في الرابع عشر من ديسمبر الجاري، أعلنت الحكومة الإسرائيلة مقتل عشرة من جنودها في كمين نصبته فصائل فلسطينية مسلحة في حي الشجاعية بقطاع غزة.
ومثلت هذه الواقعة، أكبر الخسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي خلال يوم واحد، منذ مقتل 15 جندياً في 31 نوفمبر الماضي.
وذكرت مصادر أمنية إسرائيلية، أن "من بين القتلى في الشجاعية ضابط برتبة عقيد في لواء الجولاني، وملازم قاد كتيبة في ذات اللواء".
أعادت الأخبار المتداولة حول الكمين، اسم الحي الواقع في شرق مدينة غزة، إلى الواجهة مجدداً، لتحوم حوله التحليلات والتكهنات العسكرية خلال الأيام المقبلة من الحرب المستعرة منذ أكثر من شهرين، بين إسرائيل وفصائل فلسطينية مسلحة أبرزها "كتائب القسام" التابعة لحركة "حماس"، و"سرايا القدس" التابعة لحركة "الجهاد الإسلامي".
المعيشة في الحي: ذكريات
في حديثه لـ"ارفع صوتك"، يقول الفلسطيني خالد ممدوح، وهو نازح من حي الشجاعية، يقيم اليوم في مدينة رفح، إن "الحي كان من أكثر مناطق مدينة غزة مفعمة بالحياة والحركة والنشاط، سواء على مستوى التسوّق أوالتنزّه".
يضيف: "الناس كانت تحسد أهل الشجاعية لأن كل شي متوفر فيها، من أكل وخضار وحضارة وتكافل اجتماعي، والكل يعرف الكل من خلال علاقات النسب. هناك تماسك رهيب داخل الشجاعية، وحتى الآن توجد أحياء قديمة ومبانٍ تاريخية تزيد جماله".
ويسترجع خالد بعض ذكرياته الشخصية في الحي، مثل "لمة العائلة"، حيث "يلتقي أفراد عائلته كل يوم جمعة بعد الصلاة، فيأكلون معاً ويتبادلون الذكريات والضحكات ويلعبون معاً الكوتشينا (ورق الشدة)".
يتابع متحسّراً: "كان ضجيج السوق الذي أقطن بجانبه يزعجني، أما الآن فأتمنى عودة تلك الأيام بكل دوشتها (ضجيجها)"، مشيراً إلى أن "أهمية الحي التاريخية جعلته أيضاً يتمتع بعمران مختلف عن بقية أرجاء غزة، من حيث البنية التحتية المتطورة والشوارع والطرق الرئيسة ووسائل النقل".
لماذا "الشجاعية"؟
في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي، وزعت أراضٍ تقع بين شرق مدينة غزة القديمة ومنطقة "تل المنطار" على عددٍ من قبائل التركمان والأكراد التي عاونته في قتال الصليبيين. كانت هذه البداية لنشأة حي الشجاعية بشكله المعروف اليوم.
في حينه، خطّط الأيوبي لضمان التجانس بين هذه القبائل، فابتدع لها عيداً عُرف بـ"يوم المنطار" الذي يحتفل به أهل الحي كل عام حتى الآن.
في كتابه "قصة مدينة غزة"، يقول هارون هاشم، إن "تسمية الحي تعود للأمير شجاع الدين عثمان بن علكان الكردي، الذي قُتل في غزة سنة 647هـ خلال إحدى المناوشات التي جرت بين جيوش المسلمين والصليبيين على أطرف المدينة".
وبحسب أطروحة للباحثة عائدة فايق، بعنوان "متسلمية غزة تحت الحكم المصري"، فإن عائلات مصرية هاجرت من بلادها إلى الحي واندمجت ضمن سكانه، عندما كان خاضعاً لسيطرة القاهرة عام 1831، مثل عائلة "أبي محمد المصري" و"إبراهيم المصري" و"أبي علان" وغيرهم.
رغم تعاقب السنين، لم تتغير تسمية الحي، وظهرت في وثائق الإدارة العثمانية للشام، وكذلك في كتب الرحّالة الذين وفدوا إلى فلسطين خلال القرن التاسع عشر. يقول سليم المبيض في كتابه "غزة وقطاعها"، إنه "مع مطلع القرن العشرين بقيت في غزة أربعة أحياء فقط تحمل أسماءها القديمة، هي: الشجاعية، الدرج، الزيتون، التفاح".
معقل حماس
في عام 1395، أقام المماليك في الشجاعية أكبر مساجد غزة آنذاك، وهو جامع "ابن عثمان"، نسبةً إلى بانيه شهاب الدين بن عثمان، الذي وُلِد في نابلس (شمال الضفة الغربية حالياً) ثم انتقل إلى غزة.
حظي المسجد بمكانة كبيرة بسبب كِبر حجمه وكثرة الخدمات الاجتماعية التي يقدّمها، وما يزال قائماً حتى اليوم. ولطالما استخدمته حركة حماس لعقد لقاءات حكومية مع المواطنين وإقامة فعاليات لإحياء ذكرى عناصرها الذين قتلوا على يد القوات الإسرائيلية.
كذلك تمركزت في الشجاعية مجموعة كبيرة من مدارس الفقه الإسلامي، مثل مدرسة "السلطان قايتباي" قرب الجامع الذي حمل نفس الاسم. وكذلك مدرسة "الباسطية"، التي استمرّت في العمل حتى قدوم الحملة الفرنسية.
بحسب كتاب "غزة وقطاعها"، بلغت نسبة المساجد في الشجاعية عام 1987 (توقيت تأليف الكتاب) أكثر من 32% من مجموع مساجد مدينة غزة بأكملها.
بمرور الزمن، أصبح الحي معقلاً رئيسياً للحركة الإسلامية حتى منذ ما قبل تأسيس حركة حماس. بحسب دراسة "دور الشيخ أحمد ياسين الدعوي والاجتماعي"، أولى أولى الشيخ ياسين اهتماماً مبكراً به، فافتتح مكتبة إسلامية، وأسس صناديق لجمع التبرعات في مساجده، لصالح تمويل جهود حركة حماس.
عندما رعت الولايات المتحدة الأميركية اتفاقاً مع إسرائيل لتحرير 255 أسيراً فلسطينياً عام 2007، على أثر الاقتتال الداخلي بين حركتي فتح وحماس، ونتج عنه سيطرة حماس على القطاع، سمى إسماعيل هنية وزراء حكومته الجديدة من قلب أحد مساجد حي الشجاعية، وخطب في الناس محذراً من الصفقة، واصفاً إياها بـ"الفخ المنصوب لزعزعة وحدة الشعب الفلسطيني".
في عام 2015 شهد الحي تحركاً شبابياً ضد سطوة حماس يطالبها بإنهاء الانقسام وحل المشاكل المعيشية لسكان القطاع، فواجهته شرطة حماس بالقمع واعتقال العشرات من المشاركين، بينهم صحافيون.
الصراع مع إسرائيل
كان حي الشجاعية مسرحاً للعديد من العمليات العسكرية الإسرائيلية خلال السنوات الماضية، ففي عام 2002 توغّلت قوة إسرائيلية فيه وفجرت مبنى الإذاعة الفلسطينية، حسبما ذكر محمد الخولاني في كتابه "الحماية الدولية للصحافيين في ضوء أحكام القانون الدولي الإنساني".
وفي مايو 2003 اخترقت قوة إسرائيلية الحي مدعومة بعشرات الآليات، وقتلت 16 فلسطينياً.
كما نفّذت إسرائيل عملية جديدة في 2004 أسفرت عن مقتل 15 مواطناً بعدما خاضت معارك عنيفة مع مقاتلي الفصائل الفلسطينية.
وفقاً لكتاب "العدوان على غزة 2014: قراءة تحليلية"، فإن "قائد لواء جولاني صرّح بأن القتال الذي خاضه في الشجاعية كان أصعب معركة عرفها خلال خدمته العسكرية، ولم يتوقّع أن يواجهه هذا الجحيم على بعد أمتار قليلة من مستوطنة ناحل عوز".
هذه الواقعة هي التي أشار إليها المقدم تومير جرينبرغ، قائد "الكتيبة 13" قبيل مقتله في الكمين الذي نفذته عناصر "حماس" منذ أيام، حينما صرّح لجنوده "لنا ثأر مع الشجاعية منذ عام ٢٠١٤".
وخلال الحرب الحالية المستمرة منذ 7 أكتوبر الماضي، تعرض الحي للعديد من الغارات الجوية الإسرائيلية التي أوقعت عشرات القتلى بين صفوف المدنيين الفلسطينيين، وأحدثت دماراً واسعاً في المباني، قبل أن يبدأ الاجتياح البريّ وتشتعل المعارك على الأرض.
