بعد هجوم 7 أكتوبر، شهد المجتمع الإسرائيلي حالة من التماسك والتعاضد، جراء ما اعتبروه "أسوأ كارثة تحل باليهود منذ الهولوكست"، إلا أنها لم تستمر طويلاً.
لعبت التجاذبات السياسية والانقسام الحاد في الآراء، ومعارضة أهالي المختطفين لحكومة بنيامين نيتنياهو والاحتجاج عليها، دوراً كبيراً في السيطرة على المشهد الإسرائيلي.
أوردت صحيفة "تيليغراف" البريطانية، نتائج استطلاعات للرأي أجراها المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، تبين فرق الآراء بين أول الحرب وبعدها بأسبوع فقط.
ففي البداية أعرب 22% من العينة عن موافقتهم على عدم إجراء أي محادثات مع حركة "حماس"، وفي منتصف أكتوبر، كشف 49% من مؤيدي نتنياهو عن معارضتهم لصفقة تبادل أسرى، بينما أيدها 76% من معارضيه.
عائلات القتلى والمختطفين
منذ اليوم الأول للحرب على غزة، أعلنت عائلات المختطفين رفضها للعمليات العسكرية الإسرائيلية، ثم عقدت مؤتمرات صحافية لتبيان موقفها، والتأكيد على أن "حرب غزة لن تقود إلا لقتل ذويهم".
مؤخراً، صعّدت العائلات من أساليب الاحتجاج، فتجمّعت أمام قاعدة عسكرية في تل أبيب للضغط على الحكومة الإسرائيلية من أجل وقف الحرب.
بحسب "تايمز أوف إسرائيل"، فإن مئات المتظاهرين انضموا إلى عائلات الضحايا في احتجاجاتهم الداعية لوقف إطلاق النار والانخراط في مفاوضات للإفراج عن المختطفين.
📍Tel Aviv
— Khalissee (@Kahlissee) December 17, 2023
Netanyahu said all of Israel was in mourning over the 3 hostages killed by the IOF in Gaza.
He lied.
Israelis and families of Israeli hostages are holding huge protests against Netanyahu. pic.twitter.com/JLFdISMite
أثار هذا الموقف غضب فئات أخرى من المجتمع الإسرائيلي، باعتباره "استسلاماً لحماس"، فنظّموا مظاهرة مضادة في نفس مكان الاحتجاج الأول، ما أدى لتصادم لفظي عنيف كاد أن يتطور لولا تدخل الشرطة الإسرائيلية.
وصفت الصحيفة الإسرائيلية ما حدث، بأنه "مؤشر على ظهور الانقسامات في المجتمع الإسرائيلي، ودليل على انهيار حالة الاتحاد الكبيرة التي أظهرها الإسرائيليون فور وقوع هجمات 7 أكتوبر".
"اليسار الخائن"
نَشَطَ قسم كبير من اليسار الإسرائيلي ضد الحرب أيضاً، محافظاً على موقفه التاريخي في رفض استعمال القوة كوسيلة لحسم الصراع. نظّموا فعاليات منددة بالقتال في غزة، شارك في أحدها المخرج اليساري باراك هايمن وألقى كلمة وصف فيها ما يجري في غزة بـ"التطهير العرقي".
وفي موقفٍ مُشابه نَشَطَ الصحافي الإسرائيلي اليساري جدعون ليفي، الذي أعرب أكثر من مرة عن تعاطفه مع معاناة الفلسطينيين، وانتقد تسابق وسائل الإعلام الإسرائيلية على شيطنتهم كمبررٍ لاستمرار الحرب.
هذه المواقف وغيرها، أثارت غضب تسيبي نافون، مستشارة سارة نتنياهو، فهاجمت عبر منصتها في موقع "إكس"، اليساريين وإعلاميين في إسرائيل، ووصفتهم بـ"الخونة" و"الطابور الخامس"، وهي التعبيرات التي أثارت ضجة ودفعت مدير مكتب نتنياهو، يوسي شيلي، لإيقاف نافون 14 يوماً.
عربٌ في إسرائيل
بالإضافة إلى عائلات المختطفين، فإن الحرب شهدت معارضة أخرى من عرب في إسرائيل. ومن خلال عضويتهم في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، شارك النشطاء العرب في تظاهرات متفرقة بالقدس وبئر السبع وإيلات، وقيسارية بالقرب من منزل نتنياهو، أعربوا فيها عن رفضهم للحرب.
رغما عن كل محاولات القمع والملاحقة والعربدة الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة وبالتفاف جماهيري واسع تعقد مجلسها...
Posted by عايدة توما-سليمان עאידה תומא-סלימאן on Saturday, December 16, 2023
من أبرز قيادات هذا الحزب، نائبة الكنيست العربية عايدة توما سليمان، التي انتقدت عمليات الجيش الإسرائيلي حول مستشفى الشفاء، فأوقفت عن ممارسة أعمالها النيابية لمدة شهرين، لتلقى مصيراً مشابهاً للبرلماني محمد بركة، الذي اعتقل بسبب تنظيمه وقفة احتجاجية ضد الحرب.
قائمة الاعتقالات طالت أيضاً الحاخام أريك أشرمان، الذي يتخذ موقفاً متعاطفاً مع الفلسطينيين، سُجن بسببه ثم حُرم من دخول الضفة الغربية لمدة أسبوعين.
في حديثه مع "ارفع صوتك"، يؤكد عضو الكنيست السابق، سامي أبو شحادة، وهو رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، أن "إسرائيل منعت حزبه من القيام بأي نشاط ضد الحرب"، مشبهاً إياها بـ"الأنظمة الفاشية الديكتاتورية".
ويقول إنه "ومعه أعضاء أحزاب أخرى في لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية، حاولوا تنظيم مسيرات ضد الحرب أو مظاهرات ووقفات احتجاجية أو حتى ندوات عربية يهودية، لكن إسرائيل قمعت كل الفعاليات بالقوة".
"لا يريدون أن يكون هناك أحد ضد الحرب، الصوت الوحيد الذي سمحت به إسرائيل هو الصوت الذى ينادي بالمزيد من القتل، والحرب، والعنف، لكن أي صوت عقلاني إنساني يريد وقفها، لا تريد أن تتحمله"، يتابع أبو شحادة.
ويشرح: "بعد عشرات المحاولات من تنظيم نشاطات ضد الحرب، كان هناك قرار بتنظيم وقفة احتجاجية لا تحتاج تصريحاً من الشرطة، وفقا للقانون الإسرائيلي، وبالفعل انطلقت في مدينة الناصرة، إلا أننا قوبلنا بالعنف والقوة".
ومنعت الشرطة استمرار الوقفة، كما اعتقل أبو شحادة برفقة أعضاء من الكنيست عن حزب التجمع، ورئيس لجنة المتابعة محمد بركة.
ويضيف أبو شحادة أن "فلسطينيي الداخل أصبحوا موضع استهداف قبل اندلاع الحرب، بعدما أعلن نتنياهو القتال على أربع جبهات، قاصداً غزة والضفة الغربية ولبنان ثم الجبهة الداخلية، أي العرب المقيمين في إسرائيل".
"الحل ليس عسكرياً"
أمجد شبيطة، سكرتير الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وهي حركة عربية يهودية تدعو للتخلي عن المستوطنات وعقد اتفاقية سلام مع الفلسطينيين، يقول لـ"ارفع صوتك": "قدرتنا على الاحتجاج السياسي ضئيلة جدًا بسبب التضييقات الأمنية المستمرة على تحركاتنا".
ويوضح أن "الجبهة حاولت تنظيم عددٍ من التظاهرات والنشاطات الاحتجاجية على الحرب منذ اندلاعها في قطاع غزة، إلا أنها مُنعت، بما فيها التظاهرات التي لا تزيد عن 50 مشاركا ولا تحتاج إلى ترخيص مسبق وفق القانون الإسرائيلي".
يروي شبيطة: "قبل عدة أسابيع حاولت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية (المظلة التي تنضوي تحتها كل الحركات السياسية الفاعلة في المجتمع العربي) تنظيم مظاهرة صغيرة لكوادرها الرئيسية في الناصرة، رغم ذلك اعتقل كل من أراد المشاركة فيها حتى قبل أن يصلوا إلى مقر انعقاد التجمع".
يقول شبيطة: "بسبب التعنت الأمني، تراجعت الجبهة عن تنظيم تظاهرات وأقامت عدة لقاءات سياسية وشعبية في مقرات حزبية تابعة للحزب الشيوعي في أم الفحم، ولاحقا توجهت إلى المحكمة العليا للحصول على رخصة تظاهر، إلا أنها رفضت، بدعوى أن الشرطة لا تملك القوات الكافية للدفاع عن المتظاهرين إذا ما اعتدى عليهم أنصار اليمين أو حدثت تطورات أمنية".
في السياق نفسه، يقول عضو الكنيست السابق، طلب الصانع، إن "هذه الحرب تشكل تهديدًا لإمكانية عودة الرهائن والأسرى سالمين، بل تؤدي إلى كوارث إنسانية غير مسبوقة في أوساط المدنيين الفلسطينيين من أطفال ونساء".
ويؤكد لـ"ارفع صوتك": "محاولة تكميم الأفواه في الشارع العربي داخل إسرائيل، وهو ما تجلّى في ملاحقة أصحاب أي منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي اعتقدت سُلطات الأمن أنها توحي بالتضامن مع غزة، حتى لو لم تحمل أي بُعد تحريضي ولم تنتهك القانون".
ويعتقد الصانع أن "الحل يجب أن يكون سياسياً وليس عسكرياً، من خلال وقف إطلاق النار وإجراء مفاوضات لإطلاق سراح الرهائن مقابل إطلاق سراح الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين".
