صورة أرشيفية من جنازة في لبنان (2021، فرانس برس)- تعبيرية
صورة أرشيفية من جنازة في لبنان (2021، فرانس برس)- تعبيرية

خلال تجربة اجتماعية في لبنان، أعلنت جمعية "سايف سايد" عبر منصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، عن افتتاح شركة تهتم بإطلاق العيارات النارية في الهواء خلال المناسبات.

كانت الصدمة بالنسبة للجمعية، ليس الرواج الكبير للإعلان، بحسب مؤسسها حسين ياغي، إنما أيضاً "التفاعل الإيجابي للناس معه، حتى أن عددا كبيرا من الأزواج حضروا المناسبة التي أُعدت للافتتاح الوهمي ضمن الحملة، للاستفسار أكثر عن الأسلحة وعدد الطلقات".

يضيف لـ"ارفع صوتك": "استغلت الجمعية هذا الإجماع لتعرض فيلما قصيرا يروي خلاله أهل الضحايا معاناتهم بعد فقدان أولادهم بالرصاص الطائش".

وتُعنى جمعية "سايف سايد" بالتوعية بمخاطر الرصاص الطائش والسلاح المنفلت في لبنان، إذ يسفر سنوياً عن مقتل مجموعة مدنيين.

يقول الباحث في شركة الدولية للمعلومات، محمد شمس الدين، لـ"ارفع صوتك"، إن الرصاص الطائش يقتل سنوياً 8 أشخاص، بناء على إحصاءات العقد الأخير (2013-2023)".

وتجدد الحديث في لبنان عن السلاح المنفلت بعد حوادث شهدتها منذ سبتمبر الماضي، حتى كتابة هذا التقرير، إذ قتل ثلاثة، بينهم طفلة تبلغ من العُمر 7 سنوات.

 

"ولِدِت بارودة"

 

يرى د. فادي أبي علام، رئيس "حركة السلام الدائم"، أن إطلاق النار في الهواء يعبر عن حالة "تخلف وجهل"، مستعيداً الملامح الأولى لانتشار السلاح بين اللبنانيين.

ويقول لـ"ارفع صوتك": "كان أي محتل للبلاد يحاول فرض سيطرته عليه من خلال الأسلحة وصولاً إلى حرب جديدة، منذ أيام إبراهيم باشا وما قبلها وبعدها. ورافقت البندقية ذكورية المجتمع حيث يقال مع ولادة الذكر (ولدت بارودة) فالسلاح موجود في ثقافتنا كأحد عناوين الأمان والبطولة. لكن تفلّت هذا السلاح يظهر العكس".

ويضيف لـ"ارفع صوتك"، أن "موضوع الأسلحة الصغيرة أو الخفيفة أو الانتشار العشوائي للسلاح أو تفلت السلاح أو الرصاص الطائش، جميعها تعكس مشكلة كبيرة و قديمة جداً في لبنان، حيث تسلحت الجماعات والمكونات لتصنع هوية تحميها بالسلاح إلى حد كبير".

من جهته، يبيّن ياغي: "كان الناس يطلقون على سبيل المثال ثلاث طلقات من الرصاص لإعلام القرى المجاورة بوفاة أحدهم، ورصاصتين للدعوة لمشاركة الأفراح. ثم تطورت الممارسة لتصبح أشبه بالعرف فيُستخدم السلاح ابتهاجا وحدادا".

ويربط وجود السلاح المنفلت بظروف الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان مدة 15 سنة، قائلاً "بعد انتهاء الحرب الأهلية، بقي في كل بيت لبناني تقريباً أسلحة مثل (الكلاشنكوف) (والآر بي جي) والمسدسات والقنابل اليدوية". 

على الرغم من تكرار الحوادث، يستمر إطلاق النار في المناسبات المختلفة، يقول ياغي، إن" سبب ذلك غياب القرار السياسي حتى الساعة بوضع حد للسلاح المتفلت"، مذكّراً بحادثة انقلاب شاحنة أسلحة تابعة لحزب الله في منطقة الكحالة، وتطور الأمور فيها لتبادل إطلاق أسفر عن قتلى، قبل أن يتم احتواء المسألة.

ويضرب مثالاً على الوساطات التي تسهم باستمرار مشكلة السلاح المنفلت، أن "شخصا ما قد يستخدم سلاحه علماً منه بأنه قادر على الإفلات من العقاب، فيتصل بجهة حزبية أو بمسؤول يغطيه، ثم كأن شيئا لم يكن".

 

من أين يأتي السلاح؟

 

فريدة شعبان (اسم مستعار)، وهي سمسارة في تجارة الأسلحة، تعمل "على مستوى ضيق منذ فترة طويلة". تروي لـ"ارفع صوتك": "بدأت هذه المهنة بالصدفة عام 1982 إبان الاجتياح الإسرائيلي. كان بعض المحاربين الفلسطينيين قد غادروا مركزهم مخلفين وراءهم بعض الأسلحة، فصرنا نجمعها ونخبئها. وبعد مضيّ وقت، وجدنا أشخاصاً يودّون شراءها، فبعت أول كلاشنكوف بـ 200 دولار أميركي".

"مع الوقت، اكتسبتُ شبكة معارف استطعت من خلالها التزود بالمسدسات ثم بيعها وتعلمت أصول الصنعة، فالأسلحة ليست كلها بالسعر نفسه والمسدسات متنوعة، منها التركي ومنها الروسي الذي يحظى بطلب كبير في السوق، نظرا لأنه عملي أكثر ودرجة الأمان فيه أكبر، أي لا يعلق ولا يعرّض حامله للخطر"، تكمل شعبان.

وتشير إلى أن الأمر "ليس أكثر من تجارة مربحة بعض الشيء، تجتذب الشباب خصوصاً العاطلين عن العمل".

وعن مصدر الأسلحة، تقول شعبان إنها "تحصل عليها مثلاً من الأحياء داخل المخيمات أو في الضواحي، والعملية تتم بشكل سلس دون حاجة للاختباء".

وتضيف: "ربما كنا نتوخى الحذر منذ زمن، أما اليوم فتسود حالة من الفوضى، بالتالي الأسلحة موجودة في كل مكان كما أن هناك من يبيع السلاح المتوفر في منزله (بارودة صيد، مسدس، إلخ) من أجل تأمين المال، وقد يربح الشخص زهاء 100 دولار في القطعة ويصبح متمرساً، فلا يكتفي بالأسلحة الجديدة بل يجدد القديمة منها وينظفها ثم يبيعها على أنها جديدة".

وتؤكد أن "مصادر الأسلحة في لبنان معروفة، على رأسها الأحزاب. هناك بعض الأفراد الذين يستفيدون من شبكة علاقاتهم الخارجية ليعملوا تجار أسلحة، ويستغل البعض تشريع امتلاك السلاح الفردي من خلال الرخص للاستحصال على الأسلحة ثم بيعها، علماً بأنه وفقاً لقوانين الدولة يسمح فقط ببيع أسلحة الصيد وبناء على رخص مسبقة فقط من وزارة الداخلية. وتأتي كذلك من سوريا، إذ يصعب السيطرة على المناطق الحدودية".

 

قانون "غير مطبّق"

تحاول الجهات الرسمية وغير الرسمية العمل للحد من استخدام الأسلحة، فترسل قوى الأمن الداخلي في لبنان بشكل دوري، رسائل نصية أو بنشر دعوات لعدم إطلاق الرصاص.

كما تُكرس الجمعيات مثل "سايف سايد" خطاً ساخناً للمكالمات، يتيح للناس التبليغ عن المنتهكين دون الإفصاح عن هوياتهم، فتلعب الجمعية دور الوسيط بين المشتكي والقوى الأمنية. 

وتسمح قوانين الدولة حصراً ببيع أسلحة الصيد بناء على رخص مسبقة فقط من وزارة الداخلية التي تشدد بإعطاء التراخيص، كما تجرّم كلّ استخدام يتسبب بمقتل أشخاص، وطُرحت المسألة في أكثر من مناسبة داخل المجلس النيابي وخارجه، مع اقتراحات قوانين لتشديد العقوبات على كل مخالف. 

ومؤخراً، قدم النائب أديب عبد المسيح، اقتراحاً لقانون عاجل مكرر إلى البرلمان، يحمل اسم "نايا حنا"، وهي الطفلة التي قتلت جرّاء الإصابة برصاص طائش، في سبتمبر الماضي. 

يقول فادي أبي علام، إن "وجود القانون لا يكفي إذ لا بدّ من الإلمام بتطبيقه. القانون يحظر إطلاق الرصاص لا من سلاح مرخص ولا غير مرخص، وشُددت العقوبة، حيث كانت في السابق غرامة بقيمة 1000 أو1500 ليرة، أو السجن 15 يوماً، لكن اليوم زادت قيمتها 10 أضعاف (لمواكبة تغير أسعار الصرف وتدهور الليرة اللبنانية)، بالإضافة لمصادرة السلاح ومنع أخذ رخصة جديدة".

ولكن، حتى بعد هذه التعديلات "فالقانون وحده غير رادع"، يقول أبي علام آسفاً.

ويتساءل "لماذا السلاح في الأصل؟ لماذا يتواجد في المنازل؟ هل يوضح القانون الغاية من امتلاك السلاح؟"، مضيفاً "من المهول رؤية كيفية استخدام السلاح في لبنان. يحتاج القانون للتعديل بالكامل، خصوصاً أنه صدر بمرسوم اشتراعي يعود لعام 1959".

ويعتقد أبي علام أن "الحل يبدأ بوضع إجراءات واقعية حيز التنفيذ، في المدرسة مثلاً عن طريق التربية على المواطنة، وبالدعوة للإمضاء على تعهد بعدم إطلاق النار في المناسبات.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

تبعات عمليات إسرائيلية عسكرية في الضفة الغربية
تبعات عمليات إسرائيلية عسكرية في الضفة الغربية

قالت الحكومة البريطانية، الجمعة، إنها تشعر "بقلق بالغ" إزاء العملية الإسرائيلية المستمرة في الضفة الغربية المحتلة، محذرة من أن خطر عدم الاستقرار جسيم وشددت على الضرورة العاجلة لخفض التصعيد.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية في بيان "نواصل دعوة السلطات الإسرائيلية للتحلي بضبط النفس والامتثال للقانون الدولي والتصدي بقوة لأفعال من يسعون إلى تأجيج التوتر".

وتصاعدت الاشتباكات مع القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في أكتوبر .

وبحسب إحصاءات فلسطينية، قُتل أكثر من 660 شخصا، من المسلحين والمدنيين، بعضهم على يد مستوطنين يهود نفذوا هجمات متكررة على بلدات فلسطينية في الضفة الغربية.

وقتلت القوات الإسرائيلية، الخميس، قياديا محليا ينتمي إلى حركة الجهاد الإسلامي المدعومة من إيران بالضفة الغربية وأربعة مسلحين آخرين في معركة بالأسلحة النارية خلال واحدة من أوسع الهجمات على الأراضي المحتلة منذ أشهر.

كما أعلن الجيش الإسرائيلي، الجمعة، مقتل "قائد حركة حماس في مدينة جنين" بالضفة الغربية، واثنين من مرافقيه خلال عملية في الضفة الغربية.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية: "نقر بحاجة إسرائيل للدفاع عن نفسها في مواجهة التهديدات الأمنية، لكننا نشعر بقلق بالغ إزاء الأساليب التي تستخدمها إسرائيل والتقارير عن وقوع خسائر بشرية بين المدنيين وتدمير البنية التحتية المدنية".

وأضاف المتحدث أن بريطانيا "تدين بشدة عنف المستوطنين"، وأنه ليس من مصلحة أحد أن يتسع الصراع وعدم الاستقرار في الضفة الغربية المحتلة.