مع استمرار الحرب بين إسرائيل و"حماس" في قطاع غزة، انتشر الحديث خلال الأيام الماضية عن "سيناريو بيروت"، كأحد الخيارات المطروحة أمام الجيش الإسرائيلي في القطاع.
يلتقي هذا السيناريو، الذي طبقته إسرائيل في بيروت الغربية لدى حصارها في العام 1982، مع الهدف المعلن للعملية وهو القضاء على حركة حماس في القطاع، لأنه يتضمن، على غرار الحالة اللبنانية، إرغام قيادات ومسلحي "حماس" والجهاد الإسلامي على مغادرة القطاع والفرار إلى الخارج.
في الحالة اللبنانية، كان الهدف إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت. وقد نجح الإسرائيليون في ذلك. وانتقلت قيادات المنظمة، وعلى رأسها رئيسها ياسر عرفات، مع المسلّحين الفلسطينيين إلى تونس.
كان اجتياح بيروت في العام 1982 الدخول الوحيد للجيش الإسرائيلي إلى عاصمة دولة عربية لاحتلالها، وكان هدف الإسرائيليين حينها واضحاً، وهو "طرد المسلحين الفلسطينيين من لبنان"، وإبعادهم عن حدود إسرائيل الشمالية والحدّ من الهجمات التي كان يشنّها المقاتلون الفلسطينيون على المستوطنات الإسرائيلية. وهو ما يتشابه مع هدف إسرائيل اليوم في الحد من قدرة الفصائل الفلسطينية على مهاجمة مناطق غلاف غزة والبلدات الواقعة على الحدود.
يتشابه حصار بيروت مع حصار غزة أيضا في كثير من النقاط، أبرزها قطع المياه والكهرباء، والقصف المكثف على الأحياء السكنية في محاولة ضرب المقاتلين الفلسطينيين، وهو ما أوقع في بيروت أعداداً كبيرة من المدنيين بين قتلى وجرحى، كما يحدث اليوم في غزة.
هذا السيناريو المحتمل تحدث عنه مايكل يونغ، الباحث في معهد "كارنيغي". يقول: "من المُحتمل أن يجرّب الإسرائيليون تكتيكًا آخر يتمثّل تحديدًا في تكرار نموذج حصار بيروت الغربية في العام 1982. آنذاك، أحكمت القوات الإسرائيلية الطوق على القيادة الفلسطينية في الجزء الغربي من العاصمة اللبنانية وقطعت إمدادات المياه والكهرباء ومعظم المواد الغذائية الطازجة. وكان هدفها إرغام الفلسطينيين على الخروج من بيروت، وقد نجحَت في تحقيق هذا المسعى".
ويتابع يونغ، الذي عاش في بيروت وتخرج من الجامعة الأميركية فيها : "لقد عشتُ هذا الحصار الذي دام ثلاثة أشهر تقريبًا، وأذكر بوضوح أن الفلسطينيين لم يوافقوا على المغادرة إلّا بعد مفاوضات شاقة تمت بوساطة المبعوث الأميركي إلى لبنان فيليب حبيب، على الرغم من أن إسرائيل امتلكت اليد العليا على المستوى العسكري".
أحد الفلسطينيين، الذين قاتلوا في بيروت في العام 1982، كتب عبر حسابه على فيسبوك قائلا إن "هناك فوارق جوهرية بين بيروت وغزة". وتابع موضحا: "في بيروت كنا وسط شعب عربي شقيق نحاول الدفاع عن قضية تخصنا.. لم نكن على أرضنا وبين شعبنا. كان الانقسام اللبناني واضحاً وكبيراً فهناك قوى وطوائف كاملة رشت الورود على الجيش الإسرائيلي وقاتلت معه".
ويضيف المقاتل إن "سكان بيروت الغربية أنفسهم فقدوا صبرهم على المقاومة بعد أن صارت حياتهم جحيماً وبعضهم تظاهر مطالبا برحيلنا، كما طلبت قوى في الحركة الوطنية اللبنانية قبولنا اتفاق فيليب حبيب المبعوث الأميركي للوساطة والخروج من بيروت".
لكن هذا المقاتل السابق يعتبر أن "غزة اليوم مختلفة عن بيروت، لأن الفلسطينيين يدافعون عن أرضهم التي لا بديل لهم عنها".
في كتابها "شتات بيروت: مذكرات حرب 1975-1990"، تحكي جين سعيد مقدسي عن الانقسام في بيروت الغربية والسخط ضد منظمة التحرير الفلسطينية في بداية المعركة. تقول "كان هناك هؤلاء الذين كانوا يشيرون إلى الوضع اليائس ويتهمون المنظمة بمسؤولية زجّ البلد في هذا الموقف من الخراب الوشيك المحتوم. في كل مرة كان أحد من المنظمة يجازف بالتصريح بأن بيروت ستكون ستالينغراد العرب أو هانوي العرب... كان بعض سكان بيروت الأصليون يردّدون غاضبين: بيروت ليست إحدى المدن الفلسطينية".
وتضيف: "هذا ما كنا نسمعه دائماً: إذا أردتم ستالينغراد أو هانوي، فليكن ذلك في إحدى مدنكم وليس في مدننا".
مقدسي تشير إلى أن الانتقادات ضد منظمة التحرير أخذت بالتقلص مع الوقت خصوصاً "مع تقدم القتال وازدياد عدد القتلى بين السكان وعدد البنايات المهدمة". حينها "بدأ الناس يشاركون أكثر بالشعور مع المقاتلين الصامدين"، تقول الكاتبة الفلسطينية.
أما مايكل يونغ فيلفت إلى مسألة مهمة، وهي أن "خروج الفلسطينيين لم يُفضِ بأي حال من الأحوال إلى القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية ولا إلى إنهاء وجودها في لبنان".
ويوضح المحلل السياسي في معهد "كارنيغي" كلامه بعبارة أخرى، فيقول: "بيّنت التجربة اللبنانية أن هذه العملية، إذا حاول الإسرائيليون تكرارها في غزة، قد تستغرقهم وقتًا أطول مما يمكنهم توفيره، ومن المستبعد أن تكون فعّالة بالكامل".
