في عام 1979، اندلعت الثورة في إيران، وسرعان ما نجح الثوار في إسقاط النظام الشاهنشاهي الحاكم وإقامة نظام جديد تغلب عليه الصفة الإسلامية.
آية الله الخميني الذي قاد تلك الثورة، آثر أن يشغل منصباً جديداً في هيكل السلطة الثورية، وهو المنصب الذي عُرف بقائد الثورة الإسلامية أو الولي الفقيه.
وحددت المادة الخامسة من الدستور الإيراني الجديد سلطة وصلاحيات قائد الثورة فنصت على "أن ولاية الأمر وإمامة الأمة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية في زمن غيبة المهدي تكون بيد الفقيه العادل المتقي العالم بأمور زمانه، الشجاع الكفؤ في الإدارة والتدبير...".
بموجب تلك المادة صار منصب قائد الثورة هو أقوى المناصب في السلطة الإيرانية على الإطلاق.
بعد وفاة الخميني عام 1989، خلفه في المنصب علي خامنئي، وظل على قمة السلطة حتى الآن.
لكن، مع تدهور حالته الصحية على فترات متقاربة، ومع اقتراب عمره من الخمس وثمانين عاماً، بدأت الكثير من الأصوات داخل إيران وخارجها في التساؤل حول مستقبل المنصب الأهم في الدولة.
تشابك السلطة في إيران
نظام الحكم في إيران معقد إلى حد كبير، فهو قائم على مشاركة عدد من المؤسسات المختلفة، بحيث تتوزع السلطة عليهم جميعاً، وفق اختصاصات وصلاحيات محددة ينص عليها الدستور الإيراني.
من تلك المؤسسات، الرئاسة ومجلس تشخيص مصلحة النظام، ومجلس الخبراء، ومجلس صيانة الدستور، ومجلس الشورى، بالإضافة إلى السلطة القضائية.
تبقى كل تلك الهيئات خاضعة لسلطة مرشد الثورة الإسلامية، الذي يتدخل في تعيين واختيار قيادات وأعضاء المؤسسات السابقة بشكل أو بآخر. ومن هنا يستمد المرشد/ الولي الفقيه قوته ونفوذه.
كيف يُختار الولي الفقيه؟
لن يكون لرجال الدين الحق وحدهم في اختيار خليفة خامنئي، خاصة أن الساحة السياسية الإيرانية تشهد منذ فترة صراعاً عنيفاً بين الأحزاب والاتجاهات المحافظة من جهة، والتيارات الإصلاحية من جهة أخرى، كما يقول الخبير في الشؤون الإيرانية هيثم مزاحم، رئيس "مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط".
ويضيف لـ"ارفع صوتك"، أن "مسألة اختيار خليفة خامنئي ستخضع لآراء ورغبات عدد من القوى والمؤسسات المختلفة داخل الدولة الإيرانية، إذ يكفل الدستور الإيراني عملية اختيار الولي الفقيه لعدد من الجهات القوية، أهمها مجلس صيانة الدستور، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، والحرس الثوري، والحوزة العلمية بقم المقدسة".
من الناحية الإجرائية التنظيمية، يتابع مزاحم، سيُلقى العبء الأكبر في تلك العملية على عاتق مجلس الخبراء.
ووفقاً للدستور الإيراني وفي حالة خلو منصب المرشد الأعلى للثورة، يُكلف مجلس الخبراء المكون من 86 شخصية مُنتخبة من رجال الدين الإيرانيين بمهمة اختيار المرشد الأعلى الجديد، وبعدها، تؤيد باقي مؤسسات الدولة هذا الاختيار تباعاً، ليُعين المرشد الجديد في منصبه بشكل رسمي.
تساؤلات عديدة تُطرح بشأن من هي الشخصيات المرشحة لخلافة خامنائي.
إبراهيم رئيسي
ولد إبراهيم رئيسي في مدينة مشهد الإيرانية عام 1960، وتلقى تعليمه الديني على يد العديد من مراجع الشيعة المعروفين في كل من مشهد وقم. في الوقت نفسه درس الحقوق في الجامعة ونال درجة الماجستير في الحقوق الدولية، ودرجة الدكتوراة في فرع الفقه.
شارك رئيسي في أحداث الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩، وشغل العديد من المناصب الإدارية والقانونية، كمنصب النائب الأول لرئيس مجلس خبراء القيادة، ورئاسة السلطة القضائية في إيران، واشتهر وقتها بشعاراته التي نادت بضرورة القضاء على الفساد المستشري في مفاصل الدولة.
في عام 2016، اختاره علي خامنئي ليشغل منصب "سادن العتبة الرضوية المقدسة"، وهي الجهة المختصة والمسؤولة عن ضريح الإمام الرضا في مدينة مشهد، الذي يشهد تدفق ملايين الزائرين سنوياً للزيارة والتبرك، ويُعتبر واحداً من أهم الموارد الاقتصادية في البلد.
مع صعود نجمه في سماء السياسة الإيرانية، ترشح رئيسي عام 2017 للانتخابات الرئاسية، فحصل على قرابة 16 مليون صوت، لكنه خسر المعركة الانتخابية أمام الرئيس السابق حسن روحاني، الذي تفوق عليه بأكثر من سبعة ملايين صوت.
أعاد الكَرّة عام 2021، ليفوز بتفوق كاسح على منافسيه.
يقول الشيخ غريب رضا، مدير "رابطة الحوار الديني للوحدة في إيران" لـ"ارفع صوتك"، إن "حظوظ رئيسي مرتفعة في خلافة خامنئي لعدة أسباب، منها أنه سيد، يتصل نسبه بالنبي محمد، الأمر الذي يضمن له تأييد قسم كبير من العلماء وطلبة العلم في حوزة قم المقدسة. وأيضاً بسبب الثقة الكبيرة التي يحظى بها رئيسي من خامنئي من جهة والحرس الثوري الإيراني من جهة أخرى، حيث يعتبراه شخصاً مناسباً لقيادة النظام في المرحلة القادمة".
مجتبى خامنئي
ابن المرشد الأعلى للثورة، والرجل القوي الذي مكنته صلته العائلية بالمرجع الأعلى من الاستحواذ على نفوذ كبير في السلطة الحاكمة، وصنع علاقات قوية ووطيدة بمؤسسات الحكم المختلفة في الدولة، كما تؤكد الكثير من التقارير أنه المسيطر الفعلي على عدد من القطاعات الاقتصادية داخل إيران.
مؤخراً، تطرقت تقارير إعلامية عديدة لمسألة خلافة خامنئي، بعد أن كشفت وثائق مسربة في موقع "ويكليكس" أن المرشد الأعلى يحضّر ابنه الذي تلقى تعليماً دينياً ليخلفه في منصبه.
لكن، يشكك الكثير من الخبراء في تلك المعلومات، ويعدّونها من قبيل الحملات الدعائية المعادية للنظام الإيراني الحاكم.
يؤكد كل من غريب رضا وهيثم مزاحم بأن "لا نية لدى القيادة السياسية في إيران للتوجه نحو سيناريو التوريث، وأن الطريق الذي سارت عليه دول عربية في السنوات السابقة لن يجدي نفعاً في الحالة الإيرانية، بسبب تعارضه الصارخ مع مبادئ وقيم الثورة الإسلامية".
مع كل نقاط القوة التي يحظى بها مجتبى خامنئي لخلافة والده، إلا أن هناك مجموعة نقاط ضعف واضحة قد تعرقل سعيه للوصول إلى المنصب الأهم في الدولة، أبرزها أنه بعيد كل البعد عن الوظائف الرسمية داخل هرم السلطة والبيروقراطية الإيرانية، وهو الأمر الذي يفسره رضا، بأن "سياسة خامنئي تقضي بمنع أولاده منعاً باتاً عن التدخل في المناصب السياسية والاقتصادية الرسمية، ليكون ذلك أسوة لبقية المسؤولين لمنع استغلال أولادهم للمناصب والسلطات".
حسن الخميني
هو الحفيد الأكبر سناً لمفجر الثورة الإسلامية، آية الله الخميني، وواحد من المرشحين المحتملين لتقلد منصب الولي الفقيه.
من الأسباب الداعمة لترشيحه، صلاته العائلية، فبالإضافة لكونه حفيد الإمام الخميني هو كذلك ابن فاطمة الطبطبائي ابنة آية الله سلطاني الطبطبائي، كما يرتبط بصلة قرابة مع عائلة الإمام موسى الصدر، وزوجته حفيدة آية الله العظمى الأصفهاني.
كل تلك الصلات العائلية تصب في مصلحة الحفيد الذي يحظى بمكانة محترمة للغاية في الأوساط الشيعية عموماً، وفي الداخل الإيراني على وجه الخصوص.
وللخميني علاقة جيدة بالرئيس السابق حسن روحاني وحلفائه من الإصلاحيين. من هنا يمكن أن يكون الورقة الرابحة التي تتوافق حولها القوى السياسية المختلفة في إيران، في خضم الخلاف بين معسكري المحافظين والإصلاحيين في مرحلة ما بعد خامنئي، لكن العائق الأكبر بينه والمنصب، صغر سنه، حيث يبلغ من العمر (51 عاماً).
يقول مزاحم إن "بُعد حسن الخميني عن الاجتهاد الديني ورفضه من قبل قيادات الحرس الثوري، تُعدّ عوامل ضعف أخرى في سبيل وصوله إلى السلطة".
صادق لاريجاني
ولد صادق لاريجاني عام 1961 في مدينة النجف العراقية، وتعود أصول أسرته لإقليم مازندران شمالي إيران.
درس في المدارس النظامية وأتم المرحلة الابتدائية، ثم التحق بالدراسة الدينية في حوزة قم، ودرس في تلك الفترة على يد كبار العلماء، أمثال المرجع كاظم الحائري، والمرجع حسين وحيد الخراساني.
شغل لاريجاني مناصب متعددة في بعض المؤسسات السياسية الإيرانية، مثل مجلس الخبراء ومجلس صيانة الدستور. وفي عام 2009، اختاره خامنئي ليترأس السلطة القضائية في البلاد، وظل في المنصب عشرة أعوام متواصلة.
النقاط التي تدعم ترشيحه، تتعلق بقوة عائلته واتساع نفوذها في إيران بشكل غير محدود، حتى أن الكثيرين اعتبروها نموذجاً للعائلة الحاكمة في الجمهورية الإسلامية.
يتوزع أشقاء لاريجاني في كافة أجهزة ومؤسسات الدولة، ليشكلوا معاً شكل قوة لا ينبغي إهمالها أو إغفال أثرها، أول هؤلاء، هو علي لاريجاني الرئيس السابق للبرلمان الإيراني وكبير المفاوضين في الملف النووي سابقاً.
والثاني هو محمد جواد لاريجاني الأمين العام السابق للجنة حقوق الإنسان في إيران، أما الشقيق الثالث فهو الدكتور باقر لاريجاني، مستشار جامعة طهران للعلوم الطبية.
من جهة أخرى، تدعم علاقة صادق الطيبة بخامنئي فرص ترشيحه لخلافة المرشد الأعلى، بينما تتمثل العقبة الأبرز أمامه، في أن عائلته على رغم أهميتها ونفوذها، ليست من نسل الرسول محمد، الأمر الذي يضعف مكانته الروحية.
