جندي إسرائيلي يحمل طايرة من دون طيار قرب الحدود مع قطاع غزة- ا ف ب
جندي إسرائيلي يحمل طايرة من دون طيار قرب الحدود مع قطاع غزة- تعبيرية

أعلن حزب الله اللبناني، مقتل القيادي وسام الطويل في بلدة (خربة سلم) جنوب لبنان، بغارة طائرة إسرائيلية مسيّرة عبرت الحدود واستهدفت داخل سيارته.

يجدّد هذا الحدث، التساؤلات حول أحدث التقنيات المستخدمة في الصراعات، ومدى فاعليتها في تحقيق أهداف الأطراف المتحاربة، وتأثيرها على سير المعارك وتداعياتها.

يعتبر الباحث في كلية "دفاع الناتو" العسكرية، أندريا جيلي، أن إسرائيل "كانت سبّاقة في استغلال الطائرات بدون طيار في الأغراض الاستخباراتية والعسكرية منذ سبعينيات القرن الماضي".

"لذلك تمتلك خبرة هائلة في هذا المجال، وتل أبيب تهتمُّ بتصنيع طائرات بأصغر حجمٍ ممكن حتى يمكنها العمل من دون قيود في المناطق الحضرية"، يضيف جيلي لـ"ارفع صوتك".

 

عودة في التاريخ

يقول الخبير العسكري، محمد كمال الجفا، إن "إسرائيل نفّذت العديد من عمليات اغتيال قيادات فلسطينية في الأراضي اللبنانية منذ سبعينيات القرن الماضي، واعتمدتها في عمليات القتل المباشر بالرصاص أو العبوات الناسفة أو القصف بالطيران الحربي، مثلما حدث مع الأديب غسان كنفاني، عام 1972، واغتيال ثلاثة قياديين آخرين، هم: كمال ناصر وكمال عدوان ومحمد يوسف النجّار، في عملية عسكرية عام 1973".

ويشير في حديثه مع "ارفع صوتك" إلى اغتيال القيادي في منظمة التحرير الفلسطينية علي حسن سلامة، عام 1979، في لغم زُرع داخل سيارته وفُجِر عن بُعد.

حينما بدأت الجيوش في الاستعانة بتقنية الطائرات بدون طيار، "كانت إسرائيل من أولى الدول استعانةً بها واستغلالاً لقدراتها في أغراضها العسكرية، واستخدمتها على نطاق واسع ضد الفلسطينيين بعد الانتفاضة الثانية"، بحسب الجفا.

ويشير إلى أن "إسرائيل انتقلت بالمسيرات من تنفيذ عمليات الاغتيال إلى إدارة معارك هجومية والتحكم بالقوات الأرضية أيضاً، فالتكنولوجيا المتطورة التي امتلكتها أعطتها قدرة إضافية على الاستهداف الدقيق".

ويوضح أن "العمليات العسكرية المتتالية ضد غزة كانت فرصة ذهبية اقتنصتها شركات الصناعات الجوية العسكرية الإسرائيلية لتجربة المسيرات واختبارها في زمن الحرب وتطوير وتحديث قدراتها على أرض الواقع".

أستاذ أنثروبولوجيا العلوم العسكرية في جامعة "كولومبيا البريطانية" الكندية، هيو جوسترسون، الذي أعدَّ ورقة بحثية حول النزعة العسكرية الجديدة التي خلقتها حروب الطائرات بدون طيار، يقول إن "أميركا استمرّت لوقتٍ طويل في إدانة عمليات الاغتيال بالطائرات خارج النطاق القضائي، وهو ما تغيّر في عام 2001 حين بدأت حربها على الإرهاب".

يشرح جوسترسون لـ"ارفع صوتك": "وضعت أميركا برنامجاً لاستهداف قادة الجماعات الإرهابية باستخدام الطائرات بدون طيار استعانت فيه بالخبرة الإسرائيلية، ما أعطى الضوء الأخضر لتل أبيب بتنفيذ المزيد من هجمات الدرونز دون خوفٍ من الاعتراضات الأميركية. فعندما تنخرط القوى العظمى بالعالم في سلوكٍ ما، يسهّل ذلك على الآخرين فعل الشيء نفسه".

في السياق، يؤكد أستاذ الإعلام في جامعة "ديباو" الأميركية، كيفن هاولي، وهو صاحب دراسة عن تعامل الإعلام الأميركي مع استخدام الدرونز في الحرب على الإرهاب، أن "هذه الطائرات منحت العسكريين قدرات كبيرة على المراقبة وتنفيذ الاغتيالات دون التورط المباشر على الأرض".

"لذلك، فإن المسؤولين الأميركيين منذ عهد الرئيس جورج بوش الابن، اعتبروا أن ما تفعله إسرائيل من اغتيالات دقيقة، لا يختلف كثيرًا عن عمليات شبيهة لتصفية الإرهابيين في أفغانستان وأماكن أخرى. بناءً على ذلك باتت واشنطن أكثر تسامحاً مع هذه النوعية من العمليات، الأمر الذي أسهم في تحقيق المزيد من التطور على برنامج (الطائرات القاتلة) الإسرائيلي"، يبيّن هاولي لـ"ارفع صوتك".

صورة من تشييع الخبير الأمني هشام الهاشمي
من الرصاصة إلى الدرون.. 100 عام من الاغتيال السياسي في العراق
في العاشر من أبريل عام 2003، أي بعد يوم واحد من سقوط العاصمة بغداد بيد قوات التحالف الدولي ونهاية حكم نظام صدام حسين، قُتل مجيد الخوئي نجل المرجع الشيعي الراحل أبو القاسم الخوئي، ليفتتح بذلك تاريخ جديد من الدم والرصاص بعمليات الاغتيال السياسي في ما عرف بـ"عراق الديمقراطية الجديدة".

 

إطالة الحرب لأطول فترة ممكنة

يرى هاولي أن "الإسراف في قصف المناطق السكنية عشوائيا لن يخلق نظرة جيدة عن إسرائيل، بالتالي، فإن الاستعانة بالطائرات المسيّرة تمنح إسرائيل فرصة للتقليل من الخسائر في صفوف المدنيين، بالتالي تقليل المعارضة العالمية للحرب وإطالة أمدها لأطول فترة ممكنة، حتى تُحقق أياً من أهدافها".

ويعتبر أن "الحديث المستمر عن مميزات الدرونز في حرب غزة قد يكون مثالياً على المستوى النظري، لكن على أرض الواقع من الوارد جداً حدوث مشاكل، فقد تخطئ المعلومات الاستخباراتية ويُستهدف الشخص الخطأ، كما أن الازدحام الشديد في قطاع غزة يجعل من الصعب للغاية مهاجمة أي شخص من الجو دون قتل نساء أو أطفال أبرياء".

وعلى العكس، يقول هاولي، فإن "حماس وحزب الله وحتى الحوثيين في اليمن، يسعون أيضاً لإحراز تقدم في امتلاك هذه التكنولوجيا لأنها ستمنحهم قوة فعالة في تنفيذ عمليات عسكرية نوعية ضد إسرائيل دون تكلفة مادية أو بشرية كبيرة".

 

"درونز حماس"

يقول الباحث في كلية "دفاع الناتو" العسكرية، أندريا جيلي، إن "حماس تستخدم الدرونز بشكل مختلف عن إسرائيل، ويقتصر استخدامها على استغلال قُدراتها النارية كأنها مدفع هاون طائر دقيق، مثلما يفعل الجيش الروسي في أوكرانيا".

ويؤكد أن "استخدام حماس للطائرات المسيّرة ما يزال محدودًا، بسبب عدم قُدرتهم على صناعة طائرات ذكية وقوية قادرة على الطيران لمسافة طويلة وإصابة أهدافها بدقة، فالطريق طويل  أمامها لتحقيق ذلك".

من وجهة نظر محمد كمال الجفا، فإن "فرقاً شاسعاً بين الإمكانيات التي تملكها حماس وحزب الله وبين ما لدى إسرائيل في هذا المجال، وهو ما يظهر في نجاح معظم عمليات الاغتيال التي تقوم بها إسرائيل في غزة ولبنان وحتى سوريا، لأن أحدًا لا يمتلك تكنولوجيا رادعة لهذه التقنية القوية والسريعة".

ويوضح، أن "دائرة العمل العسكري لحركة حماس في الخارج، دشنت في عام 2005 مشروع الطائرات بدون طيار، وبدأت خطوات حثيثة لتحقيق هذا الأمر بقيادة المهندس التونسي محمد الزواري والمهندس الفلسطيني محمود فارس، وبحلول عام 2008 نجح فريق الزواري في إنتاج 30 طائرة مسيرة لكتائب القسام حملت اسم (أبابيل)".

 

النصر لِمَن؟

هل يحسم استخدام الأسلحة المتطورة الحرب لصالح إسرائيل؟ يقول الخبير العسكري الأميركي، جون أنتال، لـ"ارفع صوتك": "لا يوجد سلاح يضمن الفوز بالحرب. الحروب يخوضها البشر بالأسلحة، والأسلحة الأفضل مجرد ميزة إضافية، لكن القتال سيستمر طالما أن الجانبين على استعداد لخوضه من جديد".

من ناحيته، يرى القائد السابق لفوج "المجوقل اللبناني، جورج نادر، أن  "الطائرات المسيّرة لا تحسم الصراع، لكنها تؤثر فيه بشدة".

ويقول لـ"ارفع صوتك"، إن "إسرائيل تمتلك تكنولوجيا تتفوّق على التقنيات العسكرية الإيرانية التي تزوّد بها حزب الله وحماس، فالمسيّرات الإسرائيلية باتت قادرة على الطيران على ارتفاع 30 ألف قدم وإصابة أهدافها بكل دقة دون سماعها أو حتى رؤيتها بالعين المجردة، وهو ما ظهر في بعض عمليات حرب تموز (يوليو) في لبنان".

يضيف: "بشكل تقني، نجحت إسرائيل في تتبع صالح العاروري من خلال التكنولوجيا وصنعت عملية ناجحة ليس فيها أي هامش خطأ".

وعلى الرغم من تأكيد مصادر إعلامية، بأن اغتيال نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، صالح العاروري، كان بواسطة طائرة بدون طيار، نفى ذلك مصدر أمني لبناني في حديثه مع وكالة فرانس برس.

وقال المصدر (لم تسمّه)، إن "اغتيال العاروري حصل بواسطة صواريخ موجهة أطلقتها طائرة حربية، وليس عبر مسيّرة، وأطلقت الطائرة 6 صواريخ، اثنان منها لم ينفجرا. وصاروخان اخترقا سقف طابقين قبل أن يصيبا مكان اجتماع قادة حماس مباشرة".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

ملصق فيلم حياة الماعز
| Source: social media

أورد موقع "منظمة هيومن رايتس ووتش"، الثلاثاء، تقريرا عن ردود الأفعال المتعلقة بفيلم "حياة الماعز" الذي أثار ضجة كبيرة في السعودية، ودول أخرى.

وبدأت منصة "نتفليكس"، قبل أيام، عرض فيلم "حياة الماعز" (The Goat Life) الذي يرتكز على تجربة نجيب محمد، وهو عامل هندي وافد عمل في السعودية أوائل تسعينيات القرن الماضي، أُجبِر على رعي الماعز بعد أن علق في الصحراء.

والفيلم مقتبس من رواية "أيام الماعز" التي نُشرت في 2008 وكانت من الأكثر مبيعا، وكتبها عامل وافد آخر تحت اسم مستعار "بنيامين".

وأثار الفيلم ضجة عارمة في السعودية، إذ دعا مواطنون سعوديون إلى مقاطعة نتفليكس، على منصات التواصل الاجتماعي، معتبرين أن الفيلم "يبالغ بشكل كبير" في وصف حالة فردية عن انتهاك حقوق عامل وافد، ويعزز الصور النمطية السلبية عن الثقافة السعودية، وهو وصف قديم وخاطئ بالأساس لمعاملة السعودية لعمالها الوافدين.

ويرى تقرير "هيومن رايتس ووتش" أن الفيلم يبالغ على الأرجح في بعض عناصر قصة نجيب، لأغراض سينمائية، ويستند إلى حالة من تسعينيات القرن الماضي، إلا أن الانتهاكات التي يسردها "لا تزال مع الأسف واسعة الانتشار أكثر مما يود المنتقدين السعوديين على التواصل الاجتماعي الاعتراف به".

والانتهاكات المصورة في الفيلم تتمحور حول عزلة رعاة الماعز، وتشمل السيطرة غير المتناسبة على حياة العمال التي يتيحها نظام الكفالة السعودي، وتفشي انتهاكات الأجور ورسوم التوظيف الباهظة، والتعرض للحرارة الشديدة، وغياب إشراف الدولة.

ويقول تقرير المنظمة إنه تم توثيق جميع هذه الانتهاكات في السعودية ودول خليجية أخرى على مدى عقود. ورعاة الماشية الوافدون، مثلهم مثل عاملات المنازل، يعانون من بعض أسوأ الانتهاكات بسبب استثنائهم من قانون العمل السعودي، وغالبا ما يقعون ضحية الإتجار بالبشر والعزلة والاعتداء الجسدي.

لكن "هيومن رايتس ووتش" ترى أن محاولة رفض الوصف المزعج لانتهاكات حقوق العمال الوافدين بصفته عنصرية أو تشهير، أو محاولة صرف النظر باللجوء إلى "الماذاعنية" هي أساليب للتقليل من شأن الانتهاكات التي يتيحها نظام الكفالة، وهو نظام عنصري لإدارة العمل. 

وتضيف: "صحيح أن نجيب احتُجز على يد كفيل محتال انتحل صفة صاحب عمله واصطحبه من المطار، إلا أن نظام الكفالة التعسفي لا يزال قائما بعد 30 عاما من مغادرة نجيب للسعودية".

و"الماذاعنية" أو Whataboutism مصطلح  يشير إلى طريقة الرد على اتهام بارتكاب مخالفات، من خلال الادعاء بأن الجريمة التي ارتكبها شخص آخر مماثلة أو أسوأ، بحسب تعريف قاموس "وبستر".

ولفتت المنظمة الحقوقية إلى أن تحقيق الطموحات العالمية للسعودية المذكورة بالتفصيل في خطط "رؤية 2030"، بما في ذلك تقديم عرض استضافة "كأس العالم لكرة القدم للرجال 2034"، يعتمد إلى حد كبير على العمال الوافدين.

واعتبرت أنه إذا لم تعطِ السعودية الأولوية لتدابير جريئة لحماية العمال بموازاة مشاريعها الطموحة، سنشهد مزيدا من الروايات المشابهة لرواية نجيب، التي تفضح انتهاكات مرعبة التي يعاني منها العمال الوافدون في السعودية.