في أبريل الماضي، نجح باحثون أميركيون في استخدام الذكاء الاصطناعي لابتكار أداة يُمكنها تشخيص سرطان الدماغ خلال 90 ثانية فقط.
وفي مايو، أعلن الممثل الأميركي توم هانكس، أنه يُمكن الاستعانة بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لتخزين صوره ومشاهده من أجل ضمان استمرارية ظهوره في الأفلام بعد وفاته.
تزامَن ذلك مع استعانة صنّاع أحد أفلام سلسلة "إنديانا جونز" بالذكاء الاصطناعي لإضفاء مظهر شبابي على الممثل هاريسون فورد (80 عاماً) ليكون أكثر شباباً خلال أحد المشاهد.
أيضاً شهد عام 2023 طرح المطرب المصري محمد حماقي أول "فيديو كليب" صُمم بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى على مستوى العالم العربي.
تصاعد وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي
منذ عام 1997 قطع الذكاء الاصطناعي خطوات متقدمة جداً، حين استطاع كمبيوتر "ديب بلو" الانتصار على بطل العالم للشطرنج، كاسباروف ديب. بعدها تمكنت سيارة آلية من القيادة لـ131 ميلاً في مسارٍ متعرّج لم تتدرّب عليه من قبل.
وفي 2017، انتصر برنامج "ألفاغو" الذكي الذي صممته شركة "غوغل" على بطل العالم في لعبة "جو" الصينية، كي جي. وهي لعبة تشبه الشطرنج لكنها أكثر تعقيداً.
بمرور الوقت، زاد عدد الآلات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، الذي مكّنها من أن تكون أكثر استقلالية وإبداعاً في خدماتها التي تقدمها للإنسان، مثال على ذلك، المساعد الصوتي وبرامج تحليل الصور ومحركات البحث وأنظمة التعرّف على الوجوه. كما بات ممكناً دمج بعض هذه التقنيات داخل العديد من الأجهزة والآلات؛ فظهرت الروبوتات الذكية والسيارات المستقلة والطائرات من دون طيار.
في بعض الحالات اتّحدت إمكانات الذكاء الاصطناعي مع قدرات البشر لتحقيق نتيجة أفضل، كما فعل أطباء حين استخدموا تطبيقات متطورة للذكاء الاصطناعي، كالذراع الإلكترونية القادرة على أداء مهام معقدة في وقتٍ واحد، واستخدموها لتشخيص المرضى وإجراء الجراحات الصعبة.
واستعانت به شركات كبرى لتسهيل عملية صُنع القرارات الإستراتيجية بسبب قُدرته على "أتمتة" أنظمتها الإدارية وتحليل كميات ضخمة من البيانات، مثل مراقبة حركة البضائع وتقييم أداء العاملين مهما زادت أعدادهم.
هذا التطور المتنامي علّق عليه الدكتور مجدي المهدي في ورقته البحثية "التعليم وتحديات المستقبل في ضوء فلسفة الذكاء الاصطناعي"، بالقول، إن عام 2019 مثّل نقلة كبرى للذكاء الاصطناعي بعدما نمت هذه التكنولوجيا وأصبحت أداة رئيسة في أغلب القطاعات الحيوية، حيث خرجت من مختبرات البحوث ومن روايات الخيال العلمي، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، وأصبح الذكاء الاصطناعي أهم مخرجات الثورة الصناعية الرابعة التي دعا لها المنتدى الاقتصادي في دافوس عام 2016.
مخاوف وسط الازدهار
على الرغم من كل ما حققه الذكاء الاصطناعي في خدمة البشرية، أثارت العديد من تقنياته مخاوف لدى بعض العلماء.
بالعودة لعام 2009، استضافت ولاية كاليفورنيا الأميركية، مؤتمراً علمياً شارك فيه كبار العلماء في مجالات الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي، وحذروا خلاله من أن العالم قد يشهد ظهور أجيال جديدة من الروبوتات القادرة على اتخاذ قرار ذاتي بالقتل، أو ارتكاب مخالفات جسيمة، ما يعزّز من مخاوف الاستخدام الإجرامي للذكاء الاصطناعي، كاختراق بيانات الهواتف أو بتدبير عمليات اغتيال عن بعُد.
وفي العام الحالي، ومع توسّع الاستفادة من برامج الذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسات والأفراد، أُستغني عن آلاف العمال والموظفين من متوسطي المهارات، مما أدى لتنامي الخوف والقلق لدى أغلبية العاملين في مختلف القطاعات، أن يلقوا نفس المصير.
وتوقع تقرير 2023 للمنتدى الاقتصادي العالمي، الاعتماد بشكل كبير على التقنيات الذكية في الزراعة والتجارة، ما سيؤدي إلى اضطراب كبير في سوق العمل، بين الأعوام 2023 و2027، حيث أن أكثر من 75% من الشركات ستستعين بالذكاء الاصطناعي في أداء أعمالها.
وأعلنت شركة الاتصالات البريطانية (بي تي) في منتصف 2023، أنها تستعد لإلغاء 55 ألف وظيفة واستبدالها بالذكاء الاصطناعي سعياً منها لتعزيز الأرباح.
"الذكاء الاصطناعي يلتهم وظائف البشر"
— بريطانيا بالعربي🇬🇧 (@TheUKAr) May 18, 2023
عملاقة الاتصالات في بريطانيا (BT) تستعد لإلغاء 55000 وظيفة واستبدال معظم تلك الوظائف بالذكاء الاصطناعي في محاولة لخفض التكاليف المالية وجني مزيد من الأرباح pic.twitter.com/HMG65m09ON
كما شاع بين الطلبة الجامعيين حول العالم استخدام تقنية "تشات جي بي تي" الذكية لصياغة أبحاثهم وفروضهم، بدلاً من قضاء ساعات في كتابة عشرات الصفحات، التي لا تتطلب سوى دقائق معدودة بالنسبة للبرنامج.
هذا الأمر دفع بعض الجامعات إلى حظر استخدامه والاستعانة بتقنية ابتكرتها شركة "كومبيلاسيو" الفرنسية، تقوم بالتمييز بين الإنتاج البشري والإلكتروني.
المخاطر المتصاعدة للذكاء الاصطناعي دفعت مجلس الأمن لعقد جلسة خاصة لمناقشة تداعيات الإسراف في استعمال هذه الأداة، أعرب خلالها الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن ترحيبه باستغلال الذكاء الاصطناعي لحل أزمات المناخ وتطوير الأبحاث الطبية.
في نفس الوقت، كشف غوتيريش عن مخاوفه من استخدامه لـ"أغراض إرهابية من قِبَل أصحاب النوايا الخبيثة"، إذ يُمكنهم تطوير أسلحة ذاتية التشغيل يُمكن الاستعانة بها في تنفيذ هجمات عن بُعد على تجمعات سكانية.
واقترح التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره "سلاحاً نووياً"، عبر إنشاء هيئة دولية قوية للرقابة على استخداماته، على غرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
في أكتوبر الماضي، ظهرت أول استجابة غير مباشرة لغوتيريش في أميركا، بعدما بدأ الكونغرس في مناقشة مئات المشاريع من القوانين التي تسعى للحدِّ من أضرار الذكاء الاصطناعي، فيما شكّلت عدة ولايات فرق عمل متخصصة لعمل دراسة دقيقة حول كيفية استغلال هذه التكنولوجيا بشكلٍ مثالي.
تقول الدكتورة إنجا أولنيكان في دراستها التي أنجزتها في يونيو الماضي "السلطة والسياسة في تحديد التحيز في سياسة الذكاء الاصطناعي"، إن أحد العواقب الأكثر خطورة للذكاء الاصطناعي هو نشأة "الشوفينية التقنية"، التي تدفعنا تدريجياً إلى الإيمان بأن الحلول الحسابية تتفوق دائماً على الحلول البشرية، وهو ما سيدفعنا في المستقبل للاعتماد على الذكاء الاصطناعي في كل شيء وإهمال تطوير مهاراتنا الخاصة إلى حدٍّ قد يؤدي لتلاشيها.
هذا الأمر انتبهت إليه بعض الولايات الأميركية العام الماضي، حين أصدرت ولاية ألاباما قانوناً يحظر الاعتماد على تقنية التعرف على الوجه وحدها كمبرر للاعتقال، كما دعت مدينة نيويورك أصحاب الأعمال الذين يستخدمون برامج ذكاء اصطناعي لتقييم موظفيهم، إلى التأكد من أن هذه البرامج لا تخضع لتحيزات مسبقة قد تؤثر على مستقبل الموظفين.
