في مطلع نوفمبر 2023، أعلن الأردن تجميد علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل، وهدد باتخاذ خطوات أخرى في حال استمرّت بحربها داخل قطاع غزة الفلسطيني.
ومنذ اشتعال الحرب بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية المسلحة في السابع من أكتوبر 2023، شهدت العاصمة الأردنية عمّان مظاهرات حاشدة تندد بالعمليات العسكرية الإسرائيلية داخل القطاع.
الأردن صاحب أطول حدود مشتركة مع إسرائيل بـ238 كيلو مترا، أقام معها علاقات دبلوماسية واقتصادية منذ عام 1994، لكنها تأرجحت بين التطور والتراجع في السنوات الأخيرة، إلا أنها بالتأكيد تعيش واحدة من أسوأ فتراتها في هذه الأيام.
مراحل التكوين الأولى
بحسب كتاب "العلاقات الأردنية- الإسرائيلية الجذور والآفاق" لخالد الحباشنة، فإنه في بدايات القرن العشرين طمع زعماء الحركة الصهيونية في إبرام اتفاق مع الأسرة الهاشمية التي وثّقت علاقاتها مع بريطانيا، أملاً في إنشاء مملكة موحدة تضمُّ الدول العربية كافة تحت التاج الهاشمي.
ووفقاً للحباشنة، فلقد التقى الأمير فيصل بن الشريف حسين بحاييم وايزمان، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية وقتها. التقيا عدة مرات، وتباحثا بشأن قضايا المنطقة، ثم كُللت بتوقيع اتفاقية لندن 1919 التي وافق فيها الهاشميون على استمرار تدفق الهجرات اليهودية إلى فلسطين، مقابل الاستفادة من الخبرات اليهودية في تطوير اقتصاديات الدول العربية، على أن تكون بريطانيا هي الحَكم بين الطرفين حال وقوع أي خلاف.
لاحقاً، جرى تنصيب الأمير فيصل ملكاً على العراق، فيما نصّب أخوه الأمير عبد الله ملكاً على ما كان يُعرف وقتها بـ"شرق الأردن". بينما وُضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني الذي تبنّى إنشاء وطنا قوميا لليهود على بعض أراضيها.
بحسب الحباشنة، فإن الأمير عبد الله اعتبر نفسه مظلوماً بعدما ظفر أخوه الأصغر بدولة كبيرة غنية مثل العراق، أما هو، فلم ينل إلا دولة صغيرة محدودة الموارد، فعرض على الوكالة اليهودية معاونته على إنشاء مملكة موحدة، تضمّ فلسطين وشرق الأردن، مقابل تعهده بمنح اليهود استقلالاً ذاتياً داخل مملكته.
رغم رفض اليهود للعرض الهاشمي، إلا أن علاقاتهم ازدادت توثقاً بالأمير عبد الله، حتى أنه وافق في عام 1932 على تأجير أراضي غور الكبد للوكالة اليهودية، مقابل إيجار سنوي ألفي ليرة فلسطينية لمدة 36 عاماً، كذلك جرت مباحثات طويلة بين الطرفين لبحث التعاون الاقتصادي بينهما.
ما بين الحربين
بعد انتهاء حرب عام 1948، وقّع الأردن مع إسرائيل اتفاقية الهدنة، التي نصّت على إنهاء المناوشات بين الطرفين. كلا الدولتين لم تلتزما طويلاً بهذا البند، ووقعت عشرات الاشتباكات الصغيرة بينهما، وحاولت لجان التهدئة الأممية حلّها، لكن دون جدوى.
أيقن ملك الأردن حينها، أنه لا يملك قوة عسكرية تكفل له حل مشاكله عسكرياً مع إسرائيل، لذا سعى لحلها دبلوماسياً.
في عام 1951، اغتيل الملك عبد الله داخل المسجد الأقصى بسبب "إجراء مباحثات مع الإسرائيليين" حسبما نقلت الصحافة العبرية حينها.
بعد رحيل عبد الله تولّى الحُكم ولده طلال لفترة قصيرة، بعدها أزيح من منصبه بدعوى إصابته بمرضٍ عقلي، مُفسحاً المجال لولده الحسين ليعتلي في أغسطس 1952 العرش بدلاً منه.
بسبب خسائر الأردن الكبيرة من اشتباكاته العسكرية مع إسرائيل، اجتاحت المظاهرات عمّان، وطالبت بإقالة جلوب باشا قائد الجيش الأردني آنذاك. وبالفعل في عام 1956، أمر الملك حسين بن طلال بإقالته.
في العام نفسه، سعت إسرائيل لإقناع الدول الأوروبية بخطة سرية، قضت بالإجهاز على مملكة الأردن وتقسيمها بين إسرائيل والعراق، شريطة موافقة بغداد على توقيع معاهدة سلام معه.
انهارت الأحلام الإسرائيلية في عام 1958، بعد وقوع انقلاب في العراق، أنهى الحُكم الملكي الهاشمي به، وأعلن قيام جمهورية حكمها ضباط موالون للرئيس المصري جمال عبد الناصر.
انقلاب أخاف الملك الحسين، وخشي من أن يكون الهدف التالي لعبد الناصر، فبدأ في تبنّي خطط تسوية سياسية مع إسرائيل، ما أن عرضها داخل الجامعة العربية، نال انتقادات شديدة من مصر وسوريا.
في عام 1960، عاش الأردن اضطرابات بسبب شدة معارضة عبد الناصر لحلف بغداد، الذي أسسّته بريطانيا وانضمّ إليه الأردن. في هذه الأجواء اغتيل هزاع المجالي رئيس الوزراء الأردني في انفجار، قيل إنه كان يستهدف الملك حسين شخصياً، ألقي باللائمة على المخابرات المصرية، لكن القاهرة نفت ذلك.
بحسب عبد الله حسن في أطروحته "العلاقات الأردنية الإسرائيلية (1953-1999)" فإن هذا الحادث خلق نوعاً من التقارب بين إسرائيل والأردن، بعدما التقت مجموعة من مسؤوليه بحاييم هرتسوغ، رئيس المخابرات العسكرية حينها.
دار اللقاء حول كيفية التصدي لسياسات عبد الناصر العدوانية في المنطقة، في ضوء الوحدة التي جمعت مصر وسوريا وقتها، والتي اعتبرها الأردن وإسرائيل خطراً داهماً على كليهما.
بحسب عبد الله، فإن هذه اللقاءات استمرّت بين الجانبين، وخلالها أعربت إسرائيل عن اهتمامها بالحفاظ على "سيادة المملكة الأردنية" كما اتفقا على إنهاء مشكلة مياه نهر الأردن المتنازع عليه بينهما بالرجوع إلى خطة جونسون عام 1955، التي منحت إسرائيل 394 وللأردن 774مترا مكعبا من المياه.
اقترحت الجامعة العربية في ذلك الوقت تنفيذ مشروع لتحويل مسار نهر الأردن وحرمان إسرائيل منه، إلا أن عمان تخوفت من هذا المشروع بسبب اعتقادها أنه سيمسُّ بمواردها المائية، وأيضاً عارضته إسرائيل عسكرياً بعدما قصفت آلات الحفر داخل سوريا.
ووفقاً للدراسة، فخلال هذه الفترة عقد الملك حسين اجتماعاتٍ سرية بجولد مائير وإسحاق رابين، لبحث مشكلة المياه وسُبُل إنعاش السلام في المنطقة. وقتها اعتقدت إسرائيل، أن الأردن القوي المستقل، سيقف حاجزاً أمام التمدّد الناصري الذي طال أغلب الدول العربية.
شاب هذه العلاقات النامية بعض التوتر، حينما نشطت منظمة التحرير الفلسطينية في الأردن واتخذت من الضفة الغربية قاعدةً لها.
في تشرين الثاني 1966، نفذت إسرائيل هجوماً على قرية "سموع" الأردنية انتهى بخسائر طفيفة لدى الجانبين، لكنه تسبّب في تصاعد العداء بين البلدين، رغم اتخاذ الملك قرارا بمنع الفلسطينيين من تنفيذ هجمات ضد إسرائيل عبر أراضيه.
في منتصف عام 1967، بلغ العداء ذروته حينما اندلعت حرب الأيام الستة، والتي وضع الأردن فيها جيشه تحت إمرة القيادة العربية الموحدة وانتهت الحرب بهزيمة عربية ساحقة، فقد الأردن بموجبها سيطرته على الضفة الغربية والقدس الشرقية.
بعد النكسة
وفقاً لعبد الله، فإن الملك حسين قابل في عام 1963 في لندن، يعقوب هرتسوغ نائب مدير مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، فسأله عن استعداده لتوقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل، فأجاب الملك "أعطنا بعض الوقت" بعدها دعت لجنة وزارية إسرائيلية رئيس الحكومة لبدء مفاوضات سلام مع الأردن.
سعَى الملك حسين لتوسيط أميركا لإقناع إسرائيل بالانسحاب من الضفة الغربية، فأظهر الرئيس جونسون تفهمه لمطالب الملك، ووعد بالعمل على تحقيقها. وحينما صدر قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي دعا لانسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة، مقابل إقامة علاقة سلام بين جميع دول المنطقة، رحّب الأردن به وطالب بالشروع في تنفيذه.
في كانون الأول 1967 تلقّى الحسين عرضاً من إسرائيل بإبرام اتفاقية سلام، تعيد له أغلب الضفة الغربية، بشرط نزع سلاحها والقبول بسيادة إسرائيلية على القدس، مع وضع المقدسات الإسلامية تحت إشراف الأردن، وهو ما رفضه الملك.
في السنوات التالية، لم يطرأ أي جديد على العلاقات بين البلدين، بسبب تمسّك إسرائيل بمواقفها ورفض الحسين المستمر لها. في هذه الأثناء وقعت معركة عسكرية صغيرة بين البلدين، حين عبر الجيش الإسرائيلي الحدود واشتبك مع نظيره الأردني في قرية الكرامة الأردنية، انتهت بانسحاب الإسرائيليين بعد وقوع خسائر كبيرة لدى الجانبين.
وفي 1970 أعلن وليام روجرز وزير الخارجية الأميركي، مبادرته لتحقيق سلام بين إسرائيل وجيرانها العرب.
وافق الأردن عليها، فأغضب الفصائل الفلسطينية المسلحة، وأكبر دولتين تمنحها دعماً وهما سوريا والعراق. سريعاً، تراكمت الخلافات بين الأردن والفلسطينيين، فتحوّلت إلى حربٍ حامية بين الطرفين، عُرفت بأحداث أيلول الأسود.
ووفقاً لوثائق بريطانية، فإنه خلال اشتعال الموقف طلب الحسين من إسرائيل التدخل لقصف قوات سورية، اعتقد أنها قد تتدخل لنصرة الفلسطينيين. على وقْع هذا الصراع اغتال مسلحون فلسطينيون رئيس الوزراء الأردني وصفي التل في 28 نوفمبر 1971 في العاصمة المصرية القاهرة.
دفعت هذه التوترات الملك حسين إلى تحسين علاقته بالإسرائيليين، وتحمّس لإجراء المزيد من المباحثات معهم لتحقيق السلام، لكن المسار ظلّ متعثراً بسبب تمسّك تل أبيب بعدم الانسحاب من الأراضي المحتلة.
حرب أكتوبر: الجبهة الثالثة هادئة
عندما اشتعل القتال في عام 1973، قاوم الملك الحسين ضغوطاً عربية هائلة من أجل عدم فتح "جبهة ثالثة" ورفض مشاركة مصر وسوريا حربهما ضد إسرائيل، واكتفى بإرسال بعض الوحدات الدفاعية إلى سوريا، لكنها لم تسهم بفاعلية في القتال.
بعد الحرب، عُقد مؤتمر جنيف بحضور إسرائيل ومصر والأردن والاتحاد السوفييتي، تمهيداً للانخراط في مباحثات سلام شاملة بين البلدين، تمثّلت بداياتها في توقيع اتفاقات فض اشتباك بين الدول المتحاربة.
استمرت المباحثات بين الأردن وإسرائيل، إلا أنها لم تنتهِ إلى نتيجة ملموسة حتى عام 1977، الذي طرح فيه السادات مبادرته، وزار إسرائيل لبحث إبرام سلام معها، وهي المبادرة التي اتخذ الأردن منها موقفاً معارضاً، أضفى بروداً على العلاقات مع تل أبيب.
في عام 1988 أعلن الملك الحسين فك الارتباط الإداري بين الضفتين الشرقية والغربية، ودعا لإقامة سُلطة فلسطينية تدير شؤونها بنفسها في الضفة الغربية بدلاً من الأردن، نتيجةً لهذه الخطوة أزيحت أكبر عقبة أعاقت تحقيق السلام مع إسرائيل بسبب تمسك الأردن المستمر باستعادة الضفة.
بعدها بثلاث سنوات، اندلعت حرب الخليج عندما اجتاح نظام صدام حسين الكويت. في هذه الحرب، أيّد الأردن العراق، فاتخذت باقي الدول الخليجية إجراءات عقابية بحق عمّان، ألحقت به خسائر اقتصادية بقيمة ملياري دولار تقريباً.
نتيجة لهذه الخسائر، أيقن الأردن أنه بحاجة إلى إقامة معاهدة سلام مع إسرائيل، لتأمين مساعدات أميركية وأوروبية تعينه على تعويض مشاكله الاقتصادية المتفاقمة.
في أكتوبر من عام 1991، ألقى الملك الحسين خطاباً أكد فيه أن "السلام هو خيار استراتيجي للأردن، وأن بلاده ستشارك في مؤتمر مدريد للسلام".
بعد العشرات من جولات التفاوض بين البلدين، تناقصت هوة الخلافات بينهما، بعدما اتفقتا على استبعاد القدس من التفاوض الثنائي، وإرجاء حسم قضيتها لوقتٍ لاحق.
وفي آب 1994، افتُتح معبر بري بين الأردن وإسرائيل في وادي عربة، الذي يربط العقبة الأردنية بإيلات الإسرائيلية. حضر الافتتاح الأمير الحسن ولي العهد الأردني، وإسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي، ووارن كريستفو وزير الخارجية الأميركي.
وفي أكتوبر من ذات العام، وقّع الأردن وإسرائيل معاهدة سلام بينهما، حضرها الملك حسين وإسحق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي، ووزير خارجيته آنذاك شيمون بيريز.
منحت هذه الاتفاقية الضوء الأخضر لتنمية العلاقات بين البلدين، فوقّعتا اتفاقية لتنظيم التجارة أيضا. وفي العام التالي، أسست غرفة التجارة والصناعة الإسرائيلية الأردنية بعضوية أكثر من 150 رجل أعمال أردنيا.
رغم معارضة أغلب الأردنيين لاتفاقية السلام، فإن حكومة بلادها استكملت السير في هذا المسار الذي تعرّض لأزمة كبرى في عام 1997، حينما حاول الموساد الإسرائيلي اغتيال القيادي في حركة حماس الفلسطينية خالد مشعل، فاعتقل الأردن عملاء إسرائيليين لم يفرج عنهم إلا مقابل صفقة حرّرت إسرائيل بموجبها عشرات الأردنيين والفلسطينيين، على رأسهم أحمد ياسين مؤسس حركة حماس.
