تلعب تقنيات الذكاء الاصطناعي دوراً كبيراً في الحرب التي تقوم بها إسرائيل ضد قطاع غزة، وتستغل فيها تل أبيب عُصارة خبراتها التكنولوجية في استهداف مقاتلي "كتائب عز الدين القسام" التابعة لحركة حماس، والعمل على تدمير بنيتها التحتية.
ومبكراً، سعت إسرائيل لاعتبار الذكاء الاصطناعي جزءًا من تطوير عقيدته العسكرية. ففي 2017 أعلن الجيش الإسرائيلي أن الذكاء الاصطناعي سيكون "مفتاح البقاء" في العصور الحديثة.
بعدها بعام، كشفت تل أبيب أنها استعانت بـ"أفضل المبرمجين" لإنشاء أنظمة ذكية تبني آلات تستطيع تحليل كمِّ البيانات الضخم الذي تجمعه الأجهزة الإسرائيلية من مصادر مختلفة، "كل دبابة، كل جندي، كل كاميرا تتيح لنا معلومات طول أيام الأسبوع"، حسبما صرّح ضابط إسرائيلي.
طيلة السنوات اللاحقة حافظت إسرائيل على اهتمامها المتزايدة بهذا الشأن وخصّصت لها ميزانية ضخمة وعمّقت من علاقاتها بعمالقة صُنّاع هذه التكنولوجيا في الولايات المتحدة لضمان الوصول لأحدث التقنيات التي تساعدها في مهامها الأمنية المعقدة.
في هذا الشأن تتمتّع إسرائيل بميزة إضافية وهي أنها تخوض عمليات عسكرية بشكلٍ منتظم، الأمر الذي يشكّل فرصة كبيرة لاختبار هذه الأسلحة بشكلٍ لا تسمح به أوقات السلم التي تعيشها الدول الكبرى، وحسبما صرّح آفي حسون مدير إحدى شركات التكنولوجيا الإسرائيلية، فإن الحرب المشتعلة حالياً كانت "فرصة لاختبار تقنيات جديدة في استهداف عددٍ من المواقع في ساحة المعركة أو داخل المستشفيات".
بدءاً من 2019 أنشأت إسرائيل إدارة متخصصة لتحديد الأهداف التي يجب قصفها يعمل فيها مئات الضباط والجنود لتخزين كميات البيانات الضخمة التي ترصدها أجهزة المراقبة ثم تحللها.
تُزوّد هذه التقنيات بالصور الملتقطة من الطائرات من دون طيار والأقمار الاصطناعية وكذا الاتصالات الهاتفية التي يجري اعتراضها وأيضاً المعلومات المخابراتية التي ترصد حركات كبار قادة الفصائل الفلسطينية. ويُحلل الذكاء الاصطناعي كافة هذه المدخلات عبر نظام يُعرف بـ"مصنع النار" (Fire Factory).
بالاعتماد على نظام إلكتروني آخر هو "الإنجيل"ـ يتم تقييم المخرجات ومساعدة صناع القرار الإسرائيليين على تحديد أهدافٍ بعينها.
وحسبما أعلن أفيف كوخافي رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي السابق، فإنه قبل استخدام هذه التقنيات كان يجري تحديد 50 هدفاً سنوياً عبر الاعتماد على الجهود المخابراتية وحدها، أما بعدها فباتت إسرائيل قادرة على تحديد 100 هدفٍ يومياً يجري مهاجمة نصفها بعد المزيد من إجراءات التصفية التي تنفّذها خوارزميات معقدة تحدد أعداد المدنيين المتواجدين داخل العقار وقُدرتهم على إخلاء البناء قبل وقتٍ قصير من وقوع الغارة.
بناء على ذلك، اعتادت إسرائيل الترويج لامتلاكها "بنك أهداف" تابعة لحماس مستعدة لضربها في أي وقت.
ورغم المخاوف المتصاعدة من هذه الحرب والانتقادات الموجّهة إلى أساليب القتال الإسرائيلية التي لم تستطع تجنُّب سقوط أعدادٍ ضخمة من الفلسطينيين المدنيين، فإن نجاح إسرائيل في تعميق الاعتماد على التقنيات الذكية في هذه الحرب عزّز مكانتها كمركز عالمي لهذا النوع من الصناعات.
وسبق أن أبدت 46 دولة -من ضمنها الولايات المتحدة- مخاوفها من الاعتماد المفرط على تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية ووقّعت "إعلانا سياسيا" بشأن ضرورة العمل على التطبيق الأمثل لهذه التقنية في ظِل احتمالية وقوع الخوارزميات المُشغِّلة له في أخطاء قد تؤدي لمقتل المدنيين دون ذنب، إلا أن إسرائيل تجاهلت التصديق على هذا الإعلان.
استخدامات قديمة
بعد العملية العسكرية في قطاع غزة عام 2021، كشف مسؤولون عسكريون إسرائيليون أن هذه هي "الحرب الأولى التي يُعتمد فيها بشدة على أنظمة الذكاء الاصطناعي وبرامج الحوسبة المتقدمة".
وأسفرت هذه العملية عن مقتل 261 فلسطينياً وإصابة 2200 آخرين. وخلالها تمكّنت تكنولوجيا الذكاءالاصطناعي من التعرّف على قادة وحدات الصواريخ التابعة لحماس وُضعوا على قائمة الأهداف للمعركة التالية، في مهمة لم تستغرق أكثر من ثوانٍ بعدما كانت تحتاج إلى أسابيع من العمل الاستخباري الشاق، سابقاً.
أيضاً ساعد إدماج هذه الأساليب الذكية على زيادة منظومة القبة الحديدية وتحسين قُدرتها على تتبع الصواريخ التي تنطلق من داخل القطاع.
ومنذ 2022 بدأ الجيش الإسرائيلي في إمداد بعض الحواجز الأمنية في الضفة الغربية بكاميرات مزودة بنظام ذكي للتعرف على الوجوه عُرف بِاسم "الذئب الأحمر" (Red wolf)، تركّز على التعرف على وجوه الفلسطينيين ورصدها من ثم إتاحة كافة المعلومات المتوفرة عن كل واحدٍ منهم ليس على المعابر الفلسطينية فقط إنما أُتيحت أيضاً على هواتف الجنود والضباط عبر تطبيقات خُصصت لهذا الغرض.
توّجت هذه التقنية أعواماً قضتها إسرائيل في بناء قاعدة بيانات ضخمة تشمل أكبر قدرٍ ممكن من الفلسطينيين، وتحقيقاً لهذا الغرض دشّنت شبكات مراقبة كاملة في المدن الكبرى حتى أنها حثّت جنودها على تصوير وجوه الفلسطينيين بشكل دوري وتخزينها في نظامٍ عُرف بـ"الذئب الأزرق" (blue wolf).
وحسبما نقلت منظمة العفو الدولية عن أحد الناشطين الفلسطينيين بأنه بات بمقدور كل جندي إسرائيلي توجيه هاتفه نحو وجه أي فلسطيني واستطلاعه أمنياً عبر تطبيق الهاتف.
بطبيعة الحال كانت الحدود مع قطاع غزة ميداناً أساسياً للاستعانة بهذه التقنيات لتحليل الوجوه ورصد الحركات المعادية.
وفي 27 سبتمبر 2023 اصطحب مسؤولون إسرائيليون أعضاءً من اللجنة العسكرية في حلف شمال الأطلسي لإطلاعهم على التقنيات الذكية التي استعانت بها إسرائيل لمراقبة حدودها بكل دقة، وهي الإجراءات التي ثبت عدم كفاءتها المُطلقة خلال أيامٍ وقعت خلالها هجمات أكتوبر. وحتى الآن لم تُعلن إسرائيل الثغرات التقنية التي استغلها المقاتلون الفلسطينيون لتجاوز أنظمتها الإلكترونية.
الأسلحة الذكية في غزة
خلال الأسبوع الأول من الحرب التي دخلت شهرها السادس، أعلنت إسرائيل إسقاط 6 آلاف قنبلة، وبعد مرور 35 يوماً من الحرب هاجمت إسرائيل 15 ألف هدف حسبما نشر الجيش الإسرائيلي، وهو معدل ضخم للغاية لم تشهده الحروب السابقة؛ ففي 2021 هاجمت إسرائيل 1500 هدف خلال 11 يوماً، وفي 2014 قصفت إسرائيل 6 آلاف هدفٍ تقريباً بعد 51 يوماً من القتال، وفي 2008 ضربت إسرائيل 3400 هدفاً في 22 يوماً.
الفضل الأول في ذلك يرجع إلى تقنية "الإنجيل" التي تستعين بها تل أبيب واقترحت على القادة الإسرائيليين قصف آلاف الأهداف التابعة لحماس بداية من منازل الكوادر النشطة وحتى مخازن الأسلحة ومعسكرات التدريب.
كذلك استعان سلاح المشاة الإسرائيلية بتقنية "Smart shooter" الذكية التي ترسم للجنود مشاهد دقيقة لساحة المعركة تعينهم على اقتناص الأهداف بدقة فائقة تجعل "من الجندي الأعمى قناصاً"، على حدِّ وصف أحد مسؤولي الجيش الإسرائيلي.
وأيضاً تعتمد تل أبيب بشكلٍ كبير على الطائرات بدون طيار المزودة بتقنيات الذكاء الاصطناعي في رسم خريطة للأنفاق الكائنة تحت الأرض، في محاولة منها لتحديد أماكن المحتجزين الذين عجزت العمليات العسكرية المتواصلة عن تحريرهم طيلة الشهور الفائتة.
حتى في حال اكتشاف مدخل أحد الأنفاق يُحظر على الجنود الإسرائيليين دخوله بسبب مخاوف أن يكون مفخخاً، لذا تعتمد إسرائيل على طائرات صنعتها شركة Robotican تطير داخل النفق وترسل صوراً من داخله للتأكد من كونه آمنًا للاقتحام البري أم لا.
