من المقال "يدرك الجميع أنّ نصرالله ينفّذ إرادة الولي الفقيه"- أرشيفية
زعيم حزب الله حسن نصر الله مخاطبا مؤيديه من خلال شاشة كبيرة.

أثار الأمين العام لحزب الله اللبناني، حسن نصر الله، موجة من الجدل بين المواطنين اللبنانيين بعد تصريحات له ربط فيها بين اغتيال قيادات في "حزب الله" من قبل إسرائيل وبين الخروقات نتيجة استخدام الهواتف الذكية، داعياً مناصريه إلى "التخلي عن الهواتف الخلوية".

نصر الله قال في كلمة متلفزة: "الهاتف الخلوي هو جهاز تنصت.. على إخواننا في القرى الحدودية وفي كل الجنوب لا سيما المقاتلين وعائلاتهم الاستغناء عن هواتفهم الخلوية من أجل حفظ وسلامة دماء وكرامات الناس.. الخلوي هو عميل قاتل يقدم معلومات محددة ودقيقة".

نصر الله أضاف في كلمته أن "أغلب الحالات (الاغتيالات) التي تحدث، هي نتيجة الخلوي.. نحن نقوم بإجراءات داخلية. لكن يبدو أن الخليوي تحول إلى ما يشبه الأوكسيجين للناس، ولا يستطيعون العيش من دونه".

وتوجه إلى عناصره بالقول: "أنتم تعلمون أن هذا جهاز تنصّت وصوتكم وأصوات زوجاتكم وما يحدث في البيت والعمل تصل إلى الإسرائيليين. ومع ذلك يبقى العناصر متمسكون بالخلوي".

وتابع نصرالله بلهجة حازمة: "هذا أمر غير جائز من الناحية الشرعية في الحدّ الأدنى في مرحلة القتال والمعركة والتهديد وتعريض أمن وحياة الآخرين للقتل".

 

كلام نصرالله يكشف عن مدى الخرق الذي يتعرض له "حزب الله" في المواجهة التي يخوضها من حدود لبنان الجنوبية مع الجيش الإسرائيلي. وهو يكشف أيضاً أن التكولوجيا، وإن شكّلت في بعض مواضعها أداة دعم للمليشيات المسلحة في المنطقة، من مثل "حزب الله" والحوثيين والمليشيات العراقية التابعة لإيران، عبر المسيّرات وبعض التقنيات المتطورة المرتبطة بها، بالإضافة إلى الصواريخ الموجهة والذكية، إلا أنها تتحول، وبسبب التفوق التقني لدى الدول التي تواجهها هذه المليشيات، إلى نقطة ضعف قاتلة لدى هذه الجماعات، خصوصاً لجهة "اصطياد" قياداتها ومسؤوليها العسكريين عبر إصابات دقيقة.

الأمين العام لحركة "الجهاد الإسلامي" الفلسطينية زياد نخالة، كان اعترف في تصريحات تعود إلى مايو 2023 (أي قبل هجوم السابع من أكتوبر) أن اغتيال قادة الحركة بغارات إسرائيلية "ليس بسبب كفاءة العدو ولكن بسبب تصرفنا الذي لا يتناسب مع طبيعة معركتنا مع العدو". وتابع: "استخدام الهاتف الجوال هو أخطر شيء في قتالنا ويؤدي إلى اغتيالنا".

هذا الإقرار من نخالة يشبه إقرار نصر الله بتصريح علني بأن الخرق الأساسي الذي يعاني منه حزبه يرتبط بخرق شبكة الهواتف الذكية، والقدرة على تحديد تحركات القيادات أو المقاتلين عبر تتبّع الهواتف التي يحملونها، والمتصلة بمعضمها بخدمة الإنترنت.  

"هل الخرق هو لنظام الاتصالات والشبكات الداخلية في لبنان، أم أنّ الخرق هو على مستوى الأجهزة الخلوية التي يستخدمها اللبنانيون، وبينهم عناصر "حزب الله"؟ هذا هو السؤال الأساسي بحسب خبير الاتصالات وسيم منصور، الذي كان يشغل سابقاً منصب مدير عام في شركة "تاتش"، إحدى الشركتين المشغّلتين للهاتف الخلوي في لبنان.

منصور يعتقد أن الشبكات اللبنانية لديها نظام حماية (firewall)، لكنه لا يستطيع أن يؤكد إذا كانت هذه الأنظمة محدّثة أم لا.

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن الخرق ممكن للشبكات، لكن ما هو مرجح أكثر هو خرق الهواتف نفسها، بسبب ربط هذه الأجهزة بالإنترنت، ما يجعلها عرضة للاختراق بشكل كبير، خصوصاً مع امتلاك إسرائيل تقنيات عالية في تحليل المعلومات الصادرة من الهواتف ومعالجتها والتصرف بناء على ذلك لتنفيذ عمليات الاغتيال.

لكن السؤال الثاني الذي يحضر هنا هو كيف حصلت إسرائيل على بيانات المشتركين لتتبع أرقام هواتف بعينها ورصد حركة الأجهزة وتتبعها؟

نجحت الطائرات المسيرة في الإطاحة بعدد من قيادات الجماعات المتطرفة بدءا من عام 2001.
الطائرات المسيرة.. سلاح فتاك ضد الإرهابيين وخطر متنامٍ بأيديهم
في عام 1999 استُخدمت الطائرات المسيرة عسكرياً لأول مرة للقيام بعمليات استطلاع وتحديد أهدافٍ محتملة، وفي فبراير 2011 جرت تجربة إطلاق صاروخ من طائرة مسيرة "بريداتور"، وكانت بداية لاستعمال الطائرات الموجَّهة كسلاحٍ قاتل بعد استخدامها لسنوات في أغراض المراقبة والاستطلاع.

منصور يقول إن داتا الاتصالات في لبنان سلمت مثلا قبل أعوام إلى المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري، وأن العديد من بيانات اللبنانيين موجودة على الإنترنت، وهذا يجعل أمر الحصول عليها متاحاً خصوصا للجهات التي تمتلك تقنيات عالية كما هو الحال مع إسرائيل.

هذه المعطيات يؤكدها أيضاً عبد قطايا، مدير برامج الإعلام في منظمة "سمكس" للحقوق الرقمية. يقول لـ"ارفع صوتك": "الإسرائيليون استطاعوا الحصول على كم هائل من البيانات اللبنانية ويستخدمون الذكاء الاصطناعي لتحليلها والاستفادة منها عسكرياً. هناك الكثير من حالات تسريب البيانات الموثقة، مثل وجود جميع بيانات مصلحة تسجيل السيارات بالكامل عبر تطبيقات علنية غير مرخصة، تنتهك خصوصيات اللبنانيين. كما أنه بسهولة يمكن لأي شخص أن يدخل على شبكة الإنترنت ويحصل على بيانات الناخبين، بكل تفاصيلها".

ويضيف قطايا: "قبل سنوات اكتشف تجسس أحد موظفي شركتي الهاتف الخلوي في لبنان مع إسرائيل وتسريبه بيانات الشركة ولم نعرف ماذا حدث بعدها وهل فرضت إجراءات لحماية البيانات ولفهم طبيعة الخرق وحجمه".

منصور يشرح بدوره لـ"ارفع صوتك" أن ما تتفوق به إسرائيل بشكل أساسي هو قدرتها على استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات التي تحصل عليها وبالتالي مقاطعتها مع أمور أخرى لتحديد الأهداف وتنفيذ عمليات الاغتيال. هذا فضلاً عن امتلاك إسرائيل برامج تجسس متطورة جداً، مثل برنامج "بيغاسوس"، وهو برنامج باعته شركة اسرائيلية لأنظمة وبلدان أخرى (كما كشفت تحقيقات استقصائية) ويمتلك القدرة على خرق الهواتف الذكية وتتبعها والتنصت عليها وسحب ما فيها من بيانات واستخدام تطبيقاتها وكاميرا الهاتف وتسجيل الأصوات، من دون قدرة صاحب الهاتف على معرفة أنه تعرض للاختراق.

هذه التقنية (بيغاسوس) تسمح للإسرائيليين، بحسب منصور، بـ"الولوج إلى أي جهاز خلوي ذكي، بمعزل عن المصنّع وجودة الجهاز".

قطايا من جهته يرى أن "الإسرائيليين متقدمون تقنياً بشكل مهول، بالقدرة على الوصول إلى البيانات المرتبطة بالهواتف والحواسيب الموصولة بالإنترنت عبر الألياف الضوئية، بالإضافة إلى القدرة على خرق الاتصالات التي تجري عبر الأنترنت الجوي أو الفضائي، وهذا يتضمن ما يسمى حركة المرور (ترافيك) وجميع الداتا والتطبيقات التي يستخدمها الهاتف المستهدف، بالإضافة إلى القدرة على تحديد المكان الجغرافي (لوكايشن)".

هذه كلها خروقات "منطقية"، بحسب منصور، عندما يقوم المستخدمون بشبك هواتفهم بالإنترنت، والسماح للتطبيقات بالولوج إلى بيانات الهاتف واستخدامها، فضلاً عن ربط الهاتف بتقنية تحديد الموقع. ومع تطور التكنولوجيا تزيد التحديات المتعلقة بالخصوصية والأمن، و"إذا لم تكن متقدماً تكنولوجياً لحماية نفسك من التكنولوجيا، حينها قد يصير الحل الوحيد لحماية نفسك هو التخلي عن التكنولوجيا"، يختم منصور.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.