبر 2019، حيث ظهرت في الفيديو مرتدية أزياء تحمل فئات من عملة الليرة اللبنانية تحت شعار "ليرتنا قوتنا"، لصالح مجلة الأزياء اللبنانية "Spécial Madame Figaro" الصادرة باللغة الفرنسية.

أثارت صورة صليبا وهي ترتدي قميصاً يحمل الليرة الواحدة، اهتماماً كبيراً آنذاك، لكنها واجهت انتقادات بعد الانهيار المالي الكبير الذي ضرب الاقتصاد اللبناني بعد فترة قصيرة من حملة "ليرتنا قوتنا"، مما جعل الممثلة في مرمى الانتقادات، باعتبار أنها "جزءا من الماكينة الإعلامية لسلامة والمقربين منه، الذين روجوا إلى وضع مالي لليرة بشكل مغاير للواقع".

"تلاعب وسوء إدارة"

كشف تقرير التدقيق الجنائي الصادر عن شركة "ألفاريز ومارسال" في 11 أغسطس 2023 عن "سوء إدارة" وثغرات كبيرة في عمل مصرف لبنان المركزي خلال السنوات الخمس الماضية، مع التركيز على دور سلامة.

التقرير، الذي جاء في 332 صفحة، أشار إلى أن "الوضع المالي للمصرف المركزي تدهور بسرعة بين عامي 2015 و2020".

ومع ذلك، لم يظهر هذا التدهور في الميزانية العمومية للمصرف، وذلك بفضل سياسات حسابية "غير تقليدية" سمحت للمصرف بالمبالغة في تقدير الأصول والأرباح وتجنب إظهار الخسائر الحقيقية.

وأكد التقرير أن الهندسات المالية التي أشرف عليها سلامة كانت "مكلفة للغاية"، وأبرز أن سلطته كصاحب القرار الرئيسي لم تكن تحت "رقابة كافية". كما كشف عن "دليل على دفع عمولات غير شرعية" بلغت 111 مليون دولار، مشيراً إلى احتمال وجود مخطط أكبر للعمولات.

وخلال استجوابه، أفاد سلامة للمحققين الأوروبيين بأن قيمة ممتلكاته النقدية والعقارية في عام 1993 بلغت 60 مليون دولار، منها 8 ملايين دولار من الأراضي العائلية الموروثة، وذلك وفقاً لتقرير "فايننشال تايمز"، مضيفا أن ثروته الحالية تقدر بنحو 200 مليون دولار، مما يعني أنها تضاعفت أكثر من 3 مرات خلال 3 عقود.

وأشارت الصحيفة، إلى أن سلامة أرجع تراكم ثروته إلى سنوات عمله كمصرفي استثماري وإلى استثماراته اللاحقة. إلا أن دراسة مالية أجراها محققون ألمان في عام 2022، خلصت إلى أنه "لم يكن بإمكان سلامة جمع كل هذه الثروة بالأموال التي كان يمتلكها بشكل شرعي قبل توليه منصب الحاكم".

مصادر مطلعة على التحقيقات أكدت للصحيفة أن تقديرات سلامة لثروته "قد تكون متحفظة"، حيث من المحتمل أن تكون "العديد من الأصول مخفية في ملاذات ضريبية أو محمية بسرية البنوك في لبنان".

تجدر الإشارة إلى أن شركة "ألفاريز ومارسال" كانت قد علقت عملها في التدقيق الجنائي لمدة تقارب العام، بعدما رفض مصرف لبنان تزويدها بكافة المستندات المطلوبة بحجة السرية المصرفية، قبل أن تستأنف عملها في أكتوبر 2021.

كبش فداء؟

وأعلنت وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال العدالة الجنائية (يوروجست) في مارس 2022، عن تجميد فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ 120 مليون يورو من الأصول اللبنانية.

وكان هذا الإجراء جزءاً من تحقيق يستهدف سلامة، و4 من المقربين منه، بتهم غسل أموال واختلاس أموال عامة في لبنان، تجاوزت قيمتها 330 مليون دولار و5 ملايين يورو بين عامي 2002 و2021.

فرنسا صادرت بعض ممتلكات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة
وفي مارس 2023، تقدّمت الدولة اللبنانية بادعاء شخصي بحق سلامة، بجرائم الرشوة والتزوير وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع والتهرّب الضريبي. وشمل الادعاء اللبناني إلى جانب سلامة، شقيقه رجا، ومساعدته ماريان الحويك، وكل من يظهره التحقيق.

وفي مايو 2023، أصدر القضاء الفرنسي مذكرة اعتقال بحق سلامة بتهم اختلاس أموال عامة، بالإضافة إلى نشرة حمراء من الإنتربول للقبض عليه.

وكانت السلطات الألمانية قد أصدرت في ذات الشهر مذكرة اعتقال بحقه بتهم الفساد، إلا أن هذه المذكرة ألغيت "لأسباب فنية"، وفقاً لما صرّح به مكتب المدعي العام في ميونخ لرويترز. ومع ذلك، تواصل التحقيقات وتبقى أصول سلامة المالية مجمدة.

وفي يوليو 2023، وافق القضاء الفرنسي على نقل أصول مجمدة تخص سلامة وشركاءه إلى الدولة اللبنانية. وفي 14 أغسطس 2023، أصدرت هيئة التحقيق الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب في مصرف لبنان، قراراً بتجميد الحسابات المصرفية لسلامة و4 من شركائه، بعد رفع السرية المصرفية عن حساباتهم.

وأثناء مقابلة تلفزيونية محلية أجريت مع سلامة في يوليو 2023، دافع الرجل عن فترة ولايته، زاعما أنه كان "كبش فداء" للأزمة المالية في البلاد، وأن المسؤولية عن إنفاق الأموال العامة "تقع على عاتق الحكومة وليس البنك المركزي"، مشيراً إلى نيته "طي صفحة من حياته"، مؤكداً أن "المنظومة غسلت يديها" منه منذ زمن.