على إحدى الطرق في العاصمة اللبنانية بيروت، تتقاطع أربعة خطوط معاً في آن واحد، تكاد السيارات تصطدم ببعضها، أو تُطيح بشرطي السير الذي يحاول إنقاذ الوضع أمام تسونامي الآليات المتدافعة، وسط تعطّل إشارات المرور.
الحال سيّان في مدينة صيدا الجنوبية، حيث يضاعف شرطي مرور جهوده لتفادي حادث، سيكون في ما لو جرى، كارثياً على أقل تقدير.
ودليل السلامة المرورية الذي يوفره الجيش اللبناني على موقعه الرسمي يشدد على ضرورة الالتزام بالإرشادات تفاديا لحوادث السير ويسرد من ضمن المسببات الرئيسية لها، العوامل البشرية والمناخية والآلية بالإضافة إلى عامل الطريق الذي يذكر عدم كفاية أعداد إشارات المرور المتوفرة.
يمكن إضافة عامل جديد، وهو تعطّل إشارات المرور المتوفرة في أغلب مناطق تواجدها داخل لبنان، نتيجة انقطاع التيار الكهربائي عنها إثر الأزمة الاقتصادية والتقاعس عن متابعة أعمال الصيانة.
هذا الوضع يهدد المشاة والسائقين وحتى شرطة السير.
يقول مؤسس جمعية "اليازا" المتخصصة بالتوعية المرورية، المحامي زياد عقل، إن "الإشارات الضوئية مرتبطة بممرات المشاة (الخطوط البيضاء)، وعلى الإشارة مفتاح خاص لتأمين عبورهم، لكن مع الأسف المشكلة مضاعفة هنا، فلا ممرات متوفرة دائما للمشاة ولا كهرباء لأضواء الإشارة وأحيانا لا انتظام في حركة السير قبل خط المشاة إن توفر".
تحدثنا إلى شرطي مرور من بيروت، طلب عدم الكشف عن اسمه، ويقول إن "الإشارات الضوئية عاطلة تماماً عن العمل منذ سنوات، وتقع مسؤولية إنارتها على البلدية، لكنها تتنصل من ذلك وتنتظر أصحاب الأيادي البيضاء (المتبرعين)، الذين وفروا الكهرباء من اشتراكات المولدات لبعض الإشارات، لكنهم لن يتولوا جميعها في لبنان".
ويشدد الشرطي على ضرورة "التحرك لأن الخطر كبير" وفق تعبيره".
ويضيف: "كل ما يتطلبه الأمر تأمين 10-15 أمبير من الكهرباء بـ300 دولار أميركي شهرياً أو تأمين ألواح بسيطة للطاقة الشمسية، وإلا فإن الوضع سيكون مأساوياً".
يعرب عن شعوره المستمر بخطورة عمله ضمن هذه الظروف ويقول: "تخيل أن شرطي السير يخاف العمل بعد الساعة الرابعة مساءً مع اقتراب الغروب خوفاً من ألا يراه السائقون حتى وهو يرتدي سترته الفسفورية، وفي موسم الأمطار، حدث ولا حرج، يقف الشرطي في منتصف التقاطع بينما المطر ينهمر عليه دون أي عازل أو حماية".
مبادرات فردية
في ظل التقاعس المرتبط بغياب الدولة منذ تفجر الأزمات عام 2019، وحدها المبادرات الفردية تسمح بتوفير حلول مؤقتة. على مستوى الكهرباء في المنازل، لجأ اللبنانيون للوحات الطاقة الشمسية للاستقلال عن مؤسسة كهرباء لبنان الرسمية مع انخفاض ساعات التغذية إلى ساعتين في اليوم وأحيانا إلى صفر.
ينطبق ذلك على الإشارات الضوئية، حيث عملت بعض الجمعيات على صيانتها وربطها بألواح توفر لها الطاقة الشمسية.
يبين زياد عقل، أن "الكثير من الجمعيات والبلديات باشرت في التصليحات قدر المستطاع للإشارات الضوئية المتواجدة على 220 تقاطعاً، واعتمدت مبادرات مثل تأمين بطارية (يو بي إس)، لكن المشكلة كانت بعدم وجود تمويل لعقد الصيانة".
مع ذلك، ما تزال المشكلة موجودة على الرغم من بعض التحسن بفضل المبادرات الأهلية ومبادرات بعض البلديات، بحسب عقل، الذي يشير إلى إحداها، وهي "Rebearth Beirut"، التي قامت بتصليح العشرات من الإشارات الضوئية في منطقة الأشرفية.
ويتابع: "نسعى اليوم لتأمين مثل هذه المبادرات في المناطق الأخرى ونشجعها ونتعاون معها ليس فقط في بيروت الكبرى، بل في أماكن أخرى".
تعطّل الإشارات "معلم سياحي"
في مفارقة ربما الأغرب من نوعها، تحولت مشكلة تعطل الإشارات الضوئية في لبنان، إلى أحد مصادر الجذب للسياح القادمين إلى البلد الذي يعيش أزمة متصاعدة على مختلف المستويات منذ عام 2019.
على أحد التقاطعات، يصور أحد السواح فيديو لإشارات السير يعبر فيه عن المفاجأة من الانسيابية والتناغم على الطرقات الضيقة رغم غياب أهم العناصر (إشارات المرور)، وهو أمر لم يألفه في بلده.
ويصف الكثير من المواطنين اللبنانيين إشارات المرور بأنها "مجرد ديكور"، إما لانقطاعها التام عن العمل أو تعمل "كشجرة ميلاد" وفق تعبير البعض، حين تكون ألوان الإشارة الثلاثة مضيئة في نفس الوقت، مسببةً الارتباك للمارّة وللسائقين.
في كل الأحوال، حتى ولو حلت المشكلة، يطرح مؤسس جمعية "إليازا" علامة استفهام أخرى "إذا ما استطعنا العودة إلى ما قبل الأزمة وأُصلحت الأعطال، هل يلتزم الجميع أصلا بالإشارات الضوئية؟".
