صورة تعبيرية من السودان
صورة تعبيرية من السودان

حل "الاستقطاب المجتمعي" ضمن قائمة ثلاثة أقوى مخاطر تهدد العالم في الوقت القريب، وبالمرتبة التاسعة ضمن لائحة المخاطر طويلة الأمد، بحسب تقرير حديث للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

ويقصد بالاستقطاب المجتمعي، الانقسامات الأيديولوجية والثقافية داخل المجتمعات، والتي تؤدي إلى تدهور الاستقرار الاجتماعي، والجمود في عملية صناعة القرار، إضافة إلى إحداث اضطرابات اقتصادية وتزايدا في حدة التقاطبات السياسية، وفق تقرير دافوس.

وينظر إلى الاستقطاب المجتمعي، إلى جانب الانكماش الاقتصادي، على أنهما أكثر خطرين تأثيرا في "شبكة المخاطر العالمية"، إذ يعدان في الأغلب أكبر محركين لاندلاع سلسلة مترابطة من الأخطار التي تهدد العالم.

يعرّف تقرير دافوس "المخاطر العالمية"، بـ"احتمال وقوع حدث أو ظرف من شأنه، أن يؤثر سلبا على نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، والسكان أو الموارد الطبيعية". 

الاستقطاب المجتمعي والمعلومات المضللة

ويرتبط الاستقطاب المجتمعي بشكل وثيق بانتشار خطر المعلومات الخاطئة والمضللة الذي جاء في المرتبة الأولى في قائمة أقوى المخاطر العالمية على المدى القصير، حيث يشير التقرير إلى أن المجتمعات المستقطبة أكثر ميلا إلى الثقة بالمعلومات التي تؤكد معتقداتها، سواء كانت هذه المعلومات صحيحة أو كاذبة.

ويؤكد خبراء استقى التقرير آراءهم، أن انتشار المعلومات الخاطئة والمضللة يرتبط بشكل ملحوظ بخطر اتساع رقعة الاستقطاب المجتمعي، إذ أنهما يساعدان على تضخيم بعضهما البعض.

ويورد معدو التقرير، أن فشل بعض الحكومات والمؤسسات التي تعمل على حماية حرية التعبير والحريات المدنية، في العمل بشكل فعال للحد من المعلومات المزيفة والمحتوى الضار، يجعل معرفة "الحقائق" مثار جدل وانقسام متزايد في المجتمعات.

ويقول التقرير، إن المعلومات المضللة والأخبار الكاذبة لا تستخدم كمصدر لزرع بذور مزيد من الاستقطاب في المجتمع فحسب، بل أيضا للسيطرة، من قبل الجهات المحلية الفاعلة الساعية لتحقيق أجندات سياسية.

تأثير الاستقطاب على التماسك الاجتماعي

وتسهم العوامل المسببة للاستقطاب، مثل الانقسامات السياسية والصعوبات الاقتصادية التي تواجهها بعض المجتمعات، في  "تقويض الثقة وتقليص الإحساس المشترك بالقيم التي تجمع أفرادها"، وفقا للتقرير. 

واعتبر المصدر ذاته، أن الاستقطاب الاجتماعي، لا يؤثر فقط على الانتماءات السياسية، بل يشمل أيضا تصورات أفراد المجتمع المستقطب بشأن عدد من "الحقائق"، مما يشكل تحديا خطيرا للتماسك الاجتماعي، بل وحتى على صحتهم العقلية.

ووفق التقرير، عندما تطغى المشاعر والأيديولوجيات على الحقائق، يمكن للروايات المضللة أن تتسلل إلى الخطاب العام بشأن قضايا متعددة، تشمل قطاعات الصحة والتعليم والبيئة، وصولا إلى العدالة الاجتماعية وغيرها.

ويمكن أيضا للاستقطاب المجتعي أن يغذي العداء، الذي قد ينطلق من التحيز والتمييز في أماكن العمل مثلا، قبل أن يتطور إلى احتجاجات عنيفة وجرائم كراهية وإرهاب.

ويذكر التقرير أيضا، أن  بعض الجهات الحكومية وغيرها، قد تستغل انتشار المعلومات الكاذبة واتساع هوة الانقسامات في وجهات النظر المجتمعية، من أجل تقويض ثقة المواطنين في المؤسسات السياسية، وبالتالي تهديد التماسك المجتمعي والوطني.

ويترك تآكل التماسك الاجتماعي، بدوره،  مجالا واسعا لبروز مخاطر جديدة، قد تكون أكثر تأثيرا، مثل تراجع منسوب الحرية والانتهاكات الحقوقية وغيرها.

من الاستقطاب الاجتماعي إلى السياسي

وتُترجم الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية في الأغلب إلى انقسامات سياسية، وفق تقرير سابق للمنتدى الاقتصادي العالمي، لفت إلى أن الانتخابات والاستفتاءات والاحتجاجات الأخيرة في جميع أنحاء العالم، اتسمت كلها بالاستقطاب بشأن قضايا خلافية، تشمل الهجرة، والحقوق الإنجابية، والانتماء العرقي والديني، والمناخ.. 

وشدد المصدر ذاته، على أن عواقب الاستقطاب المجتمعي هائلة، وتتراوح من التأثير على النمو الاقتصادي إلى  تصعيد الاضطرابات المدنية وتعميق الانقسامات السياسية.

ويسهم الاستقطاب المتزايد في تدهور مستوى الديمقراطية بالعالم وما يصاحب ذلك من تزايد أعداد الأنظمة الاستبدادية أو الديمقراطيات الهجينة، حيث أشار التقرير إلى  ارتفاع نسبة سكان العالم الذين يعيشون في بلدان استبدادية من 5 بالمئة في عام 2011 إلى 36 بالمئة في عام 2021.

وحتى العام الماضي، يعيش 13 بالمئة فقط من سكان العالم، في ظل ديمقراطية ليبرالية، مقارنة بـ 44 بالمئة يعيشون تحت ظل حكم استبدادي، وفقا لأرقام عن المنتدى.

وفي تحليله لعلاقة الاستقطاب بأنظمة الحكم، يورد المصدر ذاته، أن الانقسامات المجتمعية، تدفع نحو اعتماد برامج سياسية قصيرة الأجل وأكثر تطرفا، تخدم في الأغلب، جانبا واحدا من السكان،  على حساب باقي أفراد المجتمع.

وعلى هذا النحو، يمكن أن تشعر نسبة كبيرة من السكان بـ"الاغتراب والغضب" من القيادة في الفترة التالية، مما يؤدي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى ظهور اضطرابات مدنية وتراجعا في المؤشرات الاقتصادية لهذا البلد، محدثا كذلك، تراجعا في الثقة بالمؤسسات، ومعها انخفاض المشاركة السياسية. ليعاد بذلك، تشكل عملية استقطاب مجتمعي جديدة.

وحللت أستاذة العلوم السياسية بجامعة جورجيا الأميركية، جينيفر مكوي، في ورقة بحثية تأثيرات الاستقطاب الاجتماعي الشديد على الديمقراطية، مؤكدة أنه "يضعفها ويهددها".

وذكرت الأستاذة الجامعية، على أنه في الديمقراطيات السليمة ينظر إلى الخصوم على أنهم منافسون سياسيون ولكن قد يكونون أيضا مفاوضين، وفي المقابل ينظر إليهم بالديمقراطيات شديدة الاستقطاب على أنهم "عدو ينبغي هزمه".

وكشفت نتائج مشروع بحثي بشأن الاستقطاب والديمقراطية، في 11 دولة، أنه عندما يصور القادة السياسيون خصومهم على أنهم غير أخلاقيين أو فاسدين، فإنهم ينشئون معسكرات عبارة عن: "نحن" و"هم".

وبناء على هذا التقسيم ينظر كل معسكر إلى الآخر بانعدام ثقة وتحيز وعداوة متزايدة، ويعتبر أن المعسكر المنافس (الحزب أو المرشح السياسي) سيشكل تهديدا للأمة أو لأسلوب حياتهم إذا وصل إلى السلطة.

ويؤدي هذا الوضع إلى بروز سلوكيات استبدادية للبقاء في السلطة لدى المعسكر الفائز في الانتخابات مثلا، ويدفع الجانب المعارض إلى إبداء استعداد للجوء إلى وسائل غير ديمقراطية، مثل الانقلابات أو الاحتجاجات العنيفة، من أجل الإطاحة بهم.

كيف يمكن مواجهة الاستقطاب المجتمعي والسياسي؟

يؤكد الباحثان السياسيان، توماس كاروثرز وأندرو أودونوهيو، على أن من الصعب للغاية مواجهة أو معالجة الانقسامات المجتمعية الحادة، معتبران أن النتائج التي تترتب على حالة الاستقطاب تكون دائما "قاسية"، وتحفز في المقابل ظهور حالات استقطاب أوسع وأكثر سرعة انتشارا، مما يصعّب جهود حصرها.

ولكن بالرغم من هذه التحديات، أكد الباحثان في ورقة بحثية منشورة على موقع مؤسسة "كارنيجي" لأبحاث السلام، أن مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة عمدت إلى استخدام طرق مبتكرة لمعالجة المشكلة ــ وحققت في بعض الأحيان نتائج مشجعة.

وعدّد الباحثان، ثمانية أنواع مختلفة من الإجراءات العلاجية، تشمل إطلاق مبادرات للحوار والنقاش، وإدخال إصلاحات على  مؤسسات البلاد، مثل القضاء وإعادة تنظيم عملية التعيين في مناصب القرار وتأهيل الإعلام.

وذكر الباحثان السياسيان، أن دولا لجأت إلى إقرار إصلاحات مؤسسية مثل اعتماد نظام إدارة لامركزي في تدبير السلطة أو موارد الدولة، أو تغييرات في قواعد الانتخابات أو حتى قوانين البلاد ودستورها.

ومع ذلك، يقول كاروثرز وأودونوهيو، أن هذه الإجراءات كلها تبقى "صغيرة" مقارنة بـ"القوى الأكبر" التي تسبب الاستقطاب، مشيرين إلى أن "الديمقراطيات بحاجة للارتقاء إلى مستوى هذا التحدي بطرق جديدة وحازمة، إذا ما هي أرادت السباحة بنجاح ضد تيار الاستقطاب العالمي المتضخم".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

لاعبة التنس العراقية نجلاء عماد المشاركة في بارالمبياد باريس 2024- أرشيف
لاعبة التنس العراقية نجلاء عماد المشاركة في بارالمبياد باريس 2024- أرشيف

في ختام أغسطس الماضي انطلقت الألعاب البارالمبية في العاصمة الفرنسية باريس، يشارك فيها آلاف اللاعبين بدرجات إعاقة جسدية متفاوتة.

وتشهد كل دورة بارالمبية عادةً، مشاركة العديد من مصابي الحروب والنزاعات المسلحة حول العالم، كما حصل في دورة طوكيو 2020 مثلاً، حين شارك لاعب التايكوندو بارفيت هاكيزيمانا كأحد أعضاء فريق اللاجئين. 

لاقى بارفيت المتاعب منذ ولادته بسبب الحرب الأهلية التي عاشتها بلاده رواندا، فعندما كان عمره 8 سنوات، تعرض المخيم الذي عاش فيه إلى هجوم أفقده والدته وأصابه برصاصة خلّفت إعاقة دائمة في ذراعه.

في 2015 غادر بدأ ممارسة الرياضة التي مكّنته من التعافي والارتقاء بمستواه حتى تقرّر ضمّه إلى فريق اللاجئين البارالمبي.

وشهدت دورة لندن البارالمبية 2012 مشاركة العدّاء الفرنسي من أصل بوروندي جان بابتيست أليز (Jean-Baptiste Alaize) الذي كان طفلاً أثناء اشتعال الحرب الأهلية في بلده، حين هاجم مسلحون منزل عائلتته فقتلوا والدته وقطعوا ساقه بالساطور.

تبنتته عائلة فرنسية، وحظي برعاية رياضية مكنته من خوض تنافسات محلية ودولية، ليُظهر تفوقاً في رياضة الجري، ما سمح له بخوض بطولة العالم لألعاب القوى في نيوزيلندا عام 2011 ودورة لندن البارالمبية 2012.

في المقال، نتعرف على أبرز اللاعبين المشاركين في بارالمبياد باريس، الذين أصيبوا بإعاقات جرّاء الإصابة في الحروب التي شهدتها بلدانهم.

من قلب النزاعات إلى حضن الملاعب: لاجئون في أولمبياد باريس
يشهد أولمبياد باريس المرتقب هذا الشهر حدثاً فريداً وهو مشاركة أكبر فريق للاجئين على الإطلاق، إذ يضم 36 فرداً من 11 دولة خضعوا لبرامج تأهيل مكثفة سمحت لهم بتحقيق أرقامٍ رياضية مميزة، فأهّلتهم للمشاركة في هذا الحدث الرياضي الهام.

العراقية نجلاء عماد

في عام 2008 وبينما كانت نجلاء ذات الأربع سنوات تستعد لاستقبال والدها أثناء عودته من العمل، استُهدفت سيارته بعبوة ناسفة.

نجى الأب بحياته من الحادث أما الطفلة الصغيرة فقد تعرضت لإصابات بالغة أدّت إلى بتر ساقيها الاثتنين وذراعها الأيمن.

مرّت الطفلة الصغيرة بفترة صعبة تمنّت فيها الموت بعد فقدانها أطرافها الثلاثة إلا أنها وجدت الملاذ في الرياضة بعدما بدأت في ممارسة تنس الطاولة وهي في العاشرة من عُمرها.

حققت نجلاء نجاحاً كبيراً مكّنها من التألق في البطولات المحلية ثم خوض تنافسات بارالمبياد طوكيو 2020.

وفي دورة الألعاب الآسيوية التي أقيمت في الصين عام 2023، تمكنت نجلاء من حصد ذهبية.

البوسني صباح الدين ديلاليتش

خلال حصار سراييفو سنة 1992 تعرض صباح الدين للإصابة بفعل قذيفة دبابة أدت إلى إصابة حتّمت بتر جزء من ساقه اليُمنى.

بعد إصابته اتجه إلى لعب الكرة الطائرة، وهي الرياضة التي حقّق فيها تفوقاً لافتاً ومستمراً حتى بات أحد أساطير اللعبة في بلاده بعدما ساعد المنتخب البوسني على الفوز بـ27 ميدالية في المسابقات الدولية بما فيها ميداليتان ذهبيتان في البارالمبياد.

مُنح صباح الدين وسام "السادس من أبريل" وهو أعلى وسام تقدّمه مدينة سارييفو لتكريم أبنائها المتميزين، وفي 2022 اختير أفضل رياضي في البوسنة والهرسك.

يُزامل صباح الدين زميله إرمين جوسوفوفيتش الذي خسر ساقه بسبب الحرب أيضاً بعدما انفجر بجانبه لغم بعد أكثر من عام على انتهاء الحرب.

رياضيون فلسطينيون يحملون "معاناة غزة" إلى أولمبياد باريس
أكد الرياضيون الفلسطينيون الذين سوف يمثلون بلادهم في الألعاب الأولمبية الصيفية في باريس أنهم قادمون للتعبير عن المعاناة التي يعيشها سكان قطاع غزة بسبب الحرب التي تدورها رحاها منذ نحو تسعة أشهر بين الجيش الإسرائيلي وحركة حماس المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى.

الفلسطيني فادي الديب

في حفل افتتاح دورة باريس اقتصر الوفد الفلسطيني المشارك بالبطولة على فردٍ واحد هو فادي الديب، الذي سيخوض تنافسات رمي القرص في البطولة. 

في الوقت نفسه، يلعب الديب كرة السلة على مستوى المحترفين من ذوي الإعاقة.

في 2001 ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية كان فادي شاباً صغيراً في الثامنة عشرة من عُمره، خلال مشاركته في التظاهرات أصيب برصاصة إسرائيلية أدت إلى شلله.

بعد فترة تأهيل طويلة قرّر فادي التغلّب على الإعاقة بممارسة الرياضة؛ فلعب كرة السلة لثلاثة أعوام، ثم انتقل منها إلى ألعاب القوى. ويعيش الديب خارج قطاع غزة منذ سنوات عديدة بسبب خوضه المباريات كلاعب 

السوري إبراهيم الحسين

بدأ إبراهيم الحسين ممارسة السباحة منذ أن كان في الخامسة من عُمره وهي الرياضة التي انتظم في تدريباتها حتى اندلعت الثورة الشعبية عام 2011.

في 2012 شهدت مدينته دير الزور اشتباكات عسكرية عنيفة بين الجيش السوري والفصائل المسلحة المعارضة لرئيس النظام السوري بشار الأسد.

تعرض أحد أصدقاء إبراهيم للإصابة بسبب انفجار قنبلة بجواره، وخلال انشغال إبراهيم بإسعافه تعرّض هو الآخر لهجومٍ صاروخي أفقده قدمه اليمنى. وبعد ثلاثة أشهر من إصابته، قرّر مغادرة سوريا إلى أوروبا، لتبدأ رحلة اللجوء بالهروب عبر تركيا ثم اليونان، وفيها نال رعاية طبية متقدمة وحصل على طرف صناعي مجاناً.

كما بدأ التدرب على السباحة مجدداً في اليونان وحقق نجاحاً لافتاً دفع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لضمّه إلى فريق اللاجئين الذي خاض أولمبياد ريو دي جانيرو 2016 ضمن الفريق البارالمبي وحمل حينها شعلة الأولمبياد.

شارك الحسين أيضاً في أولمبياد طوكيو 2020  ضمن الفريق البارالمبي، ويستعد للظهور الأول في سباقات دورة باريس الحالية.