كلما قلّت مواردهم المالية، أو تأزمت الأوضاع الاقتصادية في بلدهم أكثر، يضطر اللبنانيون إلى التخلي عن أدوات ومواد تُساعد في تسهيل حياتهم اليومية. هذا ما فعلوه بعد أن ارتفعت أسعار الوقود، ومن بعده أسعار الحطب.
كان البديل الأول للمازوت (منتج نفطي شبيه بالديزل)، هو الحطب، لكن الأمر تغير بالنسبة للكثيرين.
يقول الخبير الاقتصادي باسل الخطيب لـ"ارفع صوتك": "ما عاد الحطب الملاذ الآمن للفقراء وذوي الدخل المحدود كبديل عن المازوت غالي الثمن بسبب ارتفاع الطلب عليه وتكلفة تقطيعه ونقله، وكلاهما يحتاج الوقود، مضافاً لها أجر اليد العاملة".
ويشير إلى أن "سعر برميل المازوت يساوي 160 دولار أميركي تقريباً، ويكفي بين 15 يوماً إلى شهر، بحسب برودة الطقس".
"أما الحطب، فيحتاج البيت للتدفئة بمقدار متر مكعب إلى متر ونصف المتر المكعب (نسبة القياس المتداولة) من الحطب، وهذا يساوي تقريباً 200 دولار أميركي (حطب السنديان مثلاً)"، وفقاً للخطيب.
بدائل خارجة عن المألوف
على وقع هذا الارتفاع في الأسعار، الذي يجعل الحطب صعب المنال للأغلبية، حيث نسبة الفقر متعدد الأبعاد الذي بلغ 82% وفقاً للأمم المتحدة، يلجأ الكثيرون لإحراق الكرتون أو مخلفات عصر الزيتون (الجفت) الذي يحصّلونه مجاناً من المعاصر، أو نشارة الخشب، من أجل الحصول على الدفء.
وفقاً للخطيب، فإن "البعض قد يخاطر باستخدام زيوت المحركات القديمة والفحم للتدفئة".
ونشرت قوى الأمن الداخلي اللبنانية في وقت سابق، إرشادات للذين يعتمدون على الفحم في الشتاء تفادياً لخطر الموت، منها "عدم إدخاله للبيت قبل إكمال عملية الاشتعال، وترك منفذ تهوية للمنزل، والتأكد من إخماد النار قبل الخلود للنوم".
بالنسبة لحسن شعبان، وهو أحد مالكي ورش النجارة، زاد الطلب بشكل كبير على نشارة الخشب وعلى قطع الأخشاب الصغيرة كبديل للتدفئة.
يقول لـ"ارفع صوتك": "كنا في السابق نوزع النشارة بشكل مجاني بالكامل على أصحاب مزارع الدجاج مثلا والحيوانات حيث تفرش داخل الحظائر للوقاية من البرد، لكن منذ بداية الأزمة، ازداد الطلب كثيرا وما عدنا قادرين على تأمين النشارة للجميع، حتى نحن صرنا نستخدمه للتدفئة".
تصبح النشارة وقطع الخشب الصغيرة بدائل للتدفئة بعد مزجها مثلاً بكمية قليلة من المازوت، وهي سريعة الاشتعال. الأمر كذلك بالنسبة لـ(جفت الزيتون) الذي يشتعل سريعاًَ بفعل الزيت فيه، كما تضاف إليه المحروقات ويسمح بنشر الدفء في وقت قصير.
حطّابون "بلا قيود"
"الفقر كافر وقد يدفع بالناس لممارسات ربما أنفسهم لا يرضون عنها، لكن لا حلول أخرى"، يقول رئيس اتحاد بلديات إقليم الخروب الشمالي، المحامي جورج طانيوس الخوري.
ويضيف لـ"ارفع صوتك" أن "جامعي الحطب ينطلقون نحو الأحراش فيقومون إما بالتشذيب، أي بجمع الأغصان والأعواد، أو اقتلاع الأشجار من الجذور. يؤدي هذا إلى التصحر، وقد ندفع الأثمان الباهظة في السنوات المقبلة".
وعن دور البلديات في تنظيم عمليات التحطيب، يوضح الخوري، أنها "تعجز أحياناً بسبب عدم قدرتها على قمع المخالفات، أو غياب المؤازرة من القوى الأمنية في أحيان أخرى. كما تلعب المحسوبيات دوراً، إذ يستفيد البعض من التغطية".
تدفئة المدارس "خارج" الأولويات
من المنازل إلى المؤسسات التعليمية، يتفاوت الوضع داخل المدارس تبعاً للمناطق، ويختلف بين الحكومية والخاصة.
داخل المدارس الحكومية حيث الميزانية مرتبطة بقرار وزارة التربية، تنتظر بعضها خاصة في المناطق الأكثر حرماناً مثل عكار العتيقة، توفر المحروقات لتأمين التدفئة.
تأسف صفا سليمان التي تدرّس منذ 12 عاما، لأن "التدفئة معدومة ودرجة الصقيع مرتفعة".
تقول لـ"ارفع صوتك": "أوصي طلابي بارتداء الجاكيت والتزود بالشال والقبعة وعدم خلعها في الصف، واقترحتُ مع عدد من الزملاء التكفل بدفع ثمن المحروقات، لكنه لم يلق قبول الجميع، ولم نحرجهم لأننا نعلم مدى ارتفاع تكاليف الحياة".
"وفي مدارس أخرى، يُعتمد على الخيّرين من أصحاب الأيادي البيضاء لتأمين أسعار المحروقات وتدفئة الصفوف"، تضيف المعلمة سليمان.
ومنذ عام ٢٠١٦ شددت منظمة "اليونيسيف" على ضرورة تأمين التدفئة في المدارس اللبنانية، حرصاً على جودة التعليم في الفصول الباردة.
على مستوى وزارة التربية، يترك الوزير حرية القرار للمدارس لفتح أبوابها أو إغلاقها أمام الطلاب في أيام الصقيع، وتعمد الكثير منها إلى تعطيل الدوام، بسبب عدم القدرة على وصول الحافلات مع تراكم الثلوج وارتفاع تكلفة التدفئة، عدا عن انقطاع الكهرباء، الأمر الذي يؤثر على جودة التعليم.
وفي المدارس الخاصة، الحال سيّان، حيث تعتمد التدفئة على قدرة المدرسة على توفيرها، بالتالي، تؤمن للطلاب الأيسر حالاً، إذ تُضاف زيادة كلفة التدفئة على الأقساط.
