الجندي الإسرائيلي غلعاد شاليط الذي كان مختطفاً لدى الفصائل الفلسطينية، بعد مبادلته بأسرى فلسطينيين- أرشيف
الجندي الإسرائيلي غلعاد شاليط الذي كان مختطفاً لدى الفصائل الفلسطينية، بعد مبادلته بأسرى فلسطينيين- أرشيف

في ظِل الأجواء الساخنة التي تعيشها المنطقة بسبب الحرب الدائرة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية المسلحة في قطاع غزة، يتكرّر الحديث عن مباحثات تجريها وساطات دولية بين إسرائيل وحركة حماس لإبرام صفقة تبادل أسرى بين الجانبين.

مثل هذه المباحثات ليست جديدة على المنطقة، وقد بدأت بعمليات تبادل الأسرى على مفاوضات خاضتها إسرائيل مع دولٍ عربيةٍ مثل مصر وسوريا والأردن باعتبارها تولّت مهمة الدفاع عن فلسطين وخاضت جيوشها معارك مباشرة ضد إسرائيل.

وفور انتهاء حرب 1948 تم عقد صفقات أفضت إلى الإفراج عن 1098 مصرياً و57 سورياً و5021 فلسطينياً وعدد محدود من مواطني دول عربية أخرى مقابل، الإفراج عن 885 جندياً إسرائيلياً أسرتهم الدول العربية المُحاربة.

من بعدها أبرمت إسرائيل عدة صفقات محدودة لتبادل الأسرى بلغت ذروتها مع وقوع حربي 1967 و1973، وفور انتهاء الأخيرة دخل لاعبون جُدد على الساحة، أغلبهم فصائل فلسطينية رفعت راية القتال ضد إسرائيل ودخلت معها في معارك متعددة بأشكالٍ مختلفة.

 

"الجبهة الشعبية"

في يوليو 1968 دخل الفلسطينيون على خط تبادل الأسرى للمرة الأولى، بعدما نفّذت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، عملية اختطاف طائرة إسرائيلية تابعة لشركة "العال"، فبعدما خرجت الطائرة من تل أبيب باتجاه روما، أُجبرت على الذهاب إلى الجزائر.

وأبرمت أول صفقة تبادل أسرى بين الفلسطينيين وإسرائيل برعاية الصليب الأحمر، آنذاك، حيث أُفرج عن الركاب مقابل تحرير 37 أسيراً فلسطينياً.

بعدها بعامٍ واحد، أقدمت مجموعة أخرى تابعة للجبهة الشعبية، بقيادة ليلى خالد، على اختطاف طائرة إسرائيلية، لكن لم تنجح العملية هذه المرة وانتهت باعتقال خالد، التي أفرج عنها في صفقة تبادل مع ركاب طائرة أخرى تم خطفها لاحقاً.

وفي 1978 هاجمت قوة مسلحة تابعة للجبهة الشعبية شاحنة إسرائيلية وقتلت 4 جنود وأسرت واحداً يُدعى أبراهام عمرام، تمت مبادلته بـ76 معتقلاً فلسطينياً.

وفي 1984 اختطف أربعة من مسلحي الجبهة حافلة إسرائيلية تحمل الرقم (300)، كان على متنها 41 راكباً، أجبر الفلسطينيون الحافلة على تغيير خط سيرها واتجهوا بها صوب مصر.

طالب الخاطفون بإطلاق سراح 500 أسيرا، إلا أن قوة من الجيش الإسرائيلي هاجمت الحافلة ونجحت في قتل الفلسطينيين وتحرير الرهائن، ما عدا امرأة واحدة قُتلت في الاشتباك بين الطرفين.

في السنة نفسها، نفذت مجموعة تابعة للجبهة عملية احتجاز للجندي الإسرائيلي موشيه تمام، وعندما عجزوا عن نقله إلى خارج فلسطين قتلوه.

وفي عام 1985 أجرت إسرائيل صفقة جديدة مع قيادات الجبهة أفرجت بموجبها عن 1155 أسيراً لديها مقابل إطلاق سراح 3 جنود إسرائيليين احتجزهم مقاتلو الجبهة خلال حرب لبنان 1982، عُرفت هذه الصفقة فلسطينياً بلقب "عملية الجليل".

 

"حركة فتح"

في يناير 1971 أبرمت إسرائيل أول صفقة تبادل أسرى مع حركة "فتح"، بعدما أفرجت عن الأسير الفلسطيني محمود بكر حجازي مقابل الإفراج عن الجندي الإسرائيلي شموئيل فايز، الذي كان محتجزا لدى "فتح" منذ 1969.

وفي فبراير 1980 أوقعت حركة "فتح" بواحدةٍ من أكبر عملاء الموساد وهي أمينة داوود المفتي، وهي أردنية الأصل حصلت على الجنسية الإسرائيلية ونجحت في التسلل بين صفوف حركة "فتح" وسرّبت معلومات حساسة إلى إسرائيل، حتى سقطت بين أيدي الفلسطينيين لتتم مبادلتها بالأسيرين مهدي بسيسو، ووليام نصار. 

بعدها بثلاثة أعوام، أجريت صفقة ضخمة لتبادل الأسرى حين أفرجت إسرائيل عن 4700 أسير فلسطيني ولبناني لديها مقابل إطلاق سراح ستة جنود أسرتهم حركة "فتح" عام 1982 خلال تنفيذهم عملية خاصة في لبنان.

 

"حركة الجهاد الإسلامي"

أيضاً كان من نصيب حركة "الجهاد الإسلامي" عملية تبادل جرت في 1985 بعدما احتجزت 39 رهينة أميركية خلال وجودهم على متن طائرة أميركية، أُفرج عنهم مقابل 170 معتقلاً لبنانياً وإعادة رفات 9 مقاتلين تابعين لـ"حزب الله" اللبناني.

وفي 1991، اعتقلت الحركة، جيسي تيرتر أستاذ الرياضيات في الجامعة الأميركية في بيروت، وأفرجت عنه مقابل إطلاق سراح 15 معتقلاً لبنانياً.

 

"حزب الله"

شهد عام 1991 عملية التبادل الأولى بين إسرائيل وحزب الله اللبناني، ليتم الإفراج عن 76 أسيراً في السجون الإسرائيلية، مقابل استعادة جثمان جندي إسرائيلي.

بعدها بخمسة أعوام، توسّطت ألمانيا في صفقة أطلق بموجبها حزب الله سراح 17 جندياً من "جيش لبنان الجنوبي" الذي رعت إسرائيل تأسيسه، مقابل الإفراج عن 45 أسيرا من عناصر حزب الله.

وفي 1998 أطلقت إسرائيل سراح 60 أسيراً لبنانياً وأعادت 40 جثة لمقاتلين لبنانيين من بينهم هادي نجل زعيم حزب الله، حسن نصر الله، وسلّم الحزب إسرائيل رفات الرقيب إيتامار إيليا من وحدة الكوماندوز البحري الإسرائيلي الذي قُتل مع 11 من زملائه خلال تنفيذ مهمة داخل لبنان.

وفي يناير 2004 أفرجت إسرائيل عن 462 أسيراً فلسطينياً ولبنانياً مقابل إطلاق سراح العقيد إلحنان تانينباوم وتسليم رفات ثلاثة جنود إسرائيليين آخرين.

وفي منتصف 2008 استعادت إسرائيل أشلاء أربعة من جنودها قتلوا خلال حرب 2006 مقابل إطلاق سراح الأسير اللبناني نسيم نسر الذي سُجن بتهمة التجسس لصالح حزب الله.

بعدها بشهرٍ واحد أطلقت تل أبيب سراح خمسة أسرى لبنانيين من بينهم سمير القنطار الذي أمضى 29 عاماً في سجونها، بالإضافة إلى جثامين 199 عربياً احتجزتها إسرائيل مقابل استعادة جنديين إسرائيليين.

 

"حركة حماس"

عقب تأسيس حركة حماس في 1987 عشية تفجير الانتفاضة الفلسطينية الأولى، حاولت الحركة الدخول على خط تبادل الأسرى، فاختطفت الجنديين الإسرائيليين إيلان سعدون وآفي سسبورتس إلا أن كلا العمليتين انتهت بمقتل الجنديين وعثور الجيش الإسرائيلي على جثتيهما دون مبادلتهما بأي أسير.

وفي 1992 أسرت فرقة من "كتائب القسّام- الجناح العسكري لحماس"، الجندي الإسرائيلي نسيم تولدانو، أملاً في مبادلته بالشيخ أحمد ياسين الذي كان قد حُكم عليه بالسجن مدى الحياة، إلا أن إسحق رابين رئيس الحكومة آنذاك رفض إبرام أي صفقة فنفذت حماس تهديدها وقتلت الجندي وألقت جثته في أحد الطرق.

ضعفت وتيرة مثل هذه العمليات عقب توقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية عام 1993، التي انتهت بانخفاض أعداد الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية من 12 ألف معتقل تقريباً إلى 553 فقط عشية اندلاع الانتفاضة الثانية.

لم يقطع هذا الهدوء إلا محاولة "كتائب القسام" اختطاف الجندي الإسرائيلي نحشون فاكسمان في 1994 سعياً لإبرام صفقة لتحرير المزيد من الأسرى الفلسطينيين وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين، لكن العملية فشلت بعدما اكتشف الإسرائيليون مكان الاحتجاز وأجروا عملية لتحريره انتهت بمقتل الجندي المحتجز واثنين من كوادر "القسام" واعتقال آخرين لم يخرجا من السجن إلا عام 2011.

لم يدم الهدوء طويلاً عقب فشل اتفاق أوسلو في تحقيق السلام المنشود واستمرار إسرائيل في احتلالها للأراضي الفلسطينية وتنفيذ المزيد من الاعتقالات، ليبلغ عدد الأسرى في 2007، بحسب تقديرات فلسطينية، نحو 10 آلاف.

بعد فشل محاولات حماس الأولى للدخول في خضم "مسلسل الصفقات" نجحت –بمعاونة فصائل فلسطينية أخرى- في أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في 2006 أملاً في تحقيق صفقة تبادل مع الجانب الإسرائيلي.

وتعدُّ "صفقة شاليط" ذات وضعٍ خاصٍ في عمليات التبادل؛ بسبب اشتراك العديد من الفصائل الفلسطينية فيها. فإلى جانب حركة حماس، شاركت "ألوية الناصر صلاح الدين" و"جيش الإسلام"، وشهدت إفراجاً عن محتجزين فلسطينيين على دفعتين.

في أكتوبر 2009 أفرجت إسرائيل عن 20 أسيرة فلسطينية مقابل الحصول على شريط فيديو لمدة دقيقتين يظهر خلاله الجندي شاليط بصحة جيدة.

وبعدها بعامين أجريت صفقة أطلق عليها الفلسطينيون "وفاء الأحرار" التي نصّت على الإفرج عن شاليط مقابل تحرير 1027 أسيراً، وتعدُّ آخر صفقة تبادل أسرى نُفذت بين إسرائيل وأي فصيل فلسطيني مسلّح.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

رئيس الإمارات خلال اجتماعه بوزير داخلة طالبان بالوكالة (أرشيف)
رئيس الإمارات خلال اجتماعه بوزير داخلة طالبان بالوكالة (أرشيف)

في تقرير نشرته صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، اعتبر محللون أن قبول دولة الإمارات أوراق اعتماد سفير حركة طالبان الأفغانية، يعد "دليلا واضحا على الانقسام الدولي" بشأن كيفية التعامل مع نظام الحكم الجديد في أفغانستان.

ووفقا للصحيفة، فإن أبوظبي انضمت إلى "عدد صغير لكنه متزايد" من القوى الإقليمية التي أقامت علاقات مع طالبان، على الرغم من الجهود الغربية لعزل الجماعة الأصولية عقب سيطرتها على حكم أفغانستان في 15 أغسطس 2021.

وكانت كازاخستان قد قبلت، الشهر الماضي، قائمًا بالأعمال معيّن من قبل حركة طالبان، في حين زار رئيس الوزراء الأوزبكي، عبد الله أريبوف، أفغانستان، في أعلى زيارة لمسؤول أجنبي منذ عودة الحركة الأصولية إلى السلطة.

وفي هذا الصدد، أوضح الباحث البارز في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في البحرين، حسن الحسن، أن "طالبان متعطشة للاعتراف الدولي بها"، معتبرا أن قرار الإمارات قبول سفيرها "يحمل الكثير من الثقل".

طالبان شددت حملتها على النساء عقب عودتها للسلطة في 2021 - أرشيفية
ورغم أن أي دولة لم تعترف رسميا بحكومة طالبان، فإن تلك الجماعة المتشددة تقول إن "لديها دبلوماسيين في نحو 12 دولة، بما في ذلك الصين وروسيا والسعودية وقطر".

كما أقامت دول أخرى، بما في ذلك الهند، علاقات محدودة مع النظام في كابل.

وهنا، يرى الباحث  في "مؤسسة أوبزرفر للأبحاث" بنيودلهي، كابير تانيجا، أن جيران أفغانستان "يحشدون الجهود للتأكد من ضمان الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة".

وتابع: "لحسن الحظ أو لسوء الحظ، فإن الكيان الوحيد الذي يساعد على تحقيق ذلك هو طالبان"، لافتا إلى أن تلك الحركة "قد لا تملك دبلوماسيين أذكياء جدا، لكنها تمكنت من الاستفادة من الأوضاع العالمية".

عناصر من تنظيم القاعدة بأفغانستان في عام 2011- صورة أرشيفية.
من جانبه، قال مسؤول إماراتي للصحيفة اللندنية، إن قرار قبول سفير لطالبان "من شأنه أن يساعد في بناء جسور لمساعدة شعب أفغانستان".

وأضاف ذلك المسؤول أن هذا يشمل "تقديم المساعدات، ودعم الجهود التي تعمل نحو خفض التصعيد وتحقيق الاستقرار الإقليمي".

ووفقا لمراقبين، فإن القبول الإقليمي المتزايد "يوفر لطالبان فرص التجارة والاستثمار"، في وقت تواجه فيه البلاد التي يبلغ عدد سكانها 40 مليون نسمة أزمة اقتصادية وإنسانية.

ونجحت شركات من دول مجاورة، في تأمين صفقات لبناء البنية الأساسية في أفغانستان، التي تملك موقعا استراتيجيا بين طرق التجارة في وسط وجنوب آسيا.

وصادقت طالبان على عشرات العقود للاستفادة من ثروة البلاد المعدنية غير المستغلة، التي تقدر بنحو تريليون دولار، و تشمل احتياطيات من النحاس والليثيوم.

وذهب بعض تلك العقود إلى مستثمرين من إيران وتركيا والصين، علما بأن الأخيرة تعهدت أيضًا بإدراج أفغانستان في مبادرة "الحزام والطريق".

وفازت شركة من أبوظبي بعقود لإدارة المطارات الأفغانية في 2022، متغلبة على اتحاد قطري تركي. وهناك الآن رحلات منتظمة بين كابل والإمارات.

تحذير من "الثقة"

وسعت حركة طالبان إلى تبديد الشكوك الدولية بشأن حكمها، قائلة إنها "منفتحة على المشاركة والاستثمار".

وأوضح رئيس المكتب السياسي لطالبان في قطر، سهيل شاهين، لفاينانشال تايمز: "إن سياستنا هي إقامة علاقات جيدة مع الجميع".

وبالنسبة للإمارات، فإن الأمن "يدفعها إلى النظر إلى التعامل مع طالبان باعتباره ضروريا"، كما قال جورجيو كافييرو، الرئيس التنفيذي لشركة الاستشارات "غلف ستيت أناليتيكس"، ومقرها واشنطن.

وأضاف كافييرو: "هذا ببساطة يتعلق بكون أبوظبي براغماتية، وتسعى الاستفادة القصوى من الوضع في أفغانستان".

ومع ذلك، حذر بعض المحللين من أن "الثقة في حركة طالبان قد تكون خطأ مكلفا، فباكستان كانت من أوائل المؤيدين للشراكة العالمية مع كابل التي تديرها طالبان، لكنها عانت من زيادة كبيرة في العنف المسلح من قبل مجموعات أصولية، ومن بينها فرع طالبان الباكستاني".

وأدى عدم رغبة طالبان - أو عدم قدرتها - على وقف "طالبان باكستان"، إلى تدهور حاد في العلاقات، حتى أن إسلام آباد شنت غارات جوية على أهداف لحركة طالبان الباكستانية في أفغانستان.

وقال دبلوماسي غربي للصحيفة البريطانية، إن "الوجود الأجنبي الدبلوماسي والاقتصادي المحدود داخل أفغانستان، يعني أن العديد من البلدان لا تزال تكافح من أجل تحديد مدى التهديد الذي يشكله حكم طالبان".

وشدد على أن المخاطر "لا تزال مرتفعة"، مضيفا: "من الواضح أن الدرس المستفاد من التاريخ هو أحداث 11 سبتمبر".