صورة بعد فتح معبر إيريز بين إسرائيل وغزة للسماح بدخول عمال فلسطينيين من القطاع إلى إسرائيل (سبتمبر2023)
صورة بعد فتح معبر إيريز بين إسرائيل وغزة للسماح بدخول عمال فلسطينيين من القطاع إلى إسرائيل (سبتمبر2023)

قبل أيام من هجوم مسلحي حماس في السابع من أكتوبر، أظهر استطلاع للرأي إحباط أهالي قطاع غزة من عدم فعالية إدارة حركة حماس لشؤونه.

وكشف الاستطلاع الذي أجرته شبكة "الباروميتر العربي" في غزة والضفة الغربية، أن أغلب سكان غزة لا يتفقون مع أيديولوجية حماس التي تهدف إلى تدمير  إسرائيل، فغالبية المستطلعة آراؤهم أيدوا حل الدولتين، أي وجود دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل.

 

خيبة أمل

أجريت المقابلات الخاصة باستطلاع الرأي بين 28 سبتمبر و8 أكتوبر، بمشاركة 790 شخصاً في الضفة الغربية و399 شخصاً في غزة (تم الانتهاء من المقابلات في غزة في السادس من أكتوبر أي قبل يوم واحد من هجوم حماس).

وكشفت النتائج عن أن سكان غزة لم تكن لديهم ثقة كبيرة في حكومتهم التي تقودها حماس. وعندما طلب منهم تحديد مدى الثقة التي لديهم في سلطتها، قال 44% منهم إنهم لا يثقون في حماس على الإطلاق.؛ وكانت عبارة "ليس هناك الكثير من الثقة" ثاني أكثر الإجابات شيوعاً وبنسبة 23%.

كما أعرب 29% فقط من سكان غزة عن ثقتهم "بقدر كبير" أو "كثيراً جداً" في حكومتهم. علاوة على ذلك، قال 72% إن هناك قدراً كبيراً بنسة 34% أو متوسطاً بنسبة 38% من الفساد في المؤسسات الحكومية، واعتقدت أقلية أن الحكومة تتخذ خطوات حقيقية لمعالجة المشكلة.

وعندما سئلوا كيف سيصوتون إذا أجريت انتخابات رئاسية في غزة، قال 24% فقط من المشاركين في الاستطلاع إنهم سيصوتون لإسماعيل هنية زعيم حماس.

وحصل مروان البرغوثي، عضو اللجنة المركزية لفتح (الأسير لدى إسرائيل) على الحصة الأكبر من التأييد بنسبة 32%، ومحمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية على 12%. وقال 30% من المبحوثين إنهم لن يشاركوا في التصويت.

وكانت آراء سكان غزة بشأن السلطة الفلسطينية التي تحكم الضفة الغربية، ليست أفضل بكثير، فإن هنالك أغلبية بسيطة 52% تعتقد أن السلطة الفلسطينية تشكل عبئاً على الشعب الفلسطيني، و67% يريدون استقالة عباس.

وأشار الاستطلاع أيضاً، إلى أن سكان غزة يشعرون بخيبة أمل ليس فقط من حماس، بل من القيادة الفلسطينية برمتها.

 

نقص الغذاء

ظهرت المشاكل الاقتصادية العنيدة التي تعاني منها غزة بوضوح في النتائج، فمن بين المشاركين في الاستطلاع قال 78% إن توفر الغذاء يمثل مشكلة متوسطة أو حادة في غزة. في حين قال 5% فقط إنها لا تمثل مشكلة على الإطلاق.

وأفادت نسبة مقاربة 75% بوجود صعوبة متوسطة إلى شديدة في توفير الغذاء، حتى عندما يكون متاحاً؛ وقال 6% فقط إن القدرة على تحمل تكاليف الغذاء لا تمثل مشكلة.

وأفاد 75% من المشاركين في الاستطلاع أن الطعام نفد منهم، ويفتقرون إلى المال لشراء المزيد في وقت ما خلال الثلاثين يوماً السابقة على إجراء الاستطلاع.

واضطر سكان غزة إلى تعديل عاداتهم لمحاولة تغطية نفقاتهم، حيث قال 75% إنهم بدأوا في شراء أغذية أقل تفضيلاً أو أقل تكلفة، وقال 69% إنهم قلصوا حجم وجباتهم، وعزا معظم سكان غزة نقص الغذاء إلى مشاكل داخلية وليس إلى العقوبات الخارجية.

كما حدد 31% من المشاركين في الاستطلاع سوء الإدارة باعتباره السبب الرئيسي لانعدام الأمن الغذائي في غزة، وألقى 26% باللوم على التضخم، فيما ألقى 16% فقط باللوم على العقوبات الاقتصادية المفروضة من الخارج.

وباختصار، كما جاء في الاستطلاع، كان سكان غزة أكثر ميلاً إلى إلقاء اللوم في مأزقهم المادي على قيادة حماس بدلاً من الحصار الاقتصادي الذي تفرضه إسرائيل.

 

رغبة بتغيير سياسي

بشكل عام، تشير إجابات الاستطلاع إلى أن سكان غزة يرغبون في التغيير السياسي، حيث قال 26% من المبحوثين إن الحكومة كانت مستجيبة للغاية أو إلى حد كبير لاحتياجات الشعب وبنسبة انخفاض بلغت 8% منذ عام 2021.

وعندما سئلوا عن الطريقة الأكثر فعالية للناس العاديين للتأثير على الحكومة، أجابت الأغلبية "لا فائدة من أي إجراء". وكانت الإجابة التالية الأكثر شيوعاً هي الاستعانة بالمعارف الشخصية للوصول إلى مسؤول حكومي.

ولم يجد معظم سكان غزة سبيلاً للتعبير علناً عن شكاواهم من الحكومة التي تقودها حماس، وقال 40% فقط إن حرية التعبير مضمونة إلى حد كبير أو متوسط، ورأى 68% أن الحق في المشاركة بالاحتجاج السلمي غير مضمون أو مضمون فقط إلى حد قليل في ظل حكم حماس.

كما أعرب نحو نصف سكان غزة عن دعمهم للديمقراطية؛ إذ أكد 48% أن "الديمقراطية مفضلة دائماً على أي نوع آخر من الحكم"، كما أشارت نسبة أقل من المشاركين 23% إلى عدم الإيمان بأي نوع معين من الأنظمة، مؤيدة لمقولة "بالنسبة للأشخاص مثلي، لا يهم نوع الحكومة التي لدينا".

وبحسب الاستطلاع، فإنه نظراً للرأي غير المحبذ الذي يكنه معظم سكان غزة لحكومتهم، فليس من المستغرب أن يمتد رفضهم إلى حماس كحزب سياسي. فقد اختار 27% فقط من المبحوثين حماس كحزبهم المفضل، منخفضة من 34% في استطلاع عام 2021، وهي أقل بقليل من الذين فضلوا فتح وبنسبة 30% وهي الحزب الذي يقوده الرئيس الفلسطيني محمود عباس ويسيطر الضفة الغربية.

ومن بين أولئك الذين لا يستطيعون تغطية نفقاتهم الأساسية، فضل 25% فقط الحزب الحاكم، أما من بين القادرين على ذلك، فارتفعت النسبة إلى 33%.

وأشار الاستطلاع إلى حقيقة مفادها أن الأشخاص الأكثر تضرراً من الظروف الاقتصادية الصعبة، وأولئك الذين يتذكرون الحياة قبل حكم حماس، كانوا أكثر ميلا إلى رفض الحزب.

 

حل الدولتين

سكان غزة لا يشاركون حماس هدفها المتمثل في القضاء على دولة إسرائيل؛ بحسب الاستطلاع الذي استدل على ذلك بعد ما تم عرض ثلاثة حلول محتملة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني (بالإضافة إلى خيار اختيار "آخر").

ونتيجة الاختيارات تبين أن غالبية المشاركين في الاستطلاع 54% فضلوا حل الدولتين المنصوص عليه في اتفاقيات أوسلو عام 1993. في هذا السيناريو، ستجلس دولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل، وستكون حدودها مبنية على الحدود الفعلية التي كانت موجودة قبل حرب الأيام الستة أعوام 1967.

وهو اختيار لم يتغير مستوى الدعم له كثيراً منذ استطلاع العام 2021 الذي اختار 58% من المشاركين في غزة حل الدولتين. وبشكل عام، فضل 73% من سكان غزة التوصل إلى تسوية سلمية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

أما في عشية هجوم حماس في 7 أكتوبر، فقد فضل 20% فقط من سكان غزة الحل العسكري الذي يمكن أن يؤدي إلى تدمير دولة إسرائيل، وكانت أغلبية واضحة بلغت 77% ممن قدموا هذا الرد من مؤيدي حماس أيضا، أي ما يعادل حوالي 15% من السكان البالغين بحسب الاستطلاع.

ومن بين بقية المشاركين الذين فضلوا العمل المسلح، أفاد 13% بعدم وجود أي انتماء سياسي لديهم.

أما فيما يتعلق بتطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل فجاءت النتيجة سلبية، إذ أعرب 10% عن موافقتهم على هذه المبادرة. وعلل الاستطلاع ذلك بإدراك سكان غزة أن التضامن العربي هو المفتاح لتأمين ترتيب سياسي يشمل دولة فلسطينية مستقلة.

وإذا تمكنت الدول العربية من تسوية خلافاتها مع إسرائيل دون جعل حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني شرطاً مسبقاً للتطبيع؛ فإن أي آمال باقية في حل الدولتين سوف تتبخر، بحسب الآراء.

وقبل هجوم حماس على إسرائيل، كما أشار الاستطلاع فإن وجهات نظر سكان غزة توافقت مع بعض أولويات السياسية الأميركية وفي نفس الوقت عدم الثقة بها. حيث عارض 71% الغزو الروسي لأوكرانيا وأعرب 37% عن رغبتهم بتطوير العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية.

مع ذلك، اعتقد 15% فقط من سكان غزة أن سياسات الرئيس الأميريكي جو بايدن كانت جيدة أو جيدة جداً للعالم العربي.

 

أثر الحرب

مع تصاعد العمليات الإسرائيلية في غزة أشار الاستطلاع إلى أن الحرب سوف تلحق خسائر لا يمكن تصورها بين المدنيين.

وكما جاء في استطلاع "الباروميتر العربي"، فإن الحل العسكري سيفشل في القضاء على حماس، السبب في ذلك يعود إلى نتائج بحث سابق أجرته الشبكة، أظهر أن حملات القمع الإسرائيلية في غزة تؤدي في أغلب الأحيان إلى زيادة الدعم والتعاطف مع حماس بين سكان غزة العاديين.

وبحسب البحث فإن حماس فازت بنسبة 44.5% من الأصوات الفلسطينية في الانتخابات البرلمانية عام 2006، لكن التأييد للحركة تراجع بعد الصراع العسكري بين حماس وفتح في يونيو 2007 الذي انتهى باستيلاء حماس على غزة.

وفي استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في ديسمبر 2007، أعرب 24% فقط من سكان غزة عن مواقف إيجابية تجاه حماس.

وعلى مدى السنوات القليلة التالية، أشار الاستطلاع إلى أنه مع تشديد إسرائيل حصارها على غزة وشعور سكان غزة العاديين بآثار ذلك، زادت نسبة تأييد حماس، لتصل إلى حوالي 40% في عام 2010.

في المقابل، عندما خففت إسرائيل الحصار جزئياً في العام نفسه، استقر دعم حماس في غزة قبل أن يتراجع إلى 35% عام 2014.

أما الفترات التي كانت تشن فيها إسرائيل عدواناً على غزة كما جاء في الاستطلاع، فكان يبدو أن أيديولوجية حماس المتشددة تحظى بجاذبية أكبر لدى سكانها، بالتالي، بدلاً من دفع الإسرائيليين والفلسطينيين نحو التوصل إلى حل سلمي، فإن السياسات الإسرائيلية التي تلحق الألم بغزة باسم استئصال حماس من المرجح أن تؤدي إلى إدامة دائرة العنف.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

رئيس الإمارات خلال اجتماعه بوزير داخلة طالبان بالوكالة (أرشيف)
رئيس الإمارات خلال اجتماعه بوزير داخلة طالبان بالوكالة (أرشيف)

في تقرير نشرته صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، اعتبر محللون أن قبول دولة الإمارات أوراق اعتماد سفير حركة طالبان الأفغانية، يعد "دليلا واضحا على الانقسام الدولي" بشأن كيفية التعامل مع نظام الحكم الجديد في أفغانستان.

ووفقا للصحيفة، فإن أبوظبي انضمت إلى "عدد صغير لكنه متزايد" من القوى الإقليمية التي أقامت علاقات مع طالبان، على الرغم من الجهود الغربية لعزل الجماعة الأصولية عقب سيطرتها على حكم أفغانستان في 15 أغسطس 2021.

وكانت كازاخستان قد قبلت، الشهر الماضي، قائمًا بالأعمال معيّن من قبل حركة طالبان، في حين زار رئيس الوزراء الأوزبكي، عبد الله أريبوف، أفغانستان، في أعلى زيارة لمسؤول أجنبي منذ عودة الحركة الأصولية إلى السلطة.

وفي هذا الصدد، أوضح الباحث البارز في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في البحرين، حسن الحسن، أن "طالبان متعطشة للاعتراف الدولي بها"، معتبرا أن قرار الإمارات قبول سفيرها "يحمل الكثير من الثقل".

طالبان شددت حملتها على النساء عقب عودتها للسلطة في 2021 - أرشيفية
ورغم أن أي دولة لم تعترف رسميا بحكومة طالبان، فإن تلك الجماعة المتشددة تقول إن "لديها دبلوماسيين في نحو 12 دولة، بما في ذلك الصين وروسيا والسعودية وقطر".

كما أقامت دول أخرى، بما في ذلك الهند، علاقات محدودة مع النظام في كابل.

وهنا، يرى الباحث  في "مؤسسة أوبزرفر للأبحاث" بنيودلهي، كابير تانيجا، أن جيران أفغانستان "يحشدون الجهود للتأكد من ضمان الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة".

وتابع: "لحسن الحظ أو لسوء الحظ، فإن الكيان الوحيد الذي يساعد على تحقيق ذلك هو طالبان"، لافتا إلى أن تلك الحركة "قد لا تملك دبلوماسيين أذكياء جدا، لكنها تمكنت من الاستفادة من الأوضاع العالمية".

عناصر من تنظيم القاعدة بأفغانستان في عام 2011- صورة أرشيفية.
من جانبه، قال مسؤول إماراتي للصحيفة اللندنية، إن قرار قبول سفير لطالبان "من شأنه أن يساعد في بناء جسور لمساعدة شعب أفغانستان".

وأضاف ذلك المسؤول أن هذا يشمل "تقديم المساعدات، ودعم الجهود التي تعمل نحو خفض التصعيد وتحقيق الاستقرار الإقليمي".

ووفقا لمراقبين، فإن القبول الإقليمي المتزايد "يوفر لطالبان فرص التجارة والاستثمار"، في وقت تواجه فيه البلاد التي يبلغ عدد سكانها 40 مليون نسمة أزمة اقتصادية وإنسانية.

ونجحت شركات من دول مجاورة، في تأمين صفقات لبناء البنية الأساسية في أفغانستان، التي تملك موقعا استراتيجيا بين طرق التجارة في وسط وجنوب آسيا.

وصادقت طالبان على عشرات العقود للاستفادة من ثروة البلاد المعدنية غير المستغلة، التي تقدر بنحو تريليون دولار، و تشمل احتياطيات من النحاس والليثيوم.

وذهب بعض تلك العقود إلى مستثمرين من إيران وتركيا والصين، علما بأن الأخيرة تعهدت أيضًا بإدراج أفغانستان في مبادرة "الحزام والطريق".

وفازت شركة من أبوظبي بعقود لإدارة المطارات الأفغانية في 2022، متغلبة على اتحاد قطري تركي. وهناك الآن رحلات منتظمة بين كابل والإمارات.

تحذير من "الثقة"

وسعت حركة طالبان إلى تبديد الشكوك الدولية بشأن حكمها، قائلة إنها "منفتحة على المشاركة والاستثمار".

وأوضح رئيس المكتب السياسي لطالبان في قطر، سهيل شاهين، لفاينانشال تايمز: "إن سياستنا هي إقامة علاقات جيدة مع الجميع".

وبالنسبة للإمارات، فإن الأمن "يدفعها إلى النظر إلى التعامل مع طالبان باعتباره ضروريا"، كما قال جورجيو كافييرو، الرئيس التنفيذي لشركة الاستشارات "غلف ستيت أناليتيكس"، ومقرها واشنطن.

وأضاف كافييرو: "هذا ببساطة يتعلق بكون أبوظبي براغماتية، وتسعى الاستفادة القصوى من الوضع في أفغانستان".

ومع ذلك، حذر بعض المحللين من أن "الثقة في حركة طالبان قد تكون خطأ مكلفا، فباكستان كانت من أوائل المؤيدين للشراكة العالمية مع كابل التي تديرها طالبان، لكنها عانت من زيادة كبيرة في العنف المسلح من قبل مجموعات أصولية، ومن بينها فرع طالبان الباكستاني".

وأدى عدم رغبة طالبان - أو عدم قدرتها - على وقف "طالبان باكستان"، إلى تدهور حاد في العلاقات، حتى أن إسلام آباد شنت غارات جوية على أهداف لحركة طالبان الباكستانية في أفغانستان.

وقال دبلوماسي غربي للصحيفة البريطانية، إن "الوجود الأجنبي الدبلوماسي والاقتصادي المحدود داخل أفغانستان، يعني أن العديد من البلدان لا تزال تكافح من أجل تحديد مدى التهديد الذي يشكله حكم طالبان".

وشدد على أن المخاطر "لا تزال مرتفعة"، مضيفا: "من الواضح أن الدرس المستفاد من التاريخ هو أحداث 11 سبتمبر".