أسفر التصعيد على الحدود بين لبنان وإسرائيل عن مقتل أكثر من 62 شخصاً، بينهم 47 مقاتلاً من حزب الله، إضافة الى مقاتلين من فصائل فلسطينية وأربعة مدنيين، بينهم مصور في وكالة رويترز للأنباء، فيما قُتل أربعة أشخاص على الأقل في الجانب الإسرائيلي.
ودفعت المواجهات أيضا بنحو 29 ألف شخص للنزوح، وفق المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، خصوصاً من جنوب لبنان أو من بيروت وضواحيها خشية توسّع الحرب إلى تلك المناطق كما حصل في حرب عام 2006.
ووضعت الحكومة خطة طوارئ في حال تمدّد الحرب إلى لبنان.
وقال رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، الاثنين الماضي، لوكالة فرانس برس، إنه يقوم بما في وسعه "لأن تكون الدولة وأجهزتها المتواضعة حاضرة" لتوفير احتياجات المواطنين.
وجراء الأزمة الاقتصادية وانهيار سعر صرف الليرة، يعيش معظم السكان تحت خط الفقر وهم غير قادرين على تأمين احتياجاتهم على وقع ارتفاع هائل في أسعار المواد الأساسية ومنها المحروقات.
وباتت مرافق الدولة عاجزة عن توفير أبسط الخدمات، فيما يرزح القطاع الصحي الذي يشكل العمود الفقري لأي خطة استجابة في زمن الحرب، تحت أعباء النقص في التجهيزات وحتى الطواقم بعدما اختار الكثير من الأطباء والممرضين الهجرة.
وقال وزير الصحة فراس أبيض، لفرانس برس: "في عام 2006، لم تكن لدينا أزمة دواء أو معدات طبية، ولم تكن لدينا هجرة أدمغة في القطاع الطبي أو أزمة اقتصادية خانقة".
وتحتاج وزارة الصحة وحدها بين 30 و40 مليون دولار لخطة الطوارئ الخاصة بها، وفق أبيض الذي أكد أن "لبنان يفعل ما بوسعه لزيادة مستوى الجهوزية" رغم الصعوبات.
وكانت وزارة الصحة اللبنانية استحدثت مركزا لعمليات الطوارئ الصحية تحسبا للتصعيد مع إسرائيل، معتمدة على خريطة تبين مناطق المخاطر العالية عطفاً على "حرب تموز 2006".
خريطة الوزارة تضم أيضاً أعداد النازحين المفترضين، وأعداد المستشفيات العاملة وفرق العمل التي تعمل على إدارة الأزمة في ظل وضع غير مسبوق وإمكانيات متواضعة.
وكان وزير البيئة ناصر ياسين قال إن العمل جارٍ على المستوى التنفيذي في ما يتعلق بخلايا الأزمات، ولجان إدارة الكوارث عبر المحافظين وإلى بدء العمل في سبع مناطق هي الأكثر عرضة للقصف في الجنوب والبقاع".
التحييد "أولاً"
الخبير في الشؤون الجيوسياسية زياد الصايغ يشدد لـ"ارفع صوتك" على ضرورة استعداد لبنان تحسبا لأي حرب بالنظر لحساسية موقعه الجغرافي.
"لا بد أن تستعد أي دولة، معنية بحماية سيادتها ومواطنيها، لأي أزمة أو كارثة أو صراع أيا كانت طبيعتها. ولكن أليس الأجدى في ما نحن بصدده في هذه المرحلة شديدة الخطورة، تحييد لبنان عن الصراع القائم في فلسطين، مع الاستمرار بالدعم الدبلوماسي للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين وعودة اللاجئين، أي القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، ومبادرة السلام العربية؟"، يقول الصايغ.
ويضيف المحلل السياسي اللبناني أن المنظومة الحاكمة في لبنان لم تق نفسها من دخول الحرب خلال الأسابيع الماضية، موضحاً: "بالقدر الواجب الاستعداد لكل الاحتمالات وأي تداعيات كارثية لأي عدوان إسرائيلي على لبنان، بالقدر عينه من الضروري عدم توفير الذرائع لعدوان مفترض، وعلى القوى السيادية الإصلاحية التغييرية تأكيد فاعلية موقفها الداعي لتحييد لبنان عن الحرب بدينامية وطنية واغترابية ودبلوماسية متكاملة".
ويأسف الصايغ في معرض التعليق على العوائق أمام خطة الطوارئ، قائلاً: "المنظومة الحاكمة والفريق الذي يتحكم بها بأجندة غير لبنانية لم يستخلص أي عبرة من الماضي، والدليل انفلات الحدود الجنوبية على كل الاحتمالات مع اغتيال للسيادة وتجاهل للقرار 1701".
ويعتقد أن "لبنان وشعبه رهينة أجندة غير لبنانية وحتى اليونيفيل تتفرج على هذا الأسر الخبيث للسيادة"، على حد تعبيره.
"أخطاء الماضي"
في هذا السياق، يعدّد الإعلامي وفيق هواري، وهو عضو مجموعة حل النزاعات في لبنان، بعضاً مما أسماها "أخطاء الماضي"، وأهمية تفاديها ضمن الإعداد لخطة الطوارئ. من بينها كما يقول "غياب قاعدة المعلومات الموحدة في مراكز القرار"، الذي قد يؤدي لحدوث ثغرات في معرفة واقع النازحين واحتياجاتهم الفعلية في مختلف المجالات.
"هناك خطأ أساسي يتعلق بعدم التنسيق والتعاون الفعلي بين وحدات إدارة الكوارث الرسمية وبين الجمعيات الدولية والمحلية بطريقة تحدد دور كل منها، ويؤدي لتكرار الخدمات في مكان ما وحرمان آخرين من خدمات ما في مكان آخر"، يضيف هواري.
ويتابع: "من الأخطاء أيضا تحول المساعدات إلى سياسة استزلام سياسي قد تقدم عليه بعض الأطراف مستغلة موقعها السلطوي، وتقديم الخدمات للمرتبط بهذا الطرف أو ذاك، وحرمان آخرين. بالإضافة، إلى عدم تدخل السلطات المحلية في مناطق قد يقصدها النازحون لتحديد بدلات استئجار منازل، ما يعرضهم إلى الاستغلال، تحت شعار حرية التعاقد".
ويشير هواري إلى أن الدولة اللبنانية "مفلسة" وهي "تسرع لطلب المساعدات أياً كانت من دون تحديدها بحسب الاحتياجات، ما يفتح الباب للفوضى عند الممارسة"، وفق تعبيره.
"لا خطط إستراتيجية"
هل لبنان مستعد في الوقت الحالي لإقرار خطة طوارئ؟ يقول هواري إن استمرار الصراع يفرض على السلطات المركزية والمحلية بالتعاون مع المجتمعات المحلية وضع خطط للتدخل في إدارة الكوارث ومواجهة حالات الطوارىء.
ولا تقتصر هذه الخطط على تقديم المساعدات الغذائية أو تأمين الفراش والبطانيات، بل تطال جميع جوانب الحياة التي تساعد المواطن على البقاء في أرضه واستمرارية حياته اليومية، بحسب هواري.
ويستدرك: "ليس هناك أي خطط إستراتيجية لمواجهة أي عدوان، ما يعني عدم وجود مراكز إيواء مجهزة تستطيع استقبال النازحين في حال النزوح الطارئ، ولا خطة واقعية لتأمين مستلزمات الحياة من خدمات المياه والكهرباء والتمديدات الصحية، كما لا توجد مراكز صحية واستشفاء قادرة على استقبال المرضى والجرحى".
"وكل ما نسمع به أو أطلعتنا عليه وسائل الإعلام من نشاط رسمي مجرد متابعات للحصول على مساعدات دولية، لا يمكن القول إنها تأتي لتسد احتياجات النزوح وفق الخطة الإستراتيجية التي تحدد الاحتياجات الفعلية"، يتابع هواري.
ويرى أن الصراع بين لبنان وإسرائيل "طويل ومديد ولبنان الرسمي والأهلي تقتصر خططه على ردات الفعل دون تأمين خطة قادرة على حماية المواطنين. ما يدل على غياب السياسات العامة عن جدول أعمال السلطات المركزية والمحلية".
ومن أمثلة التحضير والتخطيط الذي يجري في لبنان، يشير هواري إلى مدينة صيدا الجنوبية، موضحاً: "قررت جمعيات المدينة وضع خطة أولية من خلال تشكيل لجان مختصة، أعطيت كل منها فرصة أسبوع لإعداد خطتها في مجالها، وتحدد الموارد البشرية المطلوبة لتنفيذها، بالتعاون مع بلدية صيدا التي قدمت مكانا لغرفة عمليات تجمع المؤسسات الأهلية".
ويلعب هذا التجمع دورا أساسيا في وضع الخطة العامة بناء على تجربة "حرب 2006"، والعامل الأساس في نجاح هذه الخطة، بحسب هواري "التعاون والتنسيق بين الجميع ومعرفة قدرة وإمكانية كل جهة مساهمة، بالتالي يأتي الدعم ليسد ثغرة احتياج هنا أو هناك وكي لا تتكرر التقديمات".
ويشرح هواري: "من المرتقب أن تحدد لجنة الإيواء خلال الأسبوع القادم المراكز التي يمكن استخدامها وحاجات التأهيل اللازمة، فيما توصلت لجنة الإحصاء والاستقبال إلى وضع برنامج موحد يمكن للجميع الوصول إليه لمعرفة المطلوب".
"وعلى الصعيد الصحي ما زالت اللجنة تتابع تحديد احتياجات المستوصفات وإجراء الاتصالات اللازمة مع جهات دولية لتأمين المساعدات، في حين يسجل غياب مستشفيات عامة قادرة على تقديم خدمات طارئة في مجال الصحة والاستشفاء. واستطاعت بعض الجمعيات تأمين فرش وأغطية ومواد صحية، لكن النجاح يكمن في القدرة على الإشراف الكامل والتدقيق بما قد يحصل في الواقع وهذه مسؤولية تجمع المؤسسات وبلدية صيدا"، يقول هواري.
