A photo taken from the city of Jenin, in the occupied West Bank on November 9, 2023, shows smoke rising from the Jenin…
14 فلسطينيا قتلوا في العملية الإسرائيلية الأخيرة في جنين

تعد العملية العسكرية التي نفذها الجيش الإسرائيلي في جنين، الأكثر حصدا للأرواح في الضفة الغربية منذ عام 2005، وفقا لإحصاءات الأمم المتحدة، وعادة يكون مخيم جنين هو الساحة التي تشهد أعنف المواجهات بين قوات الأمن الإسرائيلية ومسلحي الفصائل الفلسطينية.

وقتل 14 فلسطينيا في العملية الإسرائيلية الأخيرة في جنين. ومنذ بدء الحرب بين إسرائيل وحماس التي تسيطر على غزة، في السابع من أكتوبر، تصاعد التوتر في الضفة الغربية، وتحديدا في مخيم جنين.

دخان يتصاعد من مخيم جنين عقب اشتباكات عنيفة مع مسلحين فلسطينيين

ويرتبط اسم مخيم جنين بعملية إسرائيلية دمرت أجزاء كبيرة منه، وقتل فيها 52 شخصا أغلبهم مدنيون، عام 2002، ضمن عملية "الدرع الواقي" التي اجتاح فيها الجيش الإسرائيلي مدن الضفة الغربية، بعد هجوم على فندق في مدينة نتانيا.

فرار معتقلين من سجن جلبوع

وشكّلت عملية فرار 6 فلسطينيين من سجن جلبوع الإسرائيلي، في السادس من سبتمبر عام 2021، نقطة تحول في مخيم جنين، خاصة أن بعض الفارين من السجن كانوا من المسلحين السابقين المعروفين، والذين نشطوا في المخيم ومدينة جنين، مثل زكريا الزبيدي، ومحمود العارضة.

نقطة حراسة بسجن جلبوع

استنفر المسلحون في المخيم بعد عملية الفرار، في حين شكلت الفصائل الفلسطينية المختلفة غرفة عمليات مشتركة استعدادا لأية مواجهة مع الجيش الإسرائيلي في حال لجأ الفارون إلى المخيم.

وأطلق الجيش الإسرائيلي عمليات تمشيط واسعة لتعقب الفارين، حيث عمل على منع تسللهم إلى جنين، وهو ما كان سيعقد عملية إعادة اعتقالهم.

السلطات الإسرائيلية شنت حملة أمنية واسعة بحثا عن السجناء الفارين من سجن جلبوع الذين ألقت القبض عليهم لاحقا

تمكنت إسرائيل من القبض على الفارين، لكنها شنت حملة اغتيالات استهدفت مسلحين فلسطينيين في المخيم والمدينة، وقتل 7 فلسطينيين من سكان المخيم، وفق مركز المعلومات الوطني الفلسطيني الحكومي.

في 11 مايو عام 2022، قتلت الصحفية الفلسطينية الأميركية ، شيرين أبو عاقلة، في مدينة جنين، حين كانت تغطي عملية عسكرية إسرائيلية في المخيم، واتهمت السلطات الفلسطينية الجيش الإسرائيلي بقتلها.

وأكدت وزارة الخارجية الأميركية، حينها أنها "تريد تحقيقا شاملا وشفافا" بشأن مقتل أبو عاقلة.

وأقر الجيش الإسرائيلي في وقت لاحق بأن هناك "احتمالا كبيرا" بأن يكون أحد جنوده قد أطلق النار عليها وقتلها، مع أنها كانت تضع سترة واقية من الرصاص كتب عليها "صحافة" بالإنكليزية، وخوذة على رأسها.

أبو عاقلة قتلت خلال تغطيتها عملية للجيش الإسرائيلي في مخيم جنين

"عملية تموز"

في صبيحة يوم الإثنين، الثالث من يوليو الماضي، كان مخيم جنين على موعد مع عملية إسرائيلية جديدة.

إذ غادر نحو 3 آلاف فلسطيني من سكان مخيم جنين منازلهم، حيث بدأت عملية عسكرية اعتبرت الأوسع منذ نحو 20 عاما في الضفة الغربية، في المنطقة التي يسكنها نحو 18 ألف شخص.

في الساعات الأولى من صباح ذلك اليوم، شنت القوات الإسرائيلية عملية واسعة النطاق في مخيم جنين، شارك فيها مئات الجنود، وتضمنت غارات جوية.

الجيش الإسرائيلي أعلن عن عملية عسكرية في مخيم جنين لملاحقة المسلحين

وضمت العملية عربات مدرعة وجرافات عسكرية، ونفذ خلالها الجيش الإسرائيلي ضربات بطائرات مسيرة، كما شاركت في العملية وحدات النخبة من مختلف قوات الجيش والأمن وحرس الحدود.

وقال الجيش إن قواته دخلت المخيم "لتدمير ممرات تحت الأرض تستخدم لتخزين المتفجرات". 

وأضاف الجيش حينها أن جنوده "عثروا على غرفتي عمليات تابعة لمنظمات إرهابية في المنطقة، وقاموا بتفكيكها".

رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، وصف العملية حينها بأنها "دخول إلى وكر الإرهاب" في جنين، مشيرا إلى أن قواته عملت على "تدمير مراكز القيادة ومصادرة كمية كبيرة من الأسلحة".

مسلحون فلسطينيون في مخيم جنين

لكن وزارة الصحة الفلسطينية قالت إن ضحايا الهجوم "معظمهم من الفتيان والأطفال"، وأن غالبية أعمار القتلى "لا تتجاوز 17 عاما، والبقية ما بين 18 و23 عاما".

ونفذت هذه العملية العسكرية بعد أسبوعين من عملية كبيرة أخرى استهدفت مخيم جنين، وتخللها قصف بالطيران المروحي للمرة الأولى منذ سنوات.

ويتمركز الجيش الإسرائيلي بشكل متواصل على تخوم مخيم جنين، حيث ينفذ توغلات بين الفينة والأخرى، تتخللها اشتباكات مع الشبان الفلسطينيين.

اجتياح المخيم.. "الدرع الواقي"

في الثالث من أبريل عام 2002، كان سكان مخيم جنين على موعد مع اجتياح إسرائيلي شامل استمر حتى 18 أبريل، وكانت الأيام الـ 15 التي مرت على المخيم من الأصعب والأخطر، بسبب القتال الضاري الذي شهدته الأزقة والأحياء.

كان المشهد غامضا وغير مسبوق، إذ وجدت القوات الإسرائيلية نفسها أمام سيناريو القتال بين المنازل، حتى أن الجيش الإسرائيلي اضطر إلى فتح ممرات تخترق الجدران للانتقال من منزل إلى آخر في المخيم.

واتهمت السلطات الفلسطينية ومنظمات دولية، الجيش الإسرائيلي بارتكاب "أعمال القتل العشوائي".

كان اجتياح جنين ضمن عملية عسكرية إسرائيلية شاملة أطلق عليها "الدرع الواقي"، استهدفت مدن الضفة الغربية الرئيسية التي كانت تحت سيطرة السلطة الفلسطينية.

عملية "الدرع الواقي" جاءت ردا على تفجير استهدف فندقا في مدينة نتانيا الإسرائيلية، حيث أعلنت حركة حماس مسؤوليتها عن الهجوم الذي أدى إلى مقتل 17 إسرائيليا على الأقل، وإصابة نحو 80 شخصا بجروح.

أعطى رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها، أرييل شارون، الأوامر للجيش ببدء العملية العسكرية، "للقضاء على الفصائل الفلسطينية المسلحة" التي كانت تخوض معارك مع القوات الإسرائيلية خلال أيام ما يعرف بـ"انتفاضة الأقصى" التي اندلعت في سبتمبر عام 2000.

وكانت شرارة "الانتفاضة" الفلسطينية قد انطلقت بعد اقتحام شارون، زعيم حزب الليكود الإسرائيلي المعارض، حينها، المسجد الأقصى في 28 سبتمبر عام 2000.

ووفق اتفاقية أوسلو (2) فإن أراضي الضفة الغربية تصنف إلى 3 مناطق، هي "أ" تحت سيطرة فلسطينية كاملة، و"ب" تخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية ومدنية وإدارية فلسطينية، و"ج" تخضع لسيطرة مدنية وإدارية وأمنية إسرائيلية وتشكل الأخيرة نحو 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية.

اشتدت المواجهات بين الطرفين في الضفة الغربية، وانخرط عناصر من الأجهزة الأمنية الفلسطينية في القتال، وأعلنوا استعدادهم للتصدي لعملية "الدرع الوقي" حيث تحصنوا في أزقة المدن، والمخيمات، خاصة في مخيم جنين، والبلدة القديمة من مدينة نابلس.

كانت حصيلة العملية سقوط عشرات القتلى، فيما حمّل الجيش الإسرائيلي المسلحين الفلسطينيين "مسؤولية تعريض حياة المدنيين للخطر".

تقرير الأمم المتحدة

وأصدرت الأمم المتحدة تقريرا بشأن عملية "الدرع الواقي"، التي دامت نحو 10 أيام، بشأن نمط الهجمات التي شنتها ضد إسرائيل جماعات فلسطينية مسلحة تعمل من الضفة الغربية، والأعمال العسكرية التي قامت بها إسرائيل في تلك العملية.

ووثق التقرير الأممي مقتل 52 فلسطينيا خلال اجتياح مخيم جنين، نصفهم تقريبا من المدنيين، فيما أشارت مصادر محلية فلسطينية إلى أن عدد الضحايا "أكبر من ذلك". كما أن التقرير وثق مقتل 23 جنديا إسرائيليا.

ويقول التقرير الذي أعده الأمين العام للأمم المتحدة، حينها، كوفي عنان، إن "القتال في مخيم جنين مر بمرحلتين، الأولى استمرت نحو 6 أيام، من الثالث حتى التاسع من أبريل، فيما امتدت المرحلة الثانية إلى يومي 10 و11 من الشهر ذاته".

وأشار تقرير الأمم المتحدة إلى "تدمير 10 في المئة من مباني مخيم جنين بشكل كامل، حيث سويت بالأرض".

ووفق التقرير، فإن قُطر المنطقة المستهدفة بالهجوم الإسرائيلي بلغ حوالي 200 متر، ومساحتها السطحية 30 ألف متر مربع، وكانت تضم حوالي 100 مبنى سويت بالأرض.

وأسفرت العملية الإسرائيلية عن فقدات نحو 800 أسرة يقدر عدد أفرادها بأكثر من 4 آلاف  شخص، منازلها التي تؤويها.

نقل التقرير عن السلطة الفلسطينية أن إسرائيل "ارتكبت أعمال قتل غير مشروعة، كما استخدمت المدنيين دروعا بشرية، واستعملت القوة بصورة غير متناسبة، ونفذت عمليات اعتقال وتعذيب تعسفية، ومنعت المرضى والمصابين من الحصول على العلاج والمساعدة الطبية".

دبابات وطائرات وجرافات

وثق التقرير الأممي مشاركة 60 دبابة إسرائيلية في اجتياح المخيم، مدعومة بمروحيات من الجو، وجرافات ضخمة من نوع (D9) المصفحة والمجهزة للقتال وإزالة المعيقات وتوسيع الممرات لتمكين الدبابات من المناورة في عمليات القتال داخل شوارع المخيم.

كان القتال ضاريا، وحوصر نحو 4 آلاف مدني من سكان المخيم ممن رفضوا المغادرة.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه "تعامل مع أكثر من ألف عبوة ناسفة، ومئات القنابل اليدوية، التي استخدمها المسلحون في المخيم لصد التوغل".

نقطة التحول في المعركة

واجه الجيش الإسرائيلي قتالا عنيفا في المخيم، واشتدت المواجهة في الفترة بين الخامس والتاسع من أبريل، مما أوقع خسائر في الأرواح بين الطرفين.

في التاسع من أبريل تغيّر كل شيء، حيث قُتل 13 جنديا إسرائيليا، وجُرح آخرون، في كمين نصبه المسلحون الفلسطينيون للجيش الإسرائيلي داخل المخيم.

بعد ذلك، تمكن المسلحون من قتل جندي آخر في المخيم، ليصل عدد القتلى من الجيش الإسرائيلي خلال العملية في جنين إلى 23 جنديا، وفق التقرير.

الضحايا المدنيون

ويقول تقرير الأمم المتحدة إن "الأطفال دون سن 15 سنة والنساء والرجال فوق 50 سنة كانوا يشكلون نحو 38 بالمئة من جميع حالات الوفاة المبلغ عنها"، وأن الجيش الإسرائيلي "منع سيارات الإسعاف وأفراد الأطقم الطبية من الوصول للجرحى".

أما تقرير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان فقد أشار إلى وجود "جثث متفحمة، وأخرى متعفنة تحت الأنقاض"، واتهم إسرائيل بارتكاب "جرائم إعدام ميداني" للمدنيين في المخيم.

حقائق عن مخيم جنين

في حرب عام 1948، غادر سكان حيفا والكرمل وجبال الكرمل إلى شمال الضفة الغربية، واستقروا في منطقة جنين، وهي الأقرب للمدن والقرى التي هجّروا منها.

تأسس مخيم جنين الحالي، في عام 1953، لأن المخيم الأصلي الذي أقيم في المنطقة عقب حرب 1948 دمرته عاصفة ثلجية

ويقع المخيم ضمن حدود بلدية جنين، وهو واحد من 19 مخيما للاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية، والتي تشرف عليها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا".

أجرت الأونروا عملية إعادة إعمار في المخيم، وطورت قطعة أرض إضافية بلغت مساحتها حوالي 3 بالمئة من المساحة الأصلية لمخيم جنين وهي متاخمة له، مما قلل من الاكتظاظ. وبلغت مساحة المخيم عند الإنشاء 372 دونما، اتسعت إلى حوالي 473 دونما.  

الجيش الإسرائيلي كثف اقتحاماته لمخيم جنين للاجئين

وإلى جانب تعرض المخيم لهجمات إسرائيلية، فإن القوات الأمنية الفلسطينية نفذت عمليات أمنية فيه بحثا عن مطلوبين لديها، مما أدى إلى وقوع اشتباكات بين الطرفين، تضمنتها اعتقالات.

وتقول الأونروا إن "العنف تسبب في تأثير كبير على الرفاه العاطفي والنفسي الاجتماعي، للأطفال الصغار على وجه الخصوص".

ويعاني مخيم جنين من أعلى معدلات البطالة والفقر بين مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية. وتأثر المخيم بالجدار العازل التي أقامته إسرائيل، إذ قلل من أعداد العمال الذين بإمكانهم العمل في السوق الإسرائيلية.

وتسبب الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب في المخيم، بظواهر سلبية، من بينها تسرب الطلاب من المدارس.

كما أنه تسبب بحالة من الغضب من سياسات إسرائيل الأمنية واستهدافها للمخيم بعمليات عسكرية متكررة، إلى جانب السلطة الفلسطينية التي يتهمها سكان بـ"إهمال" أحوال المخيم.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.