A photo taken from the city of Jenin, in the occupied West Bank on November 9, 2023, shows smoke rising from the Jenin…
14 فلسطينيا قتلوا في العملية الإسرائيلية الأخيرة في جنين

تعد العملية العسكرية التي نفذها الجيش الإسرائيلي في جنين، الأكثر حصدا للأرواح في الضفة الغربية منذ عام 2005، وفقا لإحصاءات الأمم المتحدة، وعادة يكون مخيم جنين هو الساحة التي تشهد أعنف المواجهات بين قوات الأمن الإسرائيلية ومسلحي الفصائل الفلسطينية.

وقتل 14 فلسطينيا في العملية الإسرائيلية الأخيرة في جنين. ومنذ بدء الحرب بين إسرائيل وحماس التي تسيطر على غزة، في السابع من أكتوبر، تصاعد التوتر في الضفة الغربية، وتحديدا في مخيم جنين.

دخان يتصاعد من مخيم جنين عقب اشتباكات عنيفة مع مسلحين فلسطينيين

ويرتبط اسم مخيم جنين بعملية إسرائيلية دمرت أجزاء كبيرة منه، وقتل فيها 52 شخصا أغلبهم مدنيون، عام 2002، ضمن عملية "الدرع الواقي" التي اجتاح فيها الجيش الإسرائيلي مدن الضفة الغربية، بعد هجوم على فندق في مدينة نتانيا.

فرار معتقلين من سجن جلبوع

وشكّلت عملية فرار 6 فلسطينيين من سجن جلبوع الإسرائيلي، في السادس من سبتمبر عام 2021، نقطة تحول في مخيم جنين، خاصة أن بعض الفارين من السجن كانوا من المسلحين السابقين المعروفين، والذين نشطوا في المخيم ومدينة جنين، مثل زكريا الزبيدي، ومحمود العارضة.

نقطة حراسة بسجن جلبوع

استنفر المسلحون في المخيم بعد عملية الفرار، في حين شكلت الفصائل الفلسطينية المختلفة غرفة عمليات مشتركة استعدادا لأية مواجهة مع الجيش الإسرائيلي في حال لجأ الفارون إلى المخيم.

وأطلق الجيش الإسرائيلي عمليات تمشيط واسعة لتعقب الفارين، حيث عمل على منع تسللهم إلى جنين، وهو ما كان سيعقد عملية إعادة اعتقالهم.

السلطات الإسرائيلية شنت حملة أمنية واسعة بحثا عن السجناء الفارين من سجن جلبوع الذين ألقت القبض عليهم لاحقا

تمكنت إسرائيل من القبض على الفارين، لكنها شنت حملة اغتيالات استهدفت مسلحين فلسطينيين في المخيم والمدينة، وقتل 7 فلسطينيين من سكان المخيم، وفق مركز المعلومات الوطني الفلسطيني الحكومي.

في 11 مايو عام 2022، قتلت الصحفية الفلسطينية الأميركية ، شيرين أبو عاقلة، في مدينة جنين، حين كانت تغطي عملية عسكرية إسرائيلية في المخيم، واتهمت السلطات الفلسطينية الجيش الإسرائيلي بقتلها.

وأكدت وزارة الخارجية الأميركية، حينها أنها "تريد تحقيقا شاملا وشفافا" بشأن مقتل أبو عاقلة.

وأقر الجيش الإسرائيلي في وقت لاحق بأن هناك "احتمالا كبيرا" بأن يكون أحد جنوده قد أطلق النار عليها وقتلها، مع أنها كانت تضع سترة واقية من الرصاص كتب عليها "صحافة" بالإنكليزية، وخوذة على رأسها.

أبو عاقلة قتلت خلال تغطيتها عملية للجيش الإسرائيلي في مخيم جنين

"عملية تموز"

في صبيحة يوم الإثنين، الثالث من يوليو الماضي، كان مخيم جنين على موعد مع عملية إسرائيلية جديدة.

إذ غادر نحو 3 آلاف فلسطيني من سكان مخيم جنين منازلهم، حيث بدأت عملية عسكرية اعتبرت الأوسع منذ نحو 20 عاما في الضفة الغربية، في المنطقة التي يسكنها نحو 18 ألف شخص.

في الساعات الأولى من صباح ذلك اليوم، شنت القوات الإسرائيلية عملية واسعة النطاق في مخيم جنين، شارك فيها مئات الجنود، وتضمنت غارات جوية.

الجيش الإسرائيلي أعلن عن عملية عسكرية في مخيم جنين لملاحقة المسلحين

وضمت العملية عربات مدرعة وجرافات عسكرية، ونفذ خلالها الجيش الإسرائيلي ضربات بطائرات مسيرة، كما شاركت في العملية وحدات النخبة من مختلف قوات الجيش والأمن وحرس الحدود.

وقال الجيش إن قواته دخلت المخيم "لتدمير ممرات تحت الأرض تستخدم لتخزين المتفجرات". 

وأضاف الجيش حينها أن جنوده "عثروا على غرفتي عمليات تابعة لمنظمات إرهابية في المنطقة، وقاموا بتفكيكها".

رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، وصف العملية حينها بأنها "دخول إلى وكر الإرهاب" في جنين، مشيرا إلى أن قواته عملت على "تدمير مراكز القيادة ومصادرة كمية كبيرة من الأسلحة".

مسلحون فلسطينيون في مخيم جنين

لكن وزارة الصحة الفلسطينية قالت إن ضحايا الهجوم "معظمهم من الفتيان والأطفال"، وأن غالبية أعمار القتلى "لا تتجاوز 17 عاما، والبقية ما بين 18 و23 عاما".

ونفذت هذه العملية العسكرية بعد أسبوعين من عملية كبيرة أخرى استهدفت مخيم جنين، وتخللها قصف بالطيران المروحي للمرة الأولى منذ سنوات.

ويتمركز الجيش الإسرائيلي بشكل متواصل على تخوم مخيم جنين، حيث ينفذ توغلات بين الفينة والأخرى، تتخللها اشتباكات مع الشبان الفلسطينيين.

اجتياح المخيم.. "الدرع الواقي"

في الثالث من أبريل عام 2002، كان سكان مخيم جنين على موعد مع اجتياح إسرائيلي شامل استمر حتى 18 أبريل، وكانت الأيام الـ 15 التي مرت على المخيم من الأصعب والأخطر، بسبب القتال الضاري الذي شهدته الأزقة والأحياء.

كان المشهد غامضا وغير مسبوق، إذ وجدت القوات الإسرائيلية نفسها أمام سيناريو القتال بين المنازل، حتى أن الجيش الإسرائيلي اضطر إلى فتح ممرات تخترق الجدران للانتقال من منزل إلى آخر في المخيم.

واتهمت السلطات الفلسطينية ومنظمات دولية، الجيش الإسرائيلي بارتكاب "أعمال القتل العشوائي".

كان اجتياح جنين ضمن عملية عسكرية إسرائيلية شاملة أطلق عليها "الدرع الواقي"، استهدفت مدن الضفة الغربية الرئيسية التي كانت تحت سيطرة السلطة الفلسطينية.

عملية "الدرع الواقي" جاءت ردا على تفجير استهدف فندقا في مدينة نتانيا الإسرائيلية، حيث أعلنت حركة حماس مسؤوليتها عن الهجوم الذي أدى إلى مقتل 17 إسرائيليا على الأقل، وإصابة نحو 80 شخصا بجروح.

أعطى رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها، أرييل شارون، الأوامر للجيش ببدء العملية العسكرية، "للقضاء على الفصائل الفلسطينية المسلحة" التي كانت تخوض معارك مع القوات الإسرائيلية خلال أيام ما يعرف بـ"انتفاضة الأقصى" التي اندلعت في سبتمبر عام 2000.

وكانت شرارة "الانتفاضة" الفلسطينية قد انطلقت بعد اقتحام شارون، زعيم حزب الليكود الإسرائيلي المعارض، حينها، المسجد الأقصى في 28 سبتمبر عام 2000.

ووفق اتفاقية أوسلو (2) فإن أراضي الضفة الغربية تصنف إلى 3 مناطق، هي "أ" تحت سيطرة فلسطينية كاملة، و"ب" تخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية ومدنية وإدارية فلسطينية، و"ج" تخضع لسيطرة مدنية وإدارية وأمنية إسرائيلية وتشكل الأخيرة نحو 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية.

اشتدت المواجهات بين الطرفين في الضفة الغربية، وانخرط عناصر من الأجهزة الأمنية الفلسطينية في القتال، وأعلنوا استعدادهم للتصدي لعملية "الدرع الوقي" حيث تحصنوا في أزقة المدن، والمخيمات، خاصة في مخيم جنين، والبلدة القديمة من مدينة نابلس.

كانت حصيلة العملية سقوط عشرات القتلى، فيما حمّل الجيش الإسرائيلي المسلحين الفلسطينيين "مسؤولية تعريض حياة المدنيين للخطر".

تقرير الأمم المتحدة

وأصدرت الأمم المتحدة تقريرا بشأن عملية "الدرع الواقي"، التي دامت نحو 10 أيام، بشأن نمط الهجمات التي شنتها ضد إسرائيل جماعات فلسطينية مسلحة تعمل من الضفة الغربية، والأعمال العسكرية التي قامت بها إسرائيل في تلك العملية.

ووثق التقرير الأممي مقتل 52 فلسطينيا خلال اجتياح مخيم جنين، نصفهم تقريبا من المدنيين، فيما أشارت مصادر محلية فلسطينية إلى أن عدد الضحايا "أكبر من ذلك". كما أن التقرير وثق مقتل 23 جنديا إسرائيليا.

ويقول التقرير الذي أعده الأمين العام للأمم المتحدة، حينها، كوفي عنان، إن "القتال في مخيم جنين مر بمرحلتين، الأولى استمرت نحو 6 أيام، من الثالث حتى التاسع من أبريل، فيما امتدت المرحلة الثانية إلى يومي 10 و11 من الشهر ذاته".

وأشار تقرير الأمم المتحدة إلى "تدمير 10 في المئة من مباني مخيم جنين بشكل كامل، حيث سويت بالأرض".

ووفق التقرير، فإن قُطر المنطقة المستهدفة بالهجوم الإسرائيلي بلغ حوالي 200 متر، ومساحتها السطحية 30 ألف متر مربع، وكانت تضم حوالي 100 مبنى سويت بالأرض.

وأسفرت العملية الإسرائيلية عن فقدات نحو 800 أسرة يقدر عدد أفرادها بأكثر من 4 آلاف  شخص، منازلها التي تؤويها.

نقل التقرير عن السلطة الفلسطينية أن إسرائيل "ارتكبت أعمال قتل غير مشروعة، كما استخدمت المدنيين دروعا بشرية، واستعملت القوة بصورة غير متناسبة، ونفذت عمليات اعتقال وتعذيب تعسفية، ومنعت المرضى والمصابين من الحصول على العلاج والمساعدة الطبية".

دبابات وطائرات وجرافات

وثق التقرير الأممي مشاركة 60 دبابة إسرائيلية في اجتياح المخيم، مدعومة بمروحيات من الجو، وجرافات ضخمة من نوع (D9) المصفحة والمجهزة للقتال وإزالة المعيقات وتوسيع الممرات لتمكين الدبابات من المناورة في عمليات القتال داخل شوارع المخيم.

كان القتال ضاريا، وحوصر نحو 4 آلاف مدني من سكان المخيم ممن رفضوا المغادرة.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه "تعامل مع أكثر من ألف عبوة ناسفة، ومئات القنابل اليدوية، التي استخدمها المسلحون في المخيم لصد التوغل".

نقطة التحول في المعركة

واجه الجيش الإسرائيلي قتالا عنيفا في المخيم، واشتدت المواجهة في الفترة بين الخامس والتاسع من أبريل، مما أوقع خسائر في الأرواح بين الطرفين.

في التاسع من أبريل تغيّر كل شيء، حيث قُتل 13 جنديا إسرائيليا، وجُرح آخرون، في كمين نصبه المسلحون الفلسطينيون للجيش الإسرائيلي داخل المخيم.

بعد ذلك، تمكن المسلحون من قتل جندي آخر في المخيم، ليصل عدد القتلى من الجيش الإسرائيلي خلال العملية في جنين إلى 23 جنديا، وفق التقرير.

الضحايا المدنيون

ويقول تقرير الأمم المتحدة إن "الأطفال دون سن 15 سنة والنساء والرجال فوق 50 سنة كانوا يشكلون نحو 38 بالمئة من جميع حالات الوفاة المبلغ عنها"، وأن الجيش الإسرائيلي "منع سيارات الإسعاف وأفراد الأطقم الطبية من الوصول للجرحى".

أما تقرير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان فقد أشار إلى وجود "جثث متفحمة، وأخرى متعفنة تحت الأنقاض"، واتهم إسرائيل بارتكاب "جرائم إعدام ميداني" للمدنيين في المخيم.

حقائق عن مخيم جنين

في حرب عام 1948، غادر سكان حيفا والكرمل وجبال الكرمل إلى شمال الضفة الغربية، واستقروا في منطقة جنين، وهي الأقرب للمدن والقرى التي هجّروا منها.

تأسس مخيم جنين الحالي، في عام 1953، لأن المخيم الأصلي الذي أقيم في المنطقة عقب حرب 1948 دمرته عاصفة ثلجية

ويقع المخيم ضمن حدود بلدية جنين، وهو واحد من 19 مخيما للاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية، والتي تشرف عليها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا".

أجرت الأونروا عملية إعادة إعمار في المخيم، وطورت قطعة أرض إضافية بلغت مساحتها حوالي 3 بالمئة من المساحة الأصلية لمخيم جنين وهي متاخمة له، مما قلل من الاكتظاظ. وبلغت مساحة المخيم عند الإنشاء 372 دونما، اتسعت إلى حوالي 473 دونما.  

الجيش الإسرائيلي كثف اقتحاماته لمخيم جنين للاجئين

وإلى جانب تعرض المخيم لهجمات إسرائيلية، فإن القوات الأمنية الفلسطينية نفذت عمليات أمنية فيه بحثا عن مطلوبين لديها، مما أدى إلى وقوع اشتباكات بين الطرفين، تضمنتها اعتقالات.

وتقول الأونروا إن "العنف تسبب في تأثير كبير على الرفاه العاطفي والنفسي الاجتماعي، للأطفال الصغار على وجه الخصوص".

ويعاني مخيم جنين من أعلى معدلات البطالة والفقر بين مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية. وتأثر المخيم بالجدار العازل التي أقامته إسرائيل، إذ قلل من أعداد العمال الذين بإمكانهم العمل في السوق الإسرائيلية.

وتسبب الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب في المخيم، بظواهر سلبية، من بينها تسرب الطلاب من المدارس.

كما أنه تسبب بحالة من الغضب من سياسات إسرائيل الأمنية واستهدافها للمخيم بعمليات عسكرية متكررة، إلى جانب السلطة الفلسطينية التي يتهمها سكان بـ"إهمال" أحوال المخيم.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

شعبية الحزب في ارتفاع متواصل بألمانيا
شعبية الحزب في ارتفاع متواصل بألمانيا

حقق اليمين المتطرف في ألمانيا أكبر نجاح انتخابي له منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك بتحقيقه "نتائج قوية" في الانتخابات الإقليمية لمقاطعتي تورينغن وساكسونيا، شرق البلاد، متفوقا على أحزاب الائتلاف الحاكم الذي يقوده المستشار، أولاف شولتس.

ويعدّ انتصار حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، في منطقة كانت تحت السيطرة الشيوعية خلال الحرب الباردة، ضربة قوية للأحزاب الثلاثة المكونة للائتلاف الحاكم والتي تكبدت خسائر كبيرة في هذه الانتخابات، وفقا لموقع "بوليتيكو".

وأصبح حزب البديل من أجل ألمانيا القوة السياسية الأولى في تورينغن بعد أن تقدم على خصومه بنسبة كبيرة من الأصوات، بينما حل ثانيا خلف المحافظين في ساكسونيا.

وتحدثت صحيفة "دير شبيغل" اليومية عن "زلزال سياسي في الشرق"، بينما وصفت صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" النتيجة  بـ"المقلقة للديمقراطيين".

حزب فتي

وتأسس حزب البديل من أجل ألمانيا في 2013 كمجموعة مناهضة لليورو قبل أن يتحول إلى حزب معاد للهجرة، بعد تزايد أعداد المهاجرين خلال العقد الماضي، وبرز بعد جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية التي أضعفت الاقتصاد الأول في أوروبا ورفعت الأسعار.

ويضم الحزب نحو 40 ألف عضو، بينهم 77 عضوا في البرلمان الاتحادي من إجمالي 733 عضوا، بحسب معطيات لموقع "دويتشلاند" الحكومي.

ويتم تصنيف الحزب من قبل المكتب الاتحادي لحماية الدستور على أنه "مشتبه فيه بالتطرف اليميني". وتخضع جهات من الحزب للمراقبة الأمنية بسبب تبنيها أفكارا متطرفة ومعارضة للقوانين المحلية.

ويتواجد الحزب في برلمانات جميع الولايات وكذلك في البوندستاغ، ويتمتع بشعبية كبيرة بشكل خاص في الولايات الشرقية.

وحقق الحزب نتائج قياسية في الانتخابات الأوروبية في يونيو، بحصوله على 15.9 في المئة من الأصوات. وهي أفضل نتيجة له على الإطلاق في الانتخابات التي يشارك فيها منذ تأسيسه قبل 11 عاما.

وبحسب استطلاعات سابقة، ارتفعت شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا، حيث يحظى بدعم 22 في المئة على المستوى الوطني، وتصل هذه النسبة إلى 30 في المئة في بعض الولايات.

وتزداد شعبية الحزب تحديدا في مناطق جمهورية ألمانيا الشرقية السابقة بسبب استمرار حالة من عدم المساواة منذ إعادة توحيد البلاد عام 1990، وأزمة ديمغرافية عميقة مرتبطة برحيل الشباب إلى مناطق أخرى على الرغم من الانتعاش الاقتصادي في شرق ألمانيا، وفقا لفرانس برس.

مواقف الحزب

وركز الحزب في بداياته على القضايا الاقتصادية بشكل رئيسي، ومع ذلك، شهد تحولا ملحوظا في أولوياته، منذ تزايد أعداد اللاجئين عام 2015، حين استقبلت ألمانيا أكثر من مليون لاجئ.

وتحولت قضية الهجرة إلى محور أساسي في خطاب الحزب وبرامجه، إذ يربط المشاكل الاقتصادية في البلاد مثل ارتفاع معدلات التضخم وتكاليف الطاقة بازدياد أعداد المهاجرين.

ويتبنى الحزب أيضا خطابا قوميا شعبويا، يقوم على كراهية الأجانب ويرفع شعارات الحفاظ على الهوية والقومية الألمانية، وفقا لمنصة "فوكس".

وفي إطار سياساته التي تدعو للحد من الهجرة، يقترح الحزب زيادة عمليات ترحيل المهاجرين والحد من استقبال وافدين جدد.

كما يطالب بإنشاء معسكرات احتجاز خارج ألمانيا بهدف منع دخول المهاجرين إلى البلاد.

وبالإضافة إلى قضية الهجرة، يركز حزب البديل من أجل ألمانيا على موضوعي تغير المناخ وتقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا.

ويعتبر "البديل من أجل ألمانيا"، الحزب الوحيد في البلاد الذي ينكر تأثيرات التغيرات المناخية. ويستغل استياء جزء مهم من الألمان من السياسات البيئية الحالية للدعوة للتراجع عن التزامات البلاد في مجال الانتقال نحو الطاقة النظيفة والمتجددة والحياد الكربوني.

أما فيما يخص موقفه من الحرب في أوكرانيا، فقد تبنى الحزب مواقف مؤيدة لروسيا، ويطالب الحكومة بالامتناع عن إرسال المزيد من المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا.

ويستغل الحزب في هذا السياق التزام ألمانيا التاريخي بالنهج السلمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى التعاطف المستمر لدى بعض سكان أقاليم ألمانيا الشرقية تجاه الكرملين، نتيجة للفترة التي خضعت فيها المنطقة لسيطرة الاتحاد السوفييتي.

وفي قرار قضائي، بشهر مايو الماضي، رفضت المحكمة الإدارية العليا في ألمانيا طلب الحزب لإلغاء تصنيفه كـ"حالة متطرفة مشتبه بها".

ويتيح هذا القرار  لجهاز الاستخبارات الداخلية مواصلة مراقبة الحزب الذي أدى الكشف عن اجتماع سري ناقش فيه قادته ترحيل المهاجرين قسرا، إلى احتجاجات واسعة في البلاد.

ويصف خبراء البديل من أجل ألمانيا بأنه "الحزب الأكثر تطرفا"، متجاوزا باقي الأحزاب اليمينية المتطرفة الأخرى في أوروبا، وفقا لتحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز"، أشار إلى تبنيه (الحزب) أفكارا "تعارض حقوق التبني للأزواج المثليين، ودمج الأطفال ذوي الإعاقة في المدارس، وقانونية الإجهاض".

وبينما يؤكد التحليل أن "حزب البديل" من أجل ألمانيا وأمثاله من الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا الغربية، لا تزال بعيدة عن الوصول إلى السلطة الكاملة، مقارنة بأحزاب مثل فيدس في المجر أو حزب القانون والعدالة في بولندا، يشدد على أن "نموذجه مبني على السعي لتقويض النظام الديمقراطي تدريجيا".

نتائج الحزب في الانتخابات

وتجرى انتخابات المقاطعات في ألمانيا في كل واحدة من الولايات الألمانية الـ16، حيث يقوم الناخبون فيها باختيار ممثليهم في البرلمان المحلي للولاية، والذي يعرف باسم "لاندتاغ".

وتعقد هذه الانتخابات كل أربع إلى خمس سنوات، وتختلف مواعيدها من ولاية لأخرى، وتهدف إلى تشكيل الحكومة المحلية وتحديد السياسات الخاصة بالولاية في مجالات مثل التعليم والأمن والثقافة.

كما أن لنتائج هذه الانتخابات تأثير غير مباشر على السياسة الوطنية، حيث تساهم في تشكيل مجلس الولايات الفيدرالي (البوندسرات).

ونظمت، الأحد، الانتخابات في المقاطعتين الشرقيتين، تورينغن وساكسونيا، في سياق أجواء متوترة، بعد نحو أسبوع من مقتل ثلاثة أشخاص في عملية طعن في مدينة زولينغن في غرب البلاد، وأقر مشتبه به سوري بتنفيذها وتبناها تنظيم داعش، مجددة الجدل بشأن الهجرة في ألمانيا.

وتصدر حزب البديل من أجل ألمانيا النتائج في تورينغن إحدى أصغر المقاطعات في البلاد حاصدا 33.1 في المئة من الأصوات، متقدما على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ الذي نال 24.3 في المئة من الأصوات، وفق النتائج الأولية.

وفي ساكسونيا، تقدم حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" وهو حزب المستشارة السابقة، أنغيلا ميركل، بفارق بسيط إذ نال 31.7 في المئة من الأصوات، وحل حزب "البديل من أجل ألمانيا" ثانيا، (31.4 في المئة) بنتيجة متقاربة.

ويشكل نجاح حزب "البديل من أجل ألمانيا" في تورينغن سابقة في البلاد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، حتى لو كان من غير المرجح أن يتولى السلطة الإقليمية مع رفض كل الأحزاب الأخرى عقد أي تحالف معه.

غير أن مراقبين، يخشون أن يؤدي نجاحه، الأحد، إلى تقوية حظوظ الحزب أيضا في براندنبورغ، شرق البلاد أيضا، حيث يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع للانتخابات المحلية في 22 سبتمبر، وفقا لصحيفة "واشنطن بوست".

ويحتل الحزب اليميني المتطرف هناك حاليا المركز الأول في استطلاعات الرأي بنسبة 24 في المئة.

التداعيات على التحالف الحاكم

وبحسب بلومبرغ، تمثل النتائج ضربة مريرة جديدة لشولتس وحكومته، وتسلط الضوء على الخطر الذي تواجهه قبل الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في غضون عام واحد.

ومع تباطؤ الاقتصاد الألماني وتزايد القلق بشأن الهجرة، سجلت شعبية الأحزاب الحاكمة الثلاثة تراجعا حادا على المستوى الوطني.

وبدا هذا واضحا في نتائج أحزاب الائتلاف الحاكم، وهي الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر، إذ حصل الأول على نحو 6.5 في المئة والثاني على نحو 3.8 في المئة، والثالث على 1.2 في المئة فقط.

وتأتي هذه الهزيمة، بعد أن منيت الأحزاب الثلاثة بخسارة كبيرة في الانتخابات الأوروبية التي جرت في التاسع من يونيو، بعد فوز المحافظين وتنامي اليمين المتطرف.

ووفقا لبلومبرغ، فإن تراجع التحالف الحاكم، يأتي بعد أن تبددت الآمال في انتعاش الاقتصاد الألماني خلال عام 2024 بعد عامين من الركود، حيث لم يتحقق الارتفاع المتوقع في إنفاق المستهلكين، واستمرت معاناة القطاع الصناعي.

كما أن سنوات من نقص الاستثمار في البنية التحتية الأساسية تركت إرثا سلبيا لا يمكن تجاهله.

وأدى الخلاف داخل الائتلاف الحاكم أيضا بشأن كيفية معالجة تحديات ثالث أكبر اقتصاد في العالم، مع عدم القدرة على تقديم حلول فعالة، إلى فقدان ثقة الكثيرين في الأحزاب الحاكمة الثلاثة.

ورغم أن النتائج في ولايتي ساكسونيا وتورينغن لم تكن مفاجئة، إلا أنها قد تؤدي إلى مطالبات متجددة بإجراء انتخابات عامة مبكرة. كما قد تثير تساؤلات بشأن ما إذا كان شولتس هو الشخص المناسب لقيادة الحزب الديمقراطي الاشتراكي في الانتخابات المقبلة.