جندي إسرائيلي في أحد أحياء مدينة غزة خلال القتال البريّ مع مسلحين من فصائل فلسطينية - رويترز
جندي إسرائيلي في أحد أحياء مدينة غزة خلال القتال البريّ مع مسلحين من فصائل فلسطينية - رويترز

 في الرابع عشر من ديسمبر الجاري، أعلنت الحكومة الإسرائيلة مقتل عشرة من جنودها في كمين نصبته فصائل فلسطينية مسلحة في حي الشجاعية بقطاع غزة.

ومثلت هذه الواقعة، أكبر الخسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي خلال يوم واحد، منذ مقتل 15 جندياً في 31 نوفمبر الماضي.

وذكرت مصادر أمنية إسرائيلية، أن "من بين القتلى في الشجاعية ضابط برتبة عقيد في لواء الجولاني، وملازم قاد كتيبة في ذات اللواء".

أعادت الأخبار المتداولة حول الكمين، اسم الحي الواقع في شرق مدينة غزة، إلى الواجهة مجدداً، لتحوم حوله التحليلات والتكهنات العسكرية خلال الأيام المقبلة من الحرب المستعرة منذ أكثر من شهرين، بين إسرائيل وفصائل فلسطينية مسلحة أبرزها "كتائب القسام" التابعة لحركة "حماس"، و"سرايا القدس" التابعة لحركة "الجهاد الإسلامي".

جثث قتلى في غارات إسرائيلية على قطاع غزة
قصص مؤلمة.. دفن أسر بأكملها في مقابر جماعية بقطاع غزة
في مشهد مؤثر اضطر إبراهيم لحام، أن يكدس جثث 17 فردا من عائلته في شاحنة صغيرة كانوا قد قضوا في غارة إسرائيلية على قطاع غزة، وذلك بغية أن يدفنهم على عجل في إحدى المقابر الجماعية، دون أن يتمكن من تكريمهم بجنازات لائقة على حد قوله لصحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية.

 

المعيشة في الحي: ذكريات

في حديثه لـ"ارفع صوتك"، يقول الفلسطيني خالد ممدوح، وهو نازح من حي الشجاعية، يقيم اليوم في مدينة رفح، إن "الحي كان من أكثر مناطق مدينة غزة مفعمة بالحياة والحركة والنشاط، سواء على مستوى التسوّق أوالتنزّه".

يضيف: "الناس كانت تحسد أهل الشجاعية لأن كل شي متوفر فيها، من أكل وخضار وحضارة وتكافل اجتماعي، والكل يعرف الكل من خلال علاقات النسب. هناك تماسك رهيب داخل الشجاعية، وحتى الآن توجد أحياء قديمة ومبانٍ تاريخية تزيد جماله".

ويسترجع خالد بعض ذكرياته الشخصية في الحي، مثل "لمة العائلة"، حيث "يلتقي أفراد عائلته كل يوم جمعة بعد الصلاة، فيأكلون معاً ويتبادلون الذكريات والضحكات ويلعبون معاً الكوتشينا (ورق الشدة)".

يتابع متحسّراً: "كان ضجيج السوق الذي أقطن بجانبه يزعجني، أما الآن فأتمنى عودة تلك الأيام بكل دوشتها (ضجيجها)"، مشيراً إلى أن "أهمية الحي التاريخية جعلته أيضاً يتمتع بعمران مختلف عن بقية أرجاء غزة، من حيث البنية التحتية المتطورة والشوارع والطرق الرئيسة ووسائل النقل".

 

لماذا "الشجاعية"؟

في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي، وزعت أراضٍ تقع بين شرق مدينة غزة القديمة ومنطقة "تل المنطار" على عددٍ من قبائل التركمان والأكراد التي عاونته في قتال الصليبيين. كانت هذه البداية لنشأة حي الشجاعية بشكله المعروف اليوم.

في حينه، خطّط الأيوبي لضمان التجانس بين هذه القبائل، فابتدع لها عيداً عُرف بـ"يوم المنطار" الذي يحتفل به أهل الحي كل عام حتى الآن.

في كتابه "قصة مدينة غزة"، يقول هارون هاشم، إن "تسمية الحي تعود للأمير شجاع الدين عثمان بن علكان الكردي، الذي قُتل في غزة سنة 647هـ خلال إحدى المناوشات التي جرت بين جيوش المسلمين والصليبيين على أطرف المدينة".

وبحسب أطروحة للباحثة عائدة فايق، بعنوان "متسلمية غزة تحت الحكم المصري"، فإن عائلات مصرية هاجرت من بلادها إلى الحي واندمجت ضمن سكانه، عندما كان خاضعاً لسيطرة القاهرة عام 1831، مثل عائلة "أبي محمد المصري" و"إبراهيم المصري" و"أبي علان" وغيرهم.

رغم تعاقب السنين، لم تتغير تسمية الحي، وظهرت في وثائق الإدارة العثمانية للشام، وكذلك في كتب الرحّالة الذين وفدوا إلى فلسطين خلال القرن التاسع عشر. يقول سليم المبيض في كتابه "غزة وقطاعها"، إنه "مع مطلع القرن العشرين بقيت في غزة أربعة أحياء فقط تحمل أسماءها القديمة، هي: الشجاعية، الدرج، الزيتون، التفاح".

 

معقل حماس

في عام 1395، أقام المماليك في الشجاعية أكبر مساجد غزة آنذاك، وهو جامع "ابن عثمان"، نسبةً إلى بانيه شهاب الدين بن عثمان، الذي وُلِد في نابلس (شمال الضفة الغربية حالياً) ثم انتقل إلى غزة.

حظي المسجد بمكانة كبيرة بسبب كِبر حجمه وكثرة الخدمات الاجتماعية التي يقدّمها، وما يزال قائماً حتى اليوم. ولطالما استخدمته حركة حماس لعقد لقاءات حكومية مع المواطنين وإقامة فعاليات لإحياء ذكرى عناصرها الذين قتلوا على يد القوات الإسرائيلية.

كذلك تمركزت في الشجاعية مجموعة كبيرة من مدارس الفقه الإسلامي، مثل مدرسة "السلطان قايتباي" قرب الجامع الذي حمل نفس الاسم. وكذلك مدرسة "الباسطية"، التي استمرّت في العمل حتى قدوم الحملة الفرنسية.

بحسب كتاب "غزة وقطاعها"، بلغت نسبة المساجد في الشجاعية عام 1987 (توقيت تأليف الكتاب) أكثر من 32% من مجموع مساجد مدينة غزة بأكملها.

بمرور الزمن، أصبح الحي معقلاً رئيسياً للحركة الإسلامية حتى منذ ما قبل تأسيس حركة حماس. بحسب دراسة "دور الشيخ أحمد ياسين الدعوي والاجتماعي"، أولى أولى الشيخ ياسين اهتماماً مبكراً به، فافتتح مكتبة إسلامية، وأسس صناديق لجمع التبرعات في مساجده، لصالح تمويل جهود حركة حماس.

Palestinians flee north Gaza towards the south, amid the ongoing conflict between Israel and Palestinian Islamist group Hamas, in the central Gaza Strip
شهادات وأرقام.. تفاصيل النزوح الكبير من شمال قطاع غزة إلى جنوبه
فور اشتعال الحرب بين إسرائيل والفضائل الفلسطينية المسلحة في غزة، أبرزها "كتاب القسام" التابعة لحركة حماس، دعت إسرائيل مواطني قطاع غزة الذين يعيشون في شماله، حيث تتركز الحملة العسكرية البرية حالياً، إلى الهرب نحو الجنوب.

عندما رعت الولايات المتحدة الأميركية اتفاقاً مع إسرائيل لتحرير 255 أسيراً فلسطينياً عام 2007، على أثر الاقتتال الداخلي بين حركتي فتح وحماس، ونتج عنه سيطرة حماس على القطاع، سمى إسماعيل هنية وزراء حكومته الجديدة من قلب أحد مساجد حي الشجاعية، وخطب في الناس محذراً من الصفقة، واصفاً إياها بـ"الفخ المنصوب لزعزعة وحدة الشعب الفلسطيني".

في عام 2015 شهد الحي تحركاً شبابياً ضد سطوة حماس يطالبها بإنهاء الانقسام وحل المشاكل المعيشية لسكان القطاع، فواجهته شرطة حماس بالقمع واعتقال العشرات من المشاركين، بينهم صحافيون.

الصراع مع إسرائيل

كان حي الشجاعية مسرحاً للعديد من العمليات العسكرية الإسرائيلية خلال السنوات الماضية، ففي عام 2002 توغّلت قوة إسرائيلية فيه وفجرت مبنى الإذاعة الفلسطينية، حسبما ذكر محمد الخولاني في كتابه "الحماية الدولية للصحافيين في ضوء أحكام القانون الدولي الإنساني".

وفي مايو 2003 اخترقت قوة إسرائيلية الحي مدعومة بعشرات الآليات، وقتلت 16 فلسطينياً.

كما نفّذت إسرائيل عملية جديدة في 2004 أسفرت عن مقتل 15 مواطناً بعدما خاضت معارك عنيفة مع مقاتلي الفصائل الفلسطينية.

وفقاً لكتاب "العدوان على غزة 2014: قراءة تحليلية"، فإن "قائد لواء جولاني صرّح بأن القتال الذي خاضه في الشجاعية كان أصعب معركة عرفها خلال خدمته العسكرية، ولم يتوقّع أن يواجهه هذا الجحيم على بعد أمتار قليلة من مستوطنة ناحل عوز".

هذه الواقعة هي التي أشار إليها المقدم تومير جرينبرغ، قائد "الكتيبة 13" قبيل مقتله في الكمين الذي نفذته عناصر "حماس" منذ أيام، حينما صرّح لجنوده "لنا ثأر مع الشجاعية منذ عام ٢٠١٤".

وخلال الحرب الحالية المستمرة منذ 7 أكتوبر الماضي، تعرض الحي للعديد من الغارات الجوية الإسرائيلية التي أوقعت عشرات القتلى بين صفوف المدنيين الفلسطينيين، وأحدثت دماراً واسعاً في المباني، قبل أن يبدأ الاجتياح البريّ وتشتعل المعارك على الأرض.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

لاعبة التنس العراقية نجلاء عماد المشاركة في بارالمبياد باريس 2024- أرشيف
لاعبة التنس العراقية نجلاء عماد المشاركة في بارالمبياد باريس 2024- أرشيف

في ختام أغسطس الماضي انطلقت الألعاب البارالمبية في العاصمة الفرنسية باريس، يشارك فيها آلاف اللاعبين بدرجات إعاقة جسدية متفاوتة.

وتشهد كل دورة بارالمبية عادةً، مشاركة العديد من مصابي الحروب والنزاعات المسلحة حول العالم، كما حصل في دورة طوكيو 2020 مثلاً، حين شارك لاعب التايكوندو بارفيت هاكيزيمانا كأحد أعضاء فريق اللاجئين. 

لاقى بارفيت المتاعب منذ ولادته بسبب الحرب الأهلية التي عاشتها بلاده رواندا، فعندما كان عمره 8 سنوات، تعرض المخيم الذي عاش فيه إلى هجوم أفقده والدته وأصابه برصاصة خلّفت إعاقة دائمة في ذراعه.

في 2015 غادر بدأ ممارسة الرياضة التي مكّنته من التعافي والارتقاء بمستواه حتى تقرّر ضمّه إلى فريق اللاجئين البارالمبي.

وشهدت دورة لندن البارالمبية 2012 مشاركة العدّاء الفرنسي من أصل بوروندي جان بابتيست أليز (Jean-Baptiste Alaize) الذي كان طفلاً أثناء اشتعال الحرب الأهلية في بلده، حين هاجم مسلحون منزل عائلتته فقتلوا والدته وقطعوا ساقه بالساطور.

تبنتته عائلة فرنسية، وحظي برعاية رياضية مكنته من خوض تنافسات محلية ودولية، ليُظهر تفوقاً في رياضة الجري، ما سمح له بخوض بطولة العالم لألعاب القوى في نيوزيلندا عام 2011 ودورة لندن البارالمبية 2012.

في المقال، نتعرف على أبرز اللاعبين المشاركين في بارالمبياد باريس، الذين أصيبوا بإعاقات جرّاء الإصابة في الحروب التي شهدتها بلدانهم.

من قلب النزاعات إلى حضن الملاعب: لاجئون في أولمبياد باريس
يشهد أولمبياد باريس المرتقب هذا الشهر حدثاً فريداً وهو مشاركة أكبر فريق للاجئين على الإطلاق، إذ يضم 36 فرداً من 11 دولة خضعوا لبرامج تأهيل مكثفة سمحت لهم بتحقيق أرقامٍ رياضية مميزة، فأهّلتهم للمشاركة في هذا الحدث الرياضي الهام.

العراقية نجلاء عماد

في عام 2008 وبينما كانت نجلاء ذات الأربع سنوات تستعد لاستقبال والدها أثناء عودته من العمل، استُهدفت سيارته بعبوة ناسفة.

نجى الأب بحياته من الحادث أما الطفلة الصغيرة فقد تعرضت لإصابات بالغة أدّت إلى بتر ساقيها الاثتنين وذراعها الأيمن.

مرّت الطفلة الصغيرة بفترة صعبة تمنّت فيها الموت بعد فقدانها أطرافها الثلاثة إلا أنها وجدت الملاذ في الرياضة بعدما بدأت في ممارسة تنس الطاولة وهي في العاشرة من عُمرها.

حققت نجلاء نجاحاً كبيراً مكّنها من التألق في البطولات المحلية ثم خوض تنافسات بارالمبياد طوكيو 2020.

وفي دورة الألعاب الآسيوية التي أقيمت في الصين عام 2023، تمكنت نجلاء من حصد ذهبية.

البوسني صباح الدين ديلاليتش

خلال حصار سراييفو سنة 1992 تعرض صباح الدين للإصابة بفعل قذيفة دبابة أدت إلى إصابة حتّمت بتر جزء من ساقه اليُمنى.

بعد إصابته اتجه إلى لعب الكرة الطائرة، وهي الرياضة التي حقّق فيها تفوقاً لافتاً ومستمراً حتى بات أحد أساطير اللعبة في بلاده بعدما ساعد المنتخب البوسني على الفوز بـ27 ميدالية في المسابقات الدولية بما فيها ميداليتان ذهبيتان في البارالمبياد.

مُنح صباح الدين وسام "السادس من أبريل" وهو أعلى وسام تقدّمه مدينة سارييفو لتكريم أبنائها المتميزين، وفي 2022 اختير أفضل رياضي في البوسنة والهرسك.

يُزامل صباح الدين زميله إرمين جوسوفوفيتش الذي خسر ساقه بسبب الحرب أيضاً بعدما انفجر بجانبه لغم بعد أكثر من عام على انتهاء الحرب.

رياضيون فلسطينيون يحملون "معاناة غزة" إلى أولمبياد باريس
أكد الرياضيون الفلسطينيون الذين سوف يمثلون بلادهم في الألعاب الأولمبية الصيفية في باريس أنهم قادمون للتعبير عن المعاناة التي يعيشها سكان قطاع غزة بسبب الحرب التي تدورها رحاها منذ نحو تسعة أشهر بين الجيش الإسرائيلي وحركة حماس المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى.

الفلسطيني فادي الديب

في حفل افتتاح دورة باريس اقتصر الوفد الفلسطيني المشارك بالبطولة على فردٍ واحد هو فادي الديب، الذي سيخوض تنافسات رمي القرص في البطولة. 

في الوقت نفسه، يلعب الديب كرة السلة على مستوى المحترفين من ذوي الإعاقة.

في 2001 ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية كان فادي شاباً صغيراً في الثامنة عشرة من عُمره، خلال مشاركته في التظاهرات أصيب برصاصة إسرائيلية أدت إلى شلله.

بعد فترة تأهيل طويلة قرّر فادي التغلّب على الإعاقة بممارسة الرياضة؛ فلعب كرة السلة لثلاثة أعوام، ثم انتقل منها إلى ألعاب القوى. ويعيش الديب خارج قطاع غزة منذ سنوات عديدة بسبب خوضه المباريات كلاعب 

السوري إبراهيم الحسين

بدأ إبراهيم الحسين ممارسة السباحة منذ أن كان في الخامسة من عُمره وهي الرياضة التي انتظم في تدريباتها حتى اندلعت الثورة الشعبية عام 2011.

في 2012 شهدت مدينته دير الزور اشتباكات عسكرية عنيفة بين الجيش السوري والفصائل المسلحة المعارضة لرئيس النظام السوري بشار الأسد.

تعرض أحد أصدقاء إبراهيم للإصابة بسبب انفجار قنبلة بجواره، وخلال انشغال إبراهيم بإسعافه تعرّض هو الآخر لهجومٍ صاروخي أفقده قدمه اليمنى. وبعد ثلاثة أشهر من إصابته، قرّر مغادرة سوريا إلى أوروبا، لتبدأ رحلة اللجوء بالهروب عبر تركيا ثم اليونان، وفيها نال رعاية طبية متقدمة وحصل على طرف صناعي مجاناً.

كما بدأ التدرب على السباحة مجدداً في اليونان وحقق نجاحاً لافتاً دفع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لضمّه إلى فريق اللاجئين الذي خاض أولمبياد ريو دي جانيرو 2016 ضمن الفريق البارالمبي وحمل حينها شعلة الأولمبياد.

شارك الحسين أيضاً في أولمبياد طوكيو 2020  ضمن الفريق البارالمبي، ويستعد للظهور الأول في سباقات دورة باريس الحالية.